تداولت تقارير إعلامية حديثة معلومات عن نجاح رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي في تمديد مهلة تسليم سلاح الفصائل العراقية 16 شهرا إضافيا حتى مطلع 2028، بدلا من الموعد النهائي السابق في 30 سبتمبر 2026، مع إضافة بند جديد وُصف بالمثير للجدل، حمل اسم "القنبلة الموقوتة"، يسمح بإلغاء أي اتفاق لتسليم السلاح تبعا لظروف محددة، من دون تحديد طبيعة هذه الظروف أو ماهيتها.
وتجري مفاوضات مكثفة منذ أسابيع عدة بين أعضاء لجنة التفاوض على حصر السلاح (نوري المالكي، محمد شياع السوداني، هادي العامري) وبين قادة الفصائل المسلحة، لتسوية الملف قبيل موعد تسليم السلاح في 30 سبتمبر 2026، الذي حدده رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بعد عودته من واشنطن منتصف يوليو الماضي.
وحتى منتصف سبتمبر الحالي، ما زال المشهد حول تسليم السلاح في العراق منقسما بين بعض الفصائل التي بدأت بإجراءات التسليم، منها سرايا السلام وعصائب أهل الحق، وفصائل مرتبطة بإيران ترفض تسليم سلاحها، أبرزها كتائب سيد الشهداء والنجباء. وازدادت الأخيرة تمسكا بموقفها بعد مشاركة المملكة العربية السعودية، نهاية يوليو الماضي، في ضربات جوية داخل العراق بالتنسيق مع واشنطن.
تجميد السلاح بدلا من تسليمه
وبحسب تقارير نشرتها وسائل إعلام عراقية، فإن اجتماعات لجنة التفاوض التي غاب عنها رئيس الوزراء علي الزيدي أدت إلى التوصل إلى تسوية أولية مفادها أن الفصائل العراقية المسلحة وافقت على عدم استخدام السلاح ضد دول الجوار مقابل عدم التفريط فيه، وتمديد مهلة حصره بيد الدولة إلى مطلع عام 2028، شرط عدم تسليمه بل دمجه ضمن ألوية الحشد الشعبي.
وبحسب مصادر خاصة تحدثت لمنصة "المشهد"، توصل قادة الإطار التنسيقي إلى هذه التسوية بعد أن وصلتهم معلومات تفيد بأن واشنطن وافقت مبدئيا على تجميد سلاح الفصائل، كما أنها أوقفت ضغطها في هذا الملف، في حين خفف الزيدي من سرعة تحركه تجاه ملف حصر السلاح بيد الدولة. فهل تخلت الولايات المتحدة عن موقفها من إنهاء دور الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون في العراق؟
وتعليقا على موقف واشنطن، قالت مصادر خاصة لمنصة "المشهد" إن الولايات المتحدة الأميركية شعرت بانعدام الجدوى الفعلية من الاستمرار في عملية التفاوض التي يتولاها قادة الإطار التنسيقي، فوافقت مبدئيا أو مؤقتا أو شكليا على تجميد سلاح الفصائل العراقية المسلحة، لكن في المقابل سيكون ردها اقتصاديا وليس عسكريا هذه المرة.
وستعمل واشنطن، بحسب المصادر، على حرمان الكيانات التابعة للفصائل العراقية المسلحة من ممارسة نشاطها الاقتصادي في العراق، وإدراجها على القائمة السوداء، ومعاقبة شخصيات ومصارف وشركات، وحرمان العراق من الدولار بعد 4 أكتوبر 2026، بحسب تسريبات أميركية حديثة.
خطة الزيدي للانقلاب على الفصائل
ويقول الباحث في الشأن السياسي محمد زنكنة لـ"المشهد" إن الزيدي كان أقل مشاركة في اجتماعات لجنة التفاوض في إدارة الدولة، التي أدت إلى إعلان التسوية الأولية وتجميد السلاح مؤقتا، أي إنه في 30 سبتمبر لن يتم تسليم أي قطعة سلاح للدولة العراقية.
لكن بحسب زنكنة، هنالك خطة بديلة قد ينفذها الزيدي، وهي الانقلاب الاقتصادي على الفصائل المسلحة بدعم أميركي دولي، لكن هذا الانقلاب لن يكون قريبا في الوقت الحالي، إنما عندما تعلن الإرادة الدولية رغبتها بذلك، سيكون الزيدي جاهزا للتنفيذ.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية أعلنت مطلع سبتمبر الحالي فرض عقوبات جديدة وواسعة استهدفت شخصيات عراقية تدعم طهران، بينها ماجد وعبد الحسين مندلاوي، شقيقا القيادي في الإطار التنسيقي محسن المندلاوي، في إطار ما أطلقت عليه واشنطن اسم عملية "المنبوذ الاقتصادي". كما شملت العقوبات الأميركية كيانات توفر التمويل والتسليح لـ"كتائب حزب الله العراقي".
الزيدي غير راض عن لجنة التفاوض
وكشفت مصادر خاصة مقربة من الزيدي لمنصة "المشهد" أنه لم يكن راضيا عن أداء لجنة التفاوض، بل وصفها بالمنحازة لأن جميع أفرادها ضمن نطاق الإطار التنسيقي، ما دفعه إلى الابتعاد عن اجتماعاتها والغياب عنها.
ويقول المحلل السياسي مكرم القيسي لـ"المشهد" إن الفصائل المسلحة، بعد أن كانت في أضعف حالاتها، نجحت في تمديد مهلة تسليم السلاح مع حكومة الزيدي، وذلك نتيجة ضغط الفاعل السياسي المتمثل بنوري المالكي وقيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، وهما اللذان دعما هذه الفصائل، ووضعا برنامجا يضمن لواشنطن عدم استخدام السلاح من قبل الفصائل لمدة 16 شهرا، ومن المتوقع أن تكون واشنطن قد وافقت على هذا البرنامج.
أما عن مصطلح "القنبلة الموقوتة"، فيوضح القيسي: "من الممكن أن يكون المقصود به أن سلاح الفصائل العراقية سيتناغم مع التغيرات الدولية، خصوصا الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ومن الممكن برسالة إيرانية عبر واتساب أن يعود هذا السلاح للعمل مجددا لضرب المصالح الأميركية في العراق والمنطقة".
وأعلنت واشنطن مؤخرا أن حصر السلاح في العراق وصل إلى طريق مسدود، خصوصا مع رفض "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" تسليم سلاحهما، وربطت هذا الفشل بمخاطر أمنية واقتصادية قد تواجه العراق مستقبلا.
وحول هذه النقطة، يشرح القيسي: "بالفعل أدركت واشنطن أن موقف الزيدي ضعيف وأنه لا يستطيع مواجهة قوى الإطار التنسيقي، فلجأت إلى حلول أخرى، منها تجميد السلاح مؤقتا، خصوصا أن الولايات المتحدة تعاني نقصا في الذخيرة جراء الحرب الأخيرة مع إيران".
ويرى القيسي أنه بعد زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الأخيرة إلى بغداد منتصف أغسطس الماضي، طرأت تغييرات عدة على سلوك الزيدي، وفقد الزيدي الحماس الذي عاد به من واشنطن، فيما أصبحت كلمة قوى الإطار التنسيقي أقوى من كلمته، ما قد يدفعه إلى الاستقالة مستقبلا، خصوصا أنه صرح أكثر من مرة بندمه على تولي رئاسة الحكومة العراقية في 16 مايو 2026.
وحول مستقبل العراق بعد 30 سبتمبر 2026، يشرح القيسي: "لا يمكن نزع السلاح إلا بالقوة، أي بالتدخل العسكري الدولي، ومثال ذلك تنظيم "داعش" الذي لم يخرج من العراق إلا بالتدخل العسكري، وأيضا ما حدث في لبنان وسوريا واليمن، لأن الميليشيات المسلحة الشيعية والسنية لن تتنازل عن سلاحها العقائدي إلا بالقوة الدولية، لكن نطمح ألا نصل إلى هذه المرحلة".
(المشهد - العراق)
