تتواصل التحركات السياسية والدبلوماسية المرتبطة بمستقبل قطاع غزة، وسط نقاشات متزايدة حول ترتيبات "اليوم التالي" للحرب، ودور الأطراف الفلسطينية والإقليمية والدولية في إدارة القطاع خلال المرحلة المقبلة، بالتزامن مع استمرار المفاوضات والجهود الرامية للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.
وأشار تقرير لصحيفة "معاريف" الإسرائيلية إلى أن معركة مختلفة تدور في الأسابيع الأخيرة خلف إعلانات "حماس" بتجميد المفاوضات، وخلف اتهاماتها للوسطاء، وخلف الاجتماعات رفيعة المستوى في إسطنبول والدوحة.
وأشارت الصحيفة إلى أنها ليست معركة صواريخ أو أنفاق أو عصابات مسلحة، بل معركة وقت، فبالنسبة لـ"حماس"، كل يوم يمر دون حكومة بديلة في غزة، ودون قوة شرطة جديدة، ودون عودة حقيقية للسلطة الفلسطينية، ودون آلية دولية تنتزع السيطرة منها، هو يوم تبقى فيه الحركة حاضرة في الساحة.
لذا، فإن الهدف المباشر ليس بالضرورة التوصل إلى اتفاق، بل منعه من الوصول إلى مرحلة تُلحق ضرراً حقيقياً بـ"حماس".
وأضاف التقرير: "هنا يبرز دور نيكولاي ملادينوف، الذي يُقدّم كمبعوث باسم مجلس السلام، وكأحد الأشخاص المكلفين بترجمة المبادرات السياسية إلى واقع ملموس على الأرض".
وتابعت "معاريف" أن "حماس" أدركت جيدًا تداعيات الأمر، فإذا نجح ملادينوف، قد يبدأ قطاع غزة بالتحرك نحو هيكل جديد: حكومة من الخبراء، وقوة أمنية بديلة، وتدخل دولي، وربما عودة محتملة للسلطة الفلسطينية.
أما إذا فشل، أو شعر بالإرهاق، أو أُجبر على التنحي، فسيكون البديل الطبيعي هو "حماس" مجددًا، ليس بالضرورة لأن سكان غزة يرغبون به، بل لأنه لن يبقى كيان آخر قادر على الحكم.
خطة أوسع
مع ذلك، تُبذل جهود على الساحة الدولية للترويج لخطة أوسع، وتجري محادثات لتشكيل لجنة فلسطينية لإدارة قطاع غزة، إلى جانب قوة استقرار دولية أو إقليمية تعمل على الأرض.
وقد صرّح توني بلير في الأمم المتحدة بأنه تم إحراز "تقدم ملحوظ" في إنشاء اللجنة الفلسطينية لإدارة غزة وتشكيل قوة الاستقرار الدولية. إلا أن المحادثات بشأن نزع سلاح "حماس" لا تزال جارية، ولم يتم التوصل إلى قرار نهائي بشأنها.
وتؤكد واشنطن بوضوح أن "حماس" لن تتمكن من الاستمرار في السيطرة على غزة.
وصرّح السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، بأن "حماس" لن تسيطر مجدداً على القطاع، وهو تصريح يهدف إلى تحديد حدود نفوذ الإدارة الأميركية في أي ترتيبات مستقبلية.
لهذا السبب، بدأت الحركة في الأيام الأخيرة بتوجيه انتقادات سياسية حادة إلى ملادينوف.
ونقلت تقارير عن مصادر في "حماس" قولها إن الحركة تدرس تجميد الاتصالات مع مجلس السلام، والسبب الرسمي هو عجز ملادينوف وشركائه عن إجبار إسرائيل على وقف إطلاق النار، بل إن أحد المصادر اتهمه بالانحياز لإسرائيل.
لكن وراء هذا الاتهام رسالة أعمق: تحاول حماس تحويل الوسيط إلى مشكلة، حتى لا تضطر إلى التعامل مع مضمون الاتفاق الذي تسعى إلى الترويج له، بحسب التقرير.
ومن بين مطالب أخرى، يطالب ملادينوف إسرائيل بتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع والحد من العمليات العسكرية فيه، وهما مطلبان يُسببان توتراً مستمراً بين إسرائيل والأطراف الدولية المعنية بالخطة.
وتقول مصادر مطلعة على المحادثات إن حماس تُبدي استعدادًا محدودًا فقط لنقل الصلاحيات المدنية إلى كيان فلسطيني أو دولي، وربما حتى التخلي جزئيًا عن الأسلحة لصالح آليات الأمن الداخلي لكنها لا تُفكك الجناح العسكري.
وقال مصدر سياسي: "هذا بعيد كل البعد عما تطالب به إسرائيل والولايات المتحدة".
في الوقت نفسه، تستمر تركيا في التحول إلى ساحة مهمة لقيادة "حماس"، والتقى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في إسطنبول بوفد رفيع المستوى من الحركة، ضمّ من بين آخرين محمد درويش، وخالد مشعل، وخليل الحيا، وزاهر جبارين.
وتناول الاجتماع قضايا غزة، ووقف إطلاق النار، والمساعدات الإنسانية، والقدس، والحرم القدسي، إلا أن جوهر الاجتماع لم يكن أقل أهمية من مضمونه، إذ أوضح أن "حماس" ليست معزولة، وأنها لا تزال تحظى بدعم إقليمي يمنحها الشرعية.
تراجع شعبية "حماس"
لكن وسط كل هذا، ثمة إحصائية واحدة تُقلق "حماس" بقدر ما تُقلق الوسطاء: الرأي العام الفلسطيني نفسه، حيث يُشير استطلاع رأي أجراه معهد "PCPSR" التابع لخليل شكاكي في أبريل 2026 إلى تغير حاد في قطاع غزة، فإذا كان نحو 70% من سكان غزة، في ذروة الحرب في ديسمبر 2023، يُؤيدون بقاء "حماس" في السلطة، فإن الصورة الآن مختلفة، فالخيار الأبرز هو حكومة من الخبراء أو التكنوقراط، بنسبة تأييد 42%.
بينما تحظى "حماس" بنسبة 31%، والسلطة الفلسطينية بشكلها الحالي بنسبة 18% فقط.
(ترجمات )