بضغط أميركي إسرائيلي.. هل تخلّت إيران عن أذرعها في العراق؟

شاركنا:
العراق على أعتاب مرحلة سياسية جديدة (رويترز)
هايلايت
  • مصدر خاص: إيران وافقت على التخلي عن الفصائل العراقية والحشد الشعبي معاً.
  • محلل سياسي: الحشد الشعبي سيتحول لقوة موازية ضعيفة التأثير.
  • خبير أمني: الأحزاب الوطنية المعارضة سترسم شكل الحكومة العراقية المقبلة.

أعلنت الولايات المتحدة الأميركية فجر الأربعاء عن التوصّل لاتفاق وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين مع إيران، وذلك بعد 40 يوماً من الحرب في الشرق الأوسط، ليأتي الاتفاق قبل وقت قصير من انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لطهران؛ لتعيد فتح مضيق هرمز أمام الحركة التجارية الدولية، وقال ترامب عبر منصة "تروث سوشيال": "نقاط الخطة توفر أساساً قابلاً للتطبيق والمفاوضات".

ورحّبت دول العالم بهذا الاتفاق في مقدمتها العراق، حيث أعلنت وزارة الخارجية العراقية في بيان لها ترحيبها بوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، مضيفةً أن هذا الاتفاق من شأنه أن يُسهم في خفض التوترات، ويعزز فرص التهدئة وترسيخ الأمن والاستقرار. في حين أكدت التزامها الكامل بالاتفاق والامتناع عن أي ممارسات قد تُعيد التصعيد إلى المنطقة.

إطلاق سراح شيلي كيتلسون

وبعد بيان الخارجية العراقية، سارعت الفصائل العراقية المسلحة للإعلان عن إطلاق سراح الصحفية الأميركية المتحجزة لديها "شيلي كيتلسون" ووقف عملياتها العسكرية في العراق والمنطقة، وقالت في بيان مقتضب: "وقف إطلاق النار سيكون لمدة أسبوعين".

وجاء بيان الفصائل العراقية المسلحة بعد مفاوضات أجراها أمين عام منظمة بدر هادي العامري مع "كتائب حزب الله العراقي" و"حركة النجباء"، بتكليف من قوى الإطار التنسيقي، وفي مقدمتها رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني، الذي عمل منذ بداية الحرب في 28 فبراير الماضي على خفض التصعيد وتجنيب العراق الدخول في الحرب، إلا أنه عجز عن ذلك، ما وصفوه مراقبون بأنه انعكاس لسيطرة فصائل خارجة عن القانون على القرار السياسي العراقي.

هل تخلّت طهران عن الحشد الشعبي؟

وعلى مدى سنوات عديدة، كان العراق ساحة غير مباشرة لصراع إيران مع الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من دول المنطقة، عبر أذرع طهران في العراق وعبر نفوذها الاقتصادي في الأسواق العراقية، وتحكمها بحركة عبور النفط العراقي واعتماد بغداد على البضائع الإيرانية في أسواقها، ما طرح سؤالاً: كيف سيتأثر العراق بتراجع النفوذ الإيراني السياسي والاقتصادي على أراضيه؟ كيف سيكون شكل العراق الجديد بعد انتهاء الحرب؟

وفي السياق، صرّح مصدر سياسي عراقي فضّل عدم ذكر اسمه لمنصة "المشهد"، أنه خلال المفاوضات قبيل إعلان الهدنة، وافقت طهران بشكل كامل على إيقاف دعمها للفصائل العراقية المسلحة ولجميع أذرعها في المنطقة، مضيفاً: هذه النقطة كانت أساسية لرسم باقي نقاط الاتفاق، بالتالي دور الفصائل العراقية المسلحة انتهى على مستويات عدة، الأول هو أنها تعرضت لضربات أميركية قاسية خلال الحرب ما دمّر قدرتها العسكرية وجعلها تسعى للهدنة، الثاني أن إيران نفسها لن تدعمها عسكرياً أو سياسياً تطبيقاً للاتفاق مع واشنطن.

وأوضح المصدر، أن الفصائل ستلتزم بوقف إطلاق النار لأنها ستتبع التعليمات الإيرانية، كما أنها تدرك مصيرها بعد تخلي طهران عنها، بالتالي سنشهد تسليم أسلحتها واندماجها في المؤسسات الاجتماعية خلال الأشهر المقبلة.

أما الحشد الشعبي، بحسب المصدر، بعد استهداف قادته وتدمير مراكزه تراجعت قوته على الأرض، لن يبقى أمامه سوى حل واحد وهو اندماجهم بالجيش العراقي بوزارة الدفاع العراقية، هذا الحل الذي وافقت عليه واشنطن خلال المفاوضات بعد موافقة طهران على التخلي عن الحشد الشعبي والفصائل معاً.

هل تعود الأحزاب الوطنية المعارضة إلى الواجهة؟

وخلال الحرب الأميركية الإيرانية، نفّذت الفصائل العراقية المسلحة هجمات بالطائرات المسيّرة على أهداف أميركية في العراق وإقليم كردستان، كان أبرزها قاعدة فيتكوريا بمطار بغداد الدولي، والقواعد الأميركية في مطار أربيل الدولي، إضافة إلى استهدافها منشآت النفط العراقية. عن ذلك يقول اللواء المتقاعد في وزارة البيشمركة صلاح الفيلي لمنصة "المشهد": دعم الفصائل العراقية المسلحة لإيران في هذه الحرب، وتوجيه ضرباتها إلى الأراضي العراقية أثّر بشكل مباشر على حياة العراقيين، وأفقدها شعبيتها في الشارع العراقي حتى في البيئات التي تدعم خطاب "المقاومة".

ويرى الفيلي، أن دور الفصائل العراقية المسلحة شارف على الانتهاء سواء عسكرياً أو سياسياً، وسيشهد العراق خلال الفترات المقبلة تراجع نفوذ هذه الفصائل والكتل السياسية التي تدعمها في البرلمان العراقي، مقابل بروز أسماء الأحزاب السياسية الوطنية المعارضة التي شاركت في احتجاجات أكتوبر 2019، في مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي، الحراك المدني المستقل وغيرها، مضيفاً: "ستدعم واشنطن وصول هذه الأحزاب إلى مراكز صنع القرار العراقي لمعرفتها أن هذه الأحزاب ليست تابعة لإيران".

هل ينتهي نظام المحاصصة؟

و بعد سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين عام 2003، نشأت الحكومات العراقية على توازن هش بين الكتل الثلاثة (الشيعية، السنية، الكردية)، واتبعت العرف السياسي أو ما يُعرف في الأوساط السياسية العراقية بـ نظام المحاصصة، فتم إسناد رئاسة الوزراء إلى الكتلة السياسية الشيعية، ورئاسة البرلمان إلى الكتلة السياسية السنية، ورئاسة الجمهورية إلى الكتلة السياسية الكردية، بينما احتفظت الكتلة الشيعية بالمؤسسات السيادية وبأكبر عدد من مقاعد البرلمان.

ورغم أن نظام المحاصصة المعمول به حالياً، شكّل حلاًّ لجميع الطوائف والأثنيات المتضررة من النظام العراقي السابق، فإن وصول مجموعات مسلحة داعمة لإيران إلى مراكز صنع القرار في الحكومة العراقية، أدخل بغداد في دائرة صراع مغلقة بين طهران وواشنطن وإسرائيل، فهل ينتهي نظام المحاصصة مع انتهاء الحرب مع إيران؟ يجيب الباحث في الشان السياسي عائد الهلالي: "نظام المحاصصة لن ينتهي بسهولة، وستبقى الكتلة الشيعية هي الأكبر في البرلمان العراقي بحكم الثقل الديمغرافي والتنظيمي للشيعة في العراق، لكن الوجوه الشيعية الجديدة التي ستظهر في الحكومة ستحقق توزاناً سياسياً مستداماً على المستوى الداخلي والدولي".

