هل التقاعس العربي أمام عدوان إيران على الخليج شهادة وفاة للجامعة العربية؟

شاركنا:
الهجمات الإيرانية على دول الخليج تكشف خلل المؤسسات العربية والإسلامية (أ ف ب)
هايلايت
  • قرقاش يتساءل عن دور مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك.
  • مراقبون: الخليج سيعيد تقييم تحالفاته وارتباطاته الإقليمية بعد الحرب.
  • الخليج بالنسبة لإيران مجرد "ساحة بديلة" للتعويض عن عجزها أمام إسرائيل.

لامس المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات الدكتور أنور قرقاش جملة حقائق سياسية، تتصل بغياب أو تغييب مواقف مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك في ظل الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج. ومن بين تلك الحقائق، هي أسباب تلك الفجوة التي تباعد بين الالتزامات المفترضة لهذه المؤسسات وضرورات اللحظة.


مواقف علنية

ووفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن ما ذكره قرقاش يؤشر إلى ما هو أبعد من مجرد بحث عن مواقف علنية أو الاصطفاف مع 10 دول خليجية وعربية يتم الاعتداء عليها من قبل إيران، بل انعطافة على مستويين سياسي وإجرائي.

إذ بعث صمت أو حياد مؤسسات مثل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بضرورة إعادة تعريف وتأطير دور وعمل تلك المؤسسات، فضلًا عن طبيعتهما التاريخية والمدار السياسي الذي يجذبها وتنبني عليه مواقفهما.

وكان المستشار قرقاش، قد أوضح أنه بات يحق لدول الخليج العربي أن تتساءل عن دور مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك، وفي مقدمتها الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، في ظل ما تتعرض له دول الخليج العربي وشعوبها للعدوان الإيراني، كما يحق لها أن تتساءل عن دور الدول العربية والإقليمية "الكبرى".

وقال قرقاش في منشور على منصة "إكس" إنه "في هذا الغياب والعجز، لا يجوز لاحقًا الحديث عن تراجع الدور العربي والإسلامي أو انتقاد الحضور الأميركي والغربي"، لافتًا إلى أن دول الخليج العربي كانت سندًا وشريكًا للجميع في أوقات الرخاء، سائلًا: "أين أنتم اليوم في وقت الشدة؟".

السرديات المتناقضة والانتهازية

وفي حديثه لـ"المشهد" يقول الكاتب الصحفي محمد الحمادي إن ما دوّنه المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات يؤطر "الموقف الرسمي" في ظل ما تتعرض له دول الخليج من اعتداءات إيرانية، بل يكشف عن انشغالات قصوى لجهة فهم وتفكيك هذا الدور الغائب وملء فراغ المؤسسات العربية والإسلامية.

فيما عرج الحمادي على ما وصفه بـ"السرديات المتناقضة" التي تروج لها بعض الأطراف الإقليمية العربية، بينما تسعى إلى تعميم مغلوط للتعمية عن الاعتداءات الإيرانية بحق دول الخليج، أو تخفيف حمولة ذلك، والتقليل من شأنه، لافتًا إلى أن دول الخليج تمثل بالنسبة لإيران مجرد "ساحة بديلة" أو "أهداف سهلة" للتعويض عن عجزها أمام إسرائيل.

وقال الحمادي إن هذه المعادلة بما فيها من انتهازية تتقاطع مع شعارات إيران حول "تحرير القدس" التي كانت سببًا مباشرًا، خفيَا وانتهازيًا، في احتلال عواصم عربية من سوريا مرورًا بلبنان وحتى اليمن والعراق. وتابع: "سقطت تمامًا هذه الشعارات مع وضوح الأهداف الإقليمية التوسعية، كما سقطت شعارات مؤسسات العمل العربي المشترك بمجرد أن استهدفت الصواريخ الإيرانية مدنًا خليجية آمنة من دون إدانة واضحة وتحرك مباشر".

وعليه، عدّ الكاتب الإماراتي هذه المواقف الغائبة بمثابة "سقوط لمفهوم الأمن القومي العربي المشترك"، مؤكدًا أن غياب أي تحرك رسمي أو شعبي يضعف قيمة المعاهدات والاتفاقات.

وختم حديثه قائلًا إن "ما بعد هذه الحرب ليس كما قبلها"، حيث إن دول الخليج اليوم تقف في "لحظة الحقيقة" وستعيد تقييم تحالفاتها وارتباطاتها الإقليمية ومن ثم، ستكون أكثر براغماتية و"أقل مجاملة" بما يضمن أولوية أمنها الوطني.

تحديات بنيوية

يتفق والرأي ذاته الباحث والدبلوماسي السعودي سالم بن عسكر اليامي والذي يرى أن التصعيد العسكري الأخير بفعل الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران، قد شكل "محطة مفصلية" لها تداعيات جمّة على المستويين الإقليمي والدولي، إذ أعاد خلط موازين القوى وفتح الباب أمام أزمات قائمة وأخرى مرشحة للتفاقم في المدى القريب.

وبحسب الباحث والدبلوماسي السعودي، فإن ملف العمل العربي المشترك برز كأحد أبرز مواطن الاختبار، حيث كشفت الأزمة عن تحديات بنيوية تعاني منها منظومة التعاون العربي، ما يعكس أنها "ليست في أفضل حالاتها"، وتحتاج إلى مراجعة شاملة وإعادة صياغة تواكب التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

كما أثارت مواقف المؤسسات الإقليمية، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية، تساؤلات بشأن فاعليتها وقدرتها على الاستجابة لتحديات الأمن الإقليمي في ظل تباين مواقف الدول الأعضاء، خصوصا تلك التي سبق أن تعرضت لتهديدات أو تدخلات إيرانية وأدانت تلك السياسات في أطر دولية، من بينها مجلس الأمن، كما يشير اليامي.

