ثمة معضلة رئيسة في مستقبل الحكم بإيران على مستوى ما تمثله شرعية "الولي الفقيه" وحمولتها الدينية المسيّسة والمؤدلجة. إذ إن هذه الشرعية التي مثّلت الأساس النظري لحكم ما يُعرف بـ"الجمهورية الإسلامية" تتضاءل وتكاد أن تخفت قداستها المتوّهمة.
شرعية "الولي الفقيه"
اضطرار "الحرس الثوري" بعد مقتل قادة الصف الأول بالنظام الإيراني لتوريث منصب المرشد الإيراني إلى مجتبى خامنئي بالمخالفة للتقاليد التي سادت لـنحو 4 عقود، وكذلك عدم حيازته الأهلية الكاملة التي تضمن له الاستحقاق بالمنصب، منها وضعه الديني (الحوزوي)، ووصوله إلى رتبة "المجتهد"، على نحو ما يذكر الدستور الإيراني، جعل "الولي الفقيه" محل مراجعة وتساؤل كبيرين، بما يضاعف من أزمة استدامة شرعية السلطة للملالي.
وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، تُعيد التطورات الإقليمية الأخيرة مع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تسليط الضوء على "ولاية الفقيه" باعتبارها ليس فقط نظرية فقهية، بل ظاهرة مزدوجة تجمع بين السياسي والديني، كما أنها ذات أبعاد إقليمية واسعة في ظل "تسييسها" و"عسكرتها" من قبل الملالي وعلى أساس ما يعرف بـ"تصدير الثورة".
إلا أن هذا المبدأ يواجه لحظة فاصلة تصل إلى حد انكشافها الإستراتيجي، وفق المصادر ذاتها، موضحين أنها تفقد شرعيتها المطلقة في ظل التحولات الطارئة وباتت هدفًا للتشكيك والمعارضة العلانية.
مواجهة مباشرة
في حديثه لