تستعد ألمانيا لاستقبال رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في زيارة دولة تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى مستوى الزيارة وندرة هذا النوع من الاستقبالات في ألمانيا وفي مرحلة تشهد فيها العلاقات بين أبوظبي وبرلين توسعًا في ملفات السياسة والاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا.
أول زيارة دولة في عهد الحكومة الألمانية الجديدة
وفي مقابلة خاصة مع قناة ومنصة "المشهد" أجراها الزميل رامي شوشاني، قال سفير دولة الإمارات لدى ألمانيا أحمد العطار، إن زيارات الدولة لا تحدث سنويًا في ألمانيا، مستشهدًا بالزيارات السابقة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والملك البريطاني تشارلز.
Watch on YouTube
وأشار إلى أن الزيارة الإماراتية ستكون أول زيارة دولة في عهد الحكومة الألمانية الجديدة منذ توليها الحكم، وهو ما يمنحها دلالة خاصة بالنسبة إلى العلاقات بين البلدين.
وتابع: "زيارة الدولة إلى ألمانيا حدث نادر، وكونها أول زيارة دولة في عهد الحكومة الجديدة يحمل اهتمامًا خاصًا ورسالة خاصة للإمارات."
وتعود العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وألمانيا إلى عام 1972، وتعزز إطارها المؤسسي مع إرساء الشراكة الإستراتيجية عام 2004، ثم خطوات إضافية في عامي 2019 و2022.
احترام متبادل
ويقوم هذا المسار على الاحترام المتبادل والانفتاح الاقتصادي والحوار والتعاون الدولي، مع توجه نحو توسيع الشراكة في المجالات التي ترتبط بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية الجديدة.
وأكد العطار خلال اللقاء أن الإمارات أصبحت شريكًا إستراتيجيًا مهمًا لعدد من الدول الأوروبية، وأن ألمانيا مهتمة بأن تكون ضمن هذه العلاقات المتميزة.
وأشار إلى أن رفع مستوى العلاقات مع الإمارات يحظى باهتمام داخل المؤسسات الألمانية وبين رجال الأعمال، وربط ذلك بالبراغماتية التي تميز السياسة والاقتصاد الإماراتيين، وسقف الطموح المرتفع، والرغبة في التغيير ومواكبة تحديات المستقبل.
وتظهر أهمية العلاقة بوضوح في الاقتصاد. فقد وصل حجم التجارة غير النفطية في السلع بين البلدين إلى 15.51 مليار دولار في 2025، بنمو تجاوز 14% عن العام السابق، فيما تعمل نحو 2,000 شركة ألمانية في الإمارات.
وتوفر الإمارات لهذه الشركات بيئة أعمال وبنية تحتية واتصالًا بأسواق المنطقة وآسيا وإفريقيا، فيما تمثل القدرات الصناعية والهندسية والتكنولوجية الألمانية عنصرًا رئيسيًا في مجالات التعاون التي يسعى البلدان إلى تطويرها.
وتتجه المرحلة المقبلة إلى تعزيز التعاون في قطاعات الاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة والصناعة المتقدمة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بما يسمح ببناء استثمارات ومشاريع جديدة وتطوير فرص عمل وكفاءات في البلدين.
ووضع السفير أيضًا العلاقات المجتمعية في صلب هذا التقارب. فالألماني، كما قال، يرى في الإمارات دولة منظمة ذات مؤسسات قوية وبيئة مفتوحة تسمح ببناء الشركات والشراكات والوصول إلى أسواق واسعة.
كما أن العلاقة بين المجتمعين تشكلت عبر عقود من سفر الإماراتيين إلى ألمانيا للعلاج والدراسة وغيرها من المجالات، ومن انتقال الشركات والخبرات والكفاءات الألمانية إلى الإمارات.
وقال: "نظرة المجتمع الألماني إلى الإمارات إيجابية، والشركات الألمانية لديها علاقات قوية مع الدولة."
وأشار العطار إلى تحول لمسه خصوصًا بين الشباب الألماني، حيث أصبحت الإمارات بالنسبة إلى بعضهم وجهة محتملة للعمل وبناء المستقبل المهني.
وأكد أن هذا التوجه يظهر بين شباب ينتمون إلى خلفيات وفئات مختلفة من المجتمع الألماني، ويرتبط بما يرونه من فرص وقدرة على التطور في الدولة.
وصرح: "هناك طموح لدى الشباب الألماني، من مختلف الخلفيات، للانتقال إلى الإمارات، لأنها دولة شابة وقادرة على صناعة الفرص للشباب."
ويواكب هذا الحضور المجتمعي توسع التعاون في المجالات المستقبلية.
فالإمارات وألمانيا تعملان على تطوير مسارات في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، إلى جانب الطاقة النظيفة والهيدروجين والتقنيات الصناعية.
ويمثل الجمع بين الخبرة البحثية والصناعية الألمانية والقدرات الاستثمارية والبنية التحتية الإماراتية أحد المحاور التي يمكن أن تقود المرحلة المقبلة من الشراكة.
الحرب الروسية الأوكرانية
وتحضر الملفات الدولية أيضًا في سياق العلاقات بين البلدين، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية التي كان لها تأثير مباشر على ألمانيا وأوروبا.
ووصف العطار الحرب بأنها أزمة دولية لها تداعيات على الجميع، ومؤكدا أن موقف الإمارات يقوم على الدعوة إلى وقف إطلاق النار والتهدئة.
كما أشار إلى مساهمات الإمارات الإنسانية تجاه أوكرانيا وإلى الدور الذي لعبته أبوظبي في الوساطة في عمليات تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا.
ورأى السفير الإماراتي أن العمل الإنساني يمثل مجالًا مهمًا بالنسبة إلى ألمانيا أيضًا، وأن الإمارات حريصة على مواصلة لعب دور إيجابي وبنّاء في الأزمة من خلال الوساطة والمشاريع والمبادرات الإنسانية.
وتابع: "الدور الإماراتي في تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، إلى جانب العمل الإنساني، يفتح مساحة مهمة للتعاون مع ألمانيا في هذه الأزمة."
وامتد حديث العطار إلى قدرة العلاقة على الاستمرار مع التغيرات السياسية داخل ألمانيا.
وقال إن أحد العناصر التي تم التركيز عليها هو بناء عمل مؤسساتي بين الطرفين وشراكات مع الجهات الألمانية على المدى البعيد، ما منح العلاقات قاعدة ثابتة امتدت عبر المؤسسات والقطاع الخاص والمجتمع.
واستند السفير في ذلك إلى قوة العلاقات التي بنتها الشركات الألمانية مع الإمارات وإلى النظرة الإيجابية التي قال إنها موجودة تجاه الدولة في المجتمع الألماني، معتبرًا أن هذه العناصر تمنح الشراكة استمرارية تتجاوز التحولات السياسية الاعتيادية.
زيارة الشيخ محمد بن زايد
وتأتي زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى ألمانيا في سياق هذا المسار المتراكم منذ أكثر من 5 عقود، ومع توجه إلى توسيع مجالات التعاون لتشمل الاقتصاد والطاقة والاستثمار والصناعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب التنسيق السياسي والعمل الإنساني.
وتحمل الزيارة في هذا الإطار دلالة سياسية واضحة على مستوى العلاقة التي وصلت إليها الدولتان وعلى المكانة التي باتت تحتلها الإمارات في حسابات ألمانيا الاقتصادية والإستراتيجية، وعلى الرغبة المشتركة في تطوير شراكة طويلة الأمد بين البلدين.
(المشهد)