ويرى الهلالي، أن مصير الحشد الشعبي ممكن أن يأخذ 3 سيناريوهات، جميعها تصب في سيناريو واحد وهو تحوّله للعمل السياسي، فإما أن تتم إعادة هيكلة قواته ودمجه بالمؤسسات العسكرية، أو بقاؤه كقوية موازية ضعيفة، أو تحوّله لقوة سياسية داخلية عراقية لا علاقة لها بالجانب الإيراني. أي أن أداء الحشد الشعبي مستقبلاً سيكون أكثر انضباطاً وأقل صدامية.

أربيل تتطلع لرئاسة الجمهورية

وتعرّض إقليم كردستان خلال أيام الحرب الـ40، إلى ضربات جوية وجهتها الفصائل العراقية المسلحة للمصالح الأميركية على أراضيه، إلا أنه استطاع بحسب المحلل السياسي، ياسين عزيز، الخروج بأقل الخسائر الممكنة على المستوى السياسي والاقتصادي.

ويشرح عزيز لمنصة "المشهد"، أن أربيل تكبدت خسائر بشرية أعلى من بغداد، خاصة أن الفصائل العراقية المسلحة استهدفت قوات البيشمركة نهاية مارس الماضي ما أدى خسارة الإقليم لـ5 مقاتلين، إضافة إلى أن طائرة مسيّرة استهدفت أمس منزل عائلة مدنية في قرية زركزوي التابعة لناحية دارشكران في أربيل، ما أدى إلى مقتل رجل وزوجته. إلا أن إقليم كردستان يرحّب دائماً بالسلم والاستقرار.

ويوضح عزيز، أن صمود وقف إطلاق النار سيساعد الكتل السياسية العراقية على المضي بتحقيق الاستحقاقات الدستورية، من انتخاب رئيس الجمهورية العراقية إلى تكليف مرشح الكتلة الأكبر لتشكيل الحكومة القادمة.

ميزان تجاري بلا طهران

وقبل اندلاع الحرب، كانت العلاقات التجارية بين العراق وإيران متشابكة، حيث تستورد بغداد الكهرباء والغاز الإيراني لتغطية العجز في إنتاج الطاقة، إضافة إلى اعتماد السوق العراقي على السلع الإيرانية المنخفضة التكلفة. وفي المقابل وجدت طهران من الأسواق العراقية منفذاً أساسياً لتجاوز العقوبات الدولية وتصريف منتجاتها غير النفطية، إلا أنه خلال الحرب توقفت عملية التبادل التجاري ما أثر بشكل مباشر على وجود المنتج الإيراني في الأسواق العراقية.

ويقول المستشار الاقتصادي السابق في الحكومة العراقية، الدكتور علاء الدين القصير، لمنصة المشهد، إن الحرب أثرت على علاقة بغداد التجارية بطهران، خاصة فيما يتعلق بالنفط والغاز، إلا أن العراق تمكّن من تمرير بعض حاملات النفط عبر مضيق هرمز بالاتفاق مع الجانب الإيراني. ونرى أن نتائج الاتفاق بفتح ممر هرمز إيجابية، لكن 15 يوماً غير كافية لتحقيق التوازن التجاري الدولي.

ويوضح القصير، أن مصير العلاقات الاقتصادية بين العراق وإيران ما زالت غير واضحة، ومرهونة بصمود وقف إطلاق النار، لكن بغداد تدرك أنه خلال الحرب مع واشنطن تعرّضت طهران لخسائر اقتصادية فادحة سواء من ناحية المصانع والمعامل بالتالي سينخفض نشاطها التجاري، وسيسعى العراق لإيجاد حلول اقتصادية بديلة سواء بتقوية علاقاته الاقتصادية مع دول الخليح أو تركيا، ما سيخلق حالة توازن اقتصادي جديدة في الأسواق العراقية مستقبلاً، قد لا تكون طهران جزءاً منها.

(المشهد )