ويختتم قائلًا إن هذه الأزمة تعكس الحاجة الملحّة إلى إعادة تقييم آليات العمل داخل المنظومة العربية المشتركة، سواء على مستوى المؤسسات أو أدوات التنسيق السياسي والأمني، بما يضمن تعزيز القدرة الجماعية على التعامل مع الأزمات الإقليمية وصون المصالح العربية في بيئة دولية شديدة التعقيد.

وضع "النقاط على الحروف"

يقول الكاتب الإماراتي محمد المرزوقي إن تعقيب الدكتور أنور قرقاش يضع "النقاط على الحروف" بشكل واضح ومباشر، كما يعيد "ترتيب الأوراق" في مرحلة سياسية مفصلية، حيث لم يعد الصمت والحياد والتريث تجاه القضايا المصيرية مقبولًا أو مبررًا تحت أي ذريعة.

ويردف: "لا يمكن أن يفسر ذلك سوى بأنه تخلي واضح عن المسؤولية التاريخية والأخلاقية. لقد قدمت دولة الإمارات ودول الخليج نموذجًا فريدًا في الوقوف إلى جانب الأشقاء العرب والمسلمين في مختلف الظروف ومن دون تردد. من ثم، كان طبيعيًا وتلقائيًا في وقت تشتد فيه الأزمات وتستهدف أمن هذه الدول، أن ننتظر مواقف واضحة وحازمة لا مجرد بيانات خجولة ورمادية ومتأخرة. فمن يتقاعس عن اصطفافه مع دول الخليج اليوم، يفقد بالضرورة وحتمًا مصداقيته في الحديث عن قيم الأخوة أو التضامن لاحقًا".

Watch on YouTube

كما يطرح تصريح الدكتور قرقاش، والحديث للكاتب الإماراتي محمد المرزوقي، سؤالًا مشروعًا حول جدوى استمرار الرهان على مؤسسات مثل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، التي "فشلت فشلًا ذريعًا" في التعاطي مع هذه الأزمة.

تصحيح المسار

وقال المرزوقي إن العجز عن اتخاذ موقف صارم، يجعل من هذه المنظمات "عبئًا إداريًا" أكثر منها أدوات سياسية فاعلة. ولا يمكن لأي طرف أن يلوم دول الخليج إذا ما قررت بعد اليوم إعادة ترتيب أولوياتها الوطنية، أو تقليل انخراطها في ملفات إقليمية لم تجد فيها من يقف معها بالمثل.

وتابع الكاتب الإماراتي حديثه مؤكدًا أن هذا التوجه ليس تخليًا عن الدور المركزي، ولكنه بمثابة تصحيح لمسار اختل فيه "ميزان الشراكة طويلًا"، على حد توصيفه، وهو "قرار سيادي بالتركيز على التحالفات التي تضمن الأمن القومي بعيدًا عن الشعارات المستهلكة".

وشدد المرزوقي على أنه "لن يكون من المقبول أن تُنتقد التوجهات الخليجية غدًا نحو تنويع التحالفات أو تعزيز العلاقات مع قوى دولية أخرى بحثًا عن ضمانات أمنية وإستراتيجية أكثر فاعلية. فالسياسة لا تعرف الفراغ، والفراغ الذي تتركه المنظمات الإقليمية العاجزة سيُملأ حتمًا بمن يثبت حضوره وموثوقيته. فالدول، تماماً مثل الأفراد، تحفظ المواقف وتبني قراراتها المستقبلية على أساس ما تجده من صدق ومساندة في اللحظات الحرجة".

وختم حديثه قائلًا إن "الخلاصة الحتمية لهذه المرحلة هي أن من لم يكن حاضرًا وقت الحاجة، لا يملك الحق الأخلاقي ولا السياسي في مسائلة من أعاد حساباته وبنى استراتيجيته وفقًا لواقع جديد".

تداعيات مفصلية

وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول الكاتب والمحلل السياسي الإماراتي دكتور جاسم خلفان إن ما كتبه المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، يعكس تداعيات مفصلية لما تسببت فيه الهجمات الإيرانية على دول الخليج ودول عربية أخرى، الأمر الذي يكشفه الواقع الميداني بفعل الصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

وتابع خلفان لـ"المشهد": "إيران لم تستهدف القواعد الأميركية كما زعمت، بل ضربت البنية التحتية والمنشآت المدنية بدول الخليج، ونحو 10 دول خليجية تعرضت للهجوم الإيراني الغاشم. بالتالي، فإن فداحة هذه الحوادث تستدعي ضرورة إعادة تعريف وتأسيس المؤسسات العربية والإسلامية، كالجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي في ظل أدوارهما الغائبة تمامًا حيث لم يدين أيا منهما حتى هذه الأعمال".

وختّم الكاتب والمحلل السياسي الإماراتي حديثه قائلًا إن الواقع يستدعي إعادة النظر في دور هذه المنظمات، ووضع قوانين أساسية واضحة أو "دستور" يتفق عليه القادة العرب والمسلمون، لضمان اتخاذ موقف حقيقي وموحد تجاه أي اعتداءات خارجية، حيث إن "أقل موقف كان يجب أن يُتخذ هو الإدانات الصريحة لكل ما قامت به إيران تجاه دول الخليج التي ليس لها صلة بالصراع الحالي. فإعادة النظر في طبيعة أدوار هذه المؤسسات، تعني أو بالأحرى تهدف إلى تصحيح الأخطاء وتغيير المفاهيم الراهنة التي تعتبر دول الخليج مجرد خزانة للدعم المالي، من دون أن يُسمع لهم أي موقف أو كلمة داعمة في أوقات الأزمات". 

(المشهد)