وسط ارتفاع متزايد في التوترات بين إسرائيل وإيران، يتضح أنّ المنطقة تمرّ بمرحلة حرجة للغاية مع تصاعد المخاوف بشأن استهداف المنشآت النووية.
ويشير محللون وخبراء عسكريون وإستراتيجيون إلى أن أيّ تصعيد قد يؤدي إلى عواقب بيئية وبشرية كارثية، خصوصا إذا طالت المواجهات أحد المفاعلات النووية في إيران أو إسرائيل.
وأكد الخبراء في تصريحات لمنصة "المشهد" أن أيّ هجوم على منشأة نووية في الإقليم قد ينتج عنه تسرب إشعاعي واسع النطاق، تتجاوز آثاره حدود الدول المعنية ليهدد دول الجوار العربي والأمن الإقليمي لعقود قادمة.
وشدّدوا على أن ما يحدث حاليا ليس مجرد تصعيد عابر، بل يمثل تحولا إستراتيجيا يعيدُ رسم ملامح التوازنات في الشرق الأوسط، في ظل غياب تدخل دوليّ حازم للحدّ من تصعيد الأطراف المتنازعة.
في هذا السياق، تواصل إسرائيل التلويح بخيارات عسكرية تستهدف القدرات النووية الإيرانية بينما تحذّر أطراف عربية من اختلال خطير في ميزان القوى إذا استمرت تل أبيب في قيادة المشهد بدعم غربي غير مشروط.
أما السلاح النووي، فهو وفق إجماع الخبراء ما يزال أداة ردع أساسيّة، لكن استمرار التصعيد الميداني قد يفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها، ما لم يُطلق مسار دبلوماسي إقليمي ودولي سريع يعيد التوازن ويمنع انهيار الأوضاع.
المنطقة غير مهيأة لتسرب نووي
وفي هذا الصدد، حذّر المستشار في الأمن القومي والعلاقات الدولية اللواء محمد عبد الواحد، من أن أي استهداف لمفاعل نووي سواء في إيران أو إسرائيل، قد يؤدي إلى كارثة بيئية وإنسانية واسعة يصعب احتواؤها لعقود.
وأوضح أن خطورة هذا النوع من الضربات لا تكمن فقط في تدمير المنشآت الخرسانية، بل في احتمالية وصول القصف إلى المواد المشعة مثل اليورانيوم، الوقود النووي أو أنظمة التبريد، ما يُنتج تسربا إشعاعيا قد يتسبب في تلوث بالغ للمياه والهواء والغذاء.
وشدد عبد الواحد على أن المنطقة العربية غير مهيأة على الإطلاق للتعامل مع سيناريوهات التسرب النووي أو الإشعاعات، مستذكرا الكوارث النووية السابقة، كقصف هيروشيما وناغازاكي في اليابان ومفاعل تشيرنوبيل في الاتحاد السوفياتي، والتي استمر تأثيرها لعقود طويلة.
وأشار إلى أن الضربات الإيرانية حتى الآن ترتكز على مبدأ "رد الفعل" وليس "الفعل"، مؤكدا أن وقف إسرائيل عن استهداف المفاعلات النووية الإيرانية بات ضرورة ملحّة، لكون أيّ قصف من هذا النوع ستكون له تبعات تتجاوز حدود إيران لتطال محيطًا إقليميًا واسعًا يشمل دولًا مثل الأردن ومصر والسعودية.
وفي حديثه عن مفاعل فوردو، لفت عبد الواحد إلى أنه على الرغم من بُعده الجغرافي عن إسرائيل نحو 2000 كلم فإن كثافته العالية باليورانيوم واحتوائه على وحدات تخصيب حساسّة تجعله هدفا له تأثير كارثي إذا تم قصفه أو تدميره، سواء من قبل إسرائيل أو عبر تدخل أميركي مباشر.
وأكد أن "ما يُحاك في الخفاء أخطر مما يُعلن" داعيًا المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوقف الهجمات على المنشآت النووية والعودة إلى طاولة المفاوضات كبديل حضاري وسلمي لتفكيك البرامج النووية، عوضًا عن السيناريوهات العسكرية التي تنذر بكوارث بشرية لا تحتملها المنطقة.
انهيار توازن القوى
وفي رده على سؤال حول المطلوب عربيًا لمواجهة هذه التهديدات، تساءل عبد الواحد: "هل هناك من يريد أن يسمع هذا الصوت؟"، مشيرًا إلى أنه كرر في منابر إعلامية عدّة أن استمرار هذا الصراع دون كوابح، يشكل خطرًا داهمًا على الأمن القومي العربي، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات من قوى إقليمية غير عربية مثل إيران، إسرائيل، تركيا وإثيوبيا.
وأضاف أن اختلال ميزان القوى لصالح طرف على حساب آخر -كأن تتمكن إسرائيل من تحييد إيران بالكامل ليس بالضرورة أمرًا إيجابيًا للمنطقة، لأن ذلك قد يترك إسرائيل منفردة بالنفوذ وسط دعم أميركي غير محدود، الأمر الذي يهدد بمزيد من التوسع والاستعلاء.
واستدل بذلك على الخطاب الاستعلائي الإسرائيلي الذي ينظر إلى العرب باعتبارهم "أغيار" أو "عماليق"، كما ورد في تصريحات سابقة لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو.
وتحدث عبد الواحد عن نظرية "المجال الحيوي" التي تتبناها إسرائيل والتي تقوم على ضرورة توسيع رقعتها الجغرافية نظرا لصغر مساحتها مقارنة بما تمتلكه من قدرات عسكرية وتكنولوجية.
وأشار إلى أن هذه النظرية تعود جذورها إلى الفكر الجيوبوليتيكي الأوروبي في عشرينيات القرن الماضي وتبناها النظام النازيّ لاحقا.
وأكد عبد الواحد أن من مصلحة الأمن القومي العربي ترسيخ توازن قوى حقيقيّ في المنطقة، يمنع الانفراد الإسرائيلي ويضمن حالة من الردع المتبادل التي تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار، معتبرا أن انتصار أحد الأطراف الإقليمية كليا يعني بالضرورة، انزلاق المنطقة نحو مرحلة جديدة من الهيمنة والتهديد الدائم.
السلاح النووي خيارٌ ردعي
بدوره، شدّد الخبير العسكري والإستراتيجي نضال أبوزيد على أن استخدام السلاح النووي في العقائد القتالية لا يُعدّ خيارا أحاديا لأيّ دولة، بل يرتبط بجملة من الشروط والقيود الدولية الصارمة إضافة إلى اعتبارات فنية معقدة.
وأوضح أن احتمالات لجوء أي طرف سواء إسرائيل أو إيران أو غيرهما إلى هذا النوع من الأسلحة، تظل رهينة معادلات قاسيّة تجعل اتخاذ القرار أشبه بخط أحمر لا يُتجاوَز بسهولة.
ولفت أبوزيد إلى أن السلاح النووي يُستخدم في الغالب لأغراض الردع وليس للعمليات العسكرية المباشرة، مشيرا إلى أن الهدف منه هو فرض توازنات إستراتيجية أو توجيه رسائل سياسية، وليس لتحقيق مكاسب ميدانية عبر الاستعمال الفعلي الذي قد يطال المدنيين أو يترك أثرا تدميريا واسع النطاق.
وأكد أن الحديث اليوم بات ينصب على حروب الجيل السادس، التي تعتمد على الطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية والصواريخ بعيدة المدى، وليس على السلاح النووي الذي يُعدّ سلاحا غير تقليدي يستدعي قرارات خارجة عن النسق العسكري المعتاد وقد يجرّ المنطقة إلى تداعيات غير محسوبة.
وفي ما يتعلق بجاهزية الأردن، أوضح أبوزيد أن كل دولة في العالم تمتلك منظومات للطوارئ والأزمات تشمل لجاناً متخصصة في إدارة الكوارث، مشيرا إلى أن المملكة لا تشذّ عن هذه القاعدة، إذ توجد لديها لجان فاعلة تعمل على مدار الساعة لمتابعة أي طارئ.
وبيّن أن الاستعدادات في حالات التهديد النووي تُقسم إلى مستويات ملونة: تبدأ من اللون الأخضر للاستعدادات العادية، يليه اللون البرتقالي في حالة التأهب المتوسط، وصولًا إلى اللون الأحمر في حال التهديدات الفعلية وهو ما يستدعي حالة تأهب قصوى.
مغامرة كارثية في المنطقة
وأضاف أبوزيد أن معظم الدول بما فيها الأردن، تمتلك منشآت إستراتيجية محمية تحت الأرض تعرف باسم مراكز القيادة والسيطرة (C2) والتي صُممت لتحمل الضربات النووية، وتحظى بتحصينات تحميها من القصف أو الإشعاعات النووية.
وعن احتماليّة توجيه ضربات نووية، رجح ألا تُقدم إيران على خيار كهذا في الوقت الراهن، نظرا لتكلفته الباهظة على طهران وعلى المنطقة بأسرها.
وحذّر في الوقت نفسه "من أن أيّ مغامرة نووية ستفرض تحولا كبيرا في استعدادات دول الجوار، إذ لن تكون المواجهة حينها تقليدية، بل ستفتح المجال لسيناريوهات تمس محيط إيران المباشر".
وشدد أبوزيد على أن الحل الأمثل في هذه اللحظة هو الدفع باتجاه تحرك دبلوماسي إقليمي جماعي، يمارس ضغوطا فعالة لوقف التصعيد بين إسرائيل وإيران وتفادي الانزلاق نحو مواجهة نووية قد تخرج عن السيطرة وتطال المنطقة برمتها.
سياسة "التحييد"
وفي سياق متصل، أكد المحلل السياسي أحمد عياش أن منطقة الشرق الأوسط غير مهيأة لا لوجستيا ولا إستراتيجيا للتعامل مع احتمالات التصعيد النووي، مشيرًا إلى أن معظم دول الإقليم لم تختبر هذا النوع من التهديدات من قبل.
وأضاف أن إسرائيل، على الرغم من امتلاكها منظومات دفاعية متقدمة وقدرتها التقليدية على التعامل مع سيناريوهات معقدة، لم تستطع مؤخرًا صدّ جميع الصواريخ الباليستية التي أطلقت من إيران والتي وصلت إلى أهدافها وألحقت أضرارا مادية وفق تقارير رسمية تتحدث عن خسائر متراكمة.
وتابع عياش: "إذا كانت إسرائيل، بكل قدراتها التكنولوجية والعسكرية، تعجز عن التصدي الكامل لتهديدات تقليدية، فكيف سيكون حال دول مثل لبنان؟"، موضحا أن الدولة اللبنانية "عارية تماما" وتفتقر إلى أدنى مقومات الحماية سواء ضد الأسلحة التقليدية أو النووية، ما يجعل وقوع أي ضربة بمثابة كارثة محققة لا يمكن احتواؤها.
ولفت إلى أن لبنان، بوضعه الجغرافي والسياسي المعقد، هو من أكثر الدول حاجة إلى سياسة "التحييد" على غرار التجربة السويسرية التي جنبتها صراعات الإقليم لعقود، مضيفًا أن أصواتا لبنانية عدة نادت بهذا التوجه، لكنها ما زالت أضعف من القوى التي تزج بالبلاد في خضم النزاعات الإقليمية.
وشدد عياش على أن المشهد الحالي ينذر بتحول إستراتيجي كبير في المنطقة، داعيا الدول العربية إلى انتهاج مسار عاجل لإعادة المنطقة إلى مسار السلام، محذرًا من أن استمرار التصعيد سيفتح الباب على سيناريوهات "مرعبة" تتطلب استعدادا جادا "لمرحلة ما بعد الأزمة بروح جديدة عنوانها السلام الحقيقي لا الشعارات والمناورات".
(المشهد)