وثائق سرية تكشف قضية الكلور.. من صفقة مياه إلى أسلحة قاتلة يتحمل مسؤوليتها البرهان

آخر تحديث:

شاركنا:
أدلة جديدة تطوق البرهان باتهامه استخدام السلاح الكيميائي (رويترز)
هايلايت
  • الاتهامات التي تطال البرهان باستخدام السلاح الكيميائي في دائرة الاكتمال واليقين.
  • الأدلة والوثائق تكشف ما هو أبعد من مجرد فصول أكثر قتامة في سيرة الحرب.
  • مراقبون: التحولات الطارئة نقطة تحول مفصلية تنقل الملف من دائرة الاتهامات السياسية.

لم يكن الملف الاستخباراتي الذي كشفت عنه "نيويورك تايمز"، بينما يضع الاتهامات التي تطال الجيش السوداني باستخدام السلاح الكيميائي في دائرة الاكتمال واليقين، أمرًا مباغتًا أو عرضيًا. فثمة سوابق عديدة لتقارير وشهادات حقوقية، محلية وأممية، راكمت الحقائق ذاتها، بما يتجاوز حدود الاستقطاب السياسي ويفضح الطبقة المستترة خلف الحرب ووسائلها وأغراضها البراغماتية.

أدلة ووثائق تدين البرهان

إذ إنّ الأدلة والوثائق تكشف ما هو أبعد من مجرد فصول أكثر قتامة في سيرة الحرب المندلعة منذ عام 2023، خصوصًا مع خروجها من نقطة الاحتمال إلى اليقين.

ويتعيّن النظر إلى التحولات الطارئة اليوم على أساس كونها "نقطة تحول" مفصليّة، تنقل ملف الاتهامات من دائرة الاتهامات السياسية الفضفاضة، إلى مستوى آخر ومغاير هو المساءلة عن منظومة القرار العسكري بالسودان التي يقودها الفريق عبد الفتاح البرهان، بحسب ما قاله سياسيون وحقوقيون سودانيون تحدثوا لـ"المشهد".

فالأمر الأكثر فداحة، وفق المصادر ذاتها، يتمثل في الحصول على مادة تستخدم في الأغراض المدنية، خصوصًا معالجة المياه، ثم تحويلها إلى ذخيرة قابلة للاستخدام في ساحات القتال.

فما تكشفه الوثائق الجديدة لا يتعلق فقط باتهامات باستخدام سلاح محرم، بل يثير احتمالًا أكثر خطورة، وهو امتلاك القدرة على إنتاج ذخائر كيميائية محليًا، والاستفادة من بنية صناعية ومدنية قائمة لتوفير المواد اللازمة لها، بما يحوّلُ الحرب السودانية إلى ساحة مفتوحة على مستوى جديد من العنف والانتهاكات، وفق المصادر السياسية والحقوقية. 

وحدة عسكرية سرية 

وكانت الصحيفة الأميركية، قد أظهرت، اليوم، في الوثائق المنشورة نشاط وحدة عسكرية سرية تولت إنتاج ذخائر تعتمد على غاز الكلور، بجانب مخططات لتصنيع القنابل وكذلك معلومات عن محاولات لإخفاء آثار البرنامج بعد انكشافه.

وقالت إن العميد طارق حسين، الذي تصفه بأنه المسؤول عن مشروع قنابل الكلور، اقترح استخدام الغاز في تصنيع ذخيرة تجمع بين رأس متفجر وكمية من غاز الكلور، بهدف إلحاق أضرار بالقوات المستهدفة من خلال الانفجار أو التعرض للغاز.

وتشير اتصالات جرى اعتراضها إلى أن البرهان أصدر لاحقًا تعليمات بـ"إزالة جميع آثار" أنشطة البرنامج، فيما جاء في رد منسوب إلى أحد المسؤولين أن العملية كانت قد أُنجزت قبل ذلك بشهر.

وفي يونيو ، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على العميد طارق حسين بتهمة استيراد متفجرات تستخدم في صناعة القنابل. 

مخاوف وتساؤلات 

وفي حديثها لمنصة "المشهد" قالت الناشطة والحقوقية السودانية عضو المكتب التنفيذي لمجموعة "محامو الطوارئ" رحاب مبارك، إن التقرير الذي نشرته "نيويورك تايمز"، أكد ما سبق أن أثارته من مخاوف وتساؤلات في عدة تقارير وشهادات ميدانية بشأن حصول الجيش السوداني على كميات كبيرة من غاز الكلور المسال وإمكانية استخدامه لأغراض عسكرية، وهي تقارير راكمت حقائق لم يكن بالإمكان التملص منها أو التعمية عن نتائجها من قبل الجيش.

وأضافت مبارك أنها كانت قد أعدّت، في وقت سابق، تقريرًا تناول صفقة للحصول على غاز الكلور المسال، قالت إن هيئة مياه ولاية الخرطوم كانت قد طرحتها، قبل أن يستحوذ الجيش السوداني على الصفقة وكميات الكلور المرتبطة بها لصالح منظومة الدفاعات الصناعية.

وأشارت إلى أنها طرحت حينها عدة تساؤلات بشأن دوافع حاجة المؤسسة العسكرية إلى هذه الكميات الكبيرة من الكلور المسال، وسبب استحواذ منظومات تابعة للجيش والأجهزة الأمنية والاستخباراتية على الصفقة.

وقالت إن التطورات الأخيرة عزّزت مخاوفها السابقة، مشيرة إلى ما وصفته بالخبرة التي يمتلكها الجيش السوداني في مجال تصنيع الكلور، وإلى احتمال حصوله على خبرات خارجية في هذا المجال، من بينها إيران.

وعليه، فإن ما نشرته الصحيفة الأميركية، يمثل دليلًا إضافيًا يدعم المخاوف من حصول الجيش على غاز الكلور عبر مورد مدني للمياه وإعادة تصنيعه وتحويله إلى مادة يمكن استخدامها كسلاح، حسبما تؤكد الناشطة والحقوقية السودانية عضو المكتب التنفيذي لمجموعة "محامو الطوارئ".

وختمت مبارك بالقول إن هذه المعطيات، إلى جانب المعلومات التي كانت قد أوردتها سابقًا، تشكل، بحسب تقديرها، مؤشرين مباشرين على امتلاك الجيش السوداني القدرة على استخدام مواد كيميائية وتصنيعها محليًا، في ظل توافر المواد والموارد اللازمة لذلك.

دائرة المساءلة

يتفق والرأي ذاته القيادي البارز في حزب الأمة القومي السوداني عروة الصادق، والذي يؤكد على أن ما تناولته الصحيفة الأميركية يتعيّن النظر له بما هو أبعد من مجرد حقائق تبدو طارئة، إنما هي "نقطة تحول" رئيسة ومركزية تنقل الملف من دائرة الاتهامات السياسية إلى دائرة المساءلة عن منظومة القرار العسكري.

وأضاف الصادق، في تصريحات لمنصة "المشهد"، أن الصحيفة كانت قد نقلت في يناير 2025 عن 4 مسؤولين أميركيين كبار قولهم إن القوات المسلحة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية مرتين على الأقل، فيما أشار مسؤولان آخران، بحسب ما ورد في التحقيق، إلى أن المعرفة بالبرنامج كانت محصورة في دائرة ضيقة داخل المؤسسة العسكرية، وأن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان أجاز استخدام هذه الأسلحة.

ورأى الصادق أن سلطة بورتسودان باتت تواجه معضلة حقيقية، حيث إنها أصبحت أمام قرار حكومي أميركي رسمي، وعقوبات متصاعدة، وملف مفتوح داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

وبحسب القيادي في حزب المؤتمر القومي السوداني، فإن هذا المسار المتصاعد يضيّق مساحة المناورة السياسية أمام سلطة بورتسودان، كما رأى أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أصبحت "مركز الاختبار الحقيقي" في هذه القضية، بعدما تجاوز الملف نطاق العلاقة الثنائية بين بورتسودان وواشنطن.

خيارات أمام بورتسودان

وقال إن بورتسودان باتت، من وجهة نظره، أمام خيارين:

  • تعاون واسع وقابل للتحقق يمكن أن يفكك الاتهامات.
  • أو استمرار تراكم الأسئلة والأدلة والضغوط بما قد يحول القضية إلى أزمة امتثال داخل النظام الدولي لحظر الأسلحة الكيميائية.

وأوضح أن إثبات خروج مادة من مسارها المدني وانتقالها إلى جهة عسكرية وتجهيزها للاستخدام القتالي، بالتزامن مع وجود أدلة ميدانية وعينات وأعراض متوافقة مع التعرض لها، من شأنه أن يغير طبيعة القضية، مؤكدًا أن تداعيات الملف لا تقتصر على السلطة في بورتسودان، بل تمتد إلى حلفائها وشركائها.

وتابع: "البنوك وشركات الشحن والتأمين وجميع الموردين والوسطاء، إلى جانب الدول التي توفر تقنيات أو مواد ذات استخدام مزدوج، ستنظر إلى تطورات الملف من زاوية المخاطر القانونية والمالية".

وختم قائلًا إن القضية لم تعد، من وجهة نظره، مجرد رواية أميركية في مواجهة رواية صادرة عن بورتسودان، بل أصبحت مرتبطة بمخازن وسجلات وعينات وطلعات جوية وأوامر عمليات وسلاسل توريد وشهود ومسؤولين ومؤسسات دولية تمتلك أدوات فنية للتحقق، حيث إن إعادة بناء سلسلة الأدلة "من المادة إلى المخزن، ومن المخزن إلى الذخيرة، ومن الذخيرة إلى الطائرة، ومن الطائرة إلى أمر العمليات، ومن أمر العمليات إلى دائرة القيادة"، من شأنها أن تقلص مساحة المناورة السياسية مع كل حلقة يجري إثباتها.

(ألمشهد)