بدا لافتًا في تصنيف جماعة "الإخوان" بالسودان على قوائم الإرهاب الأميركية، الإشارة إلى العلاقة التخادمية البراغماتية بين "الإخوان" ونظام "الولي الفقيه" في إيران، فضلًا عن اضطلاع "الحرس الثوري" بمهمة تدريب كتيبة "البراء بن مالك" التابعة للجماعة الأم للإسلام السياسي.
مصالح مشتركة
ولئن لا يبدو الحديث عن التخادم بين إيران والتيارات الإسلاموية أمرًا طارئًا أو مباغتًا، إنما له سوابق عديدة ومتكررة، فإن الإشارة التي وردت في بيان الخارجية الأميركية، تراكم حقيقة مفادها وجود أهداف ومصالح مشتركة، خفية ومعلنة، بين الحركة "الإخوانية" وطهران، بينما تبدو "تاريخية" و"إستراتيجية" في السودان كما في دوائر إقليمية وجيوسياسية أخرى.
وقد بدأت هذه العلاقة مع "إخوان" السودان قبل انقلاب 1989 ثم ما لبثت أن امتدت إلى التدريب العسكري، التسليح، وإنشاء مصانع حربية، فضلًا عن الروابط الأيدولوجية مع انتشار المراكز الثقافية والدعوية التابعة لـ"الحرس" ومنها "الحسينيات" الشيعية، بحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".
فيما يُظهر التصنيف الأميركي الأخير لجماعة "الإخوان" السودانية كـ"منظمة إرهابية"، أن واشنطن تعتبر هذه الفصائل امتدادًا مباشرًا لـ"المشروع الإيراني الإقليمي"، مع القدرة على تهديد ملاحة البحر الأحمر، بحسب المصادر ذاتها، موضحين أن السودان، بموقعه الجيوسياسي على ساحل البحر الأحمر، يشكل بوابة لنفوذ إيران نحو القرن الإفريقي، حيث تستغل طهران خبرة "الإخوان" السودانيين في إدارة الشبكات المسلحة، وتزوّدهم بتقنيات متقدمة مثل الطائرات المسيّرة، بهدف بناء ما يسمى "محور مقاومة" تتخفى وراءه أغراض مشبوهة ترتبط بتحقيق نفوذ سياسي عسكريتاري يمتد من البحر الأحمر إلى الساحل الإفريقي.
وبحسب ما جاء في بيان الخارجية الأميركية، فإن جماعة "الإخوان" المؤلفة من الحركة الإسلامية السودانية وجناحها المسلح "لواء البراء بن مالك" تستخدم العنف المفرط ضد المدنيين لتقويض جهود حل النزاع في السودان ونشر أيديولوجيتها الإسلاموية العنيفة.
وأوضح البيان أن الجماعة ساهمت بأكثر من 20 ألف مقاتل في الحرب في السودان، والعديد منهم تلقى تدريبًا ودعمًا من "الحرس الثوري" الإيراني.
قوة ظل
ومن اللافت أنه مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، برز الاصطفاف مع إيران من قبل فروع الجماعة الإقليمية، وقد ظهر القيادي "الإخواني" في "البراء بن مالك" الناجي عبد الله، في 4 مارس الماضي، بالزي العسكري، معلنًا: "بنادقنا ومدافعنا جاهزة، ونمتلك أجيالًا متقدمة من الطائرات المسيّرة… سنرسل كل كتائبنا إلى إيران".
تأسست "كتيبة البراء بن مالك" في يناير 2020 كوحدة مستقلة بعد حل قوات الدفاع الشعبي، وبدأت كـ"قوة ظل" لحماية النظام، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى وحدة قتالية على الخطوط الأمامية في ظل الحرب السودانية، بحسب مؤسسة الدفاع عن الحريات، مشيرة إلى اعتماد الجيش على الكتائب الموالية للإسلامويين، الأمر الذي أعاد نشاط أو بالأحرى تقوية نفوذ هذه القوى الراديكالية الذين تم تهميشهم سياسيًا بعد 2019.
تحالف تاريخي
وفي حديثه لـ"المشهد" يقول نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في تحالف "صمود" خالد عمر إن العلاقة بين الحركة الإسلامية السودانية والنظام الإيراني تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حيث عمل "الحرس الثوري" على تدريب العديد من العناصر الإسلاموية في السودان، لتتوطد هذه الروابط بشكل أكبر بعد انقلاب الحركة الإسلامية في عام 1989 وسيطرتها على السلطة في الخرطوم. وقد شملت العلاقة على مدى عقود تعاونًا عسكريًا، مخابراتيًا، سياسيًا واقتصاديًا، ما يعكس طبيعة "التحالف الإستراتيجي" بين الطرفين.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية قصوى في ضوء الموقع الجيوسياسي الإستراتيجي للسودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وفق عمر، وكذلك تقاطعه مع مناطق حساسة تتضمن الشرق الأوسط، القرن الإفريقي، ومنطقة الساحل. ومع تصاعد التهديدات الإيرانية على دول الخليج في الفترة الأخيرة، تبرز الحاجة الملحة إلى ضرورة الحدّ من نفوذ الحركة الإسلامية في السودان، نظرًا لما تشكله من امتداد حيوي لـ"المشروع الإيراني الإرهابي" في المنطقة.
يتفق والرأي ذاته، الكاتب والمحلل السياسي السوداني فايز السليك موضحًا تلقي غالبية قادة وعناصر الأجهزة الأمنية والعسكرية السودانية تدريبات عسكرية وأمنية في طهران.
ويقول السليك في حديثه لـ"المشهد": "ومع مرور الوقت، تطورت هذه العلاقة لتشمل التسليح وإنشاء مصانع حربية، فضلاً عن الارتباطات الثقافية والدينية عبر انتشار الحسينيات والمراكز الثقافية الإيرانية في السودان".
من ثم، كان ظهور قادة في الكتيبة "الإخوانية" المسلحة وهم يرتدون الزي العسكري للجيش السوداني معلنين تضامنهم مع طهران في حربها الإقليمية، بمثابة إشارة مباشرة لاستمرار هذا الارتباط الإستراتيجي، في وقت تؤكد فيه واشنطن استمرار جهودها لمواجهة إيران ووكلائها في المنطقة، حسبما يوضح الكاتب والمحلل السياسي السوداني.
كما يلفت السليك إلى أن للسودان أهمية خاصة بفعل موقعه الجيوسياسي الحيوي على ساحل البحر الأحمر، والذي يمكن أن يصبح "ملاذًا محتملاً" لترحيل التكنولوجيا العسكرية الإيرانية إلى بورتسودان، بل قد يمثل "قناة رئيسة" لربط "الحوثيين" في اليمن وحركة "حماس" في غزة، وقد استغلت إيران هذا المنفذ سابقًا لتهريب الأسلحة إلى القطاع.
ومع هذه التطورات، يمكن أن يتحول السودان إلى جسر يربط الجماعات المتطرفة بطهران، ويصبح "حزامًا ناريًا" يهدد أمن وسلامة دول الخليج كما الملاحة في البحر الأحمر، ما يعكس خطورة استمرار النفوذ الإيراني.
تحول لافت
إلى ذلك، يشير المحلل السياسي السوداني محمد المختار محمد إلى أن ربط "كتيبة البراء بن مالك" بـ"الحرس" يعد "تحولًا لافتًا" في توصيف الصراع السوداني، إذ تتجاوز أبعاده الدعم العسكري التقليدي لتصبح قضية إستراتيجية إقليمية ودولية.
فقد أخرجت واشنطن الصراع من سياقه الداخلي محليًا، ووضعت السودان ضمن إطار التهديدات العابرة للحدود، في ظل تخوفها من استنساخ نماذج "المخالب الإيرانية" في اليمن والعراق ولبنان بدعم "الحرس"، وفق ما يوضح المختار محمد.
ويعني هذا التحول، بحسب المحلل السياسي السوداني، أن الدولة السودانية أصبحت رهينة لقرار فصائل أيديولوجية مسلحة ومدربة تدريبًا متقدمًا، لكن الأهم من ذلك هو أن الربط الجديد يشكل ضغطًا على الجيش السوداني لجهة ضرورة فك ارتباطه العضوي مع "الإخوان" وكتائب النظام السابق، رغم صعوبة ذلك بسبب العلاقات الممتدة بين الحركة الإسلامية والجيش.
ويقول: "يأتي ذلك في وقت تُظهر فيه الخرائط الجيوسياسية أن السودان يشكل عنصرًا إستراتيجيًا لإيران، نظرًا لموقعه على ساحل البحر الأحمر وكونه نقطة مقابلية للخليج ومنطقة القرن الإفريقي، ما يكمل دائرة نفوذها الممتد من مضيق هرمز إلى باب المندب وصولًا إلى شرق السودان، بالإضافة إلى كونه بوابة للعمق الإفريقي ومنطقة الساحل والصحراء، حيث تسهّل السيولة الأمنية وانتشار الجماعات المسلحة عمليات التغلغل الاستخباري وبناء النفوذ الإيراني".
ويختتم المختار محمد حديثه قائلًا إن النظام الإيراني عبر بوابة السودان تصدير نفسه كقائد لـ"محور المقاومة"، مستفيدًا من خبرة "الإخوان" السودانيين في إدارة التنظيمات والشبكات الإسلاموية، فيما يتقاطع طموح إيران البحري مع رغبة الجماعة في استعادة السيطرة على الحكم في السودان والتمكين بالكامل عبر الحرب والحسم العسكري.
(المشهد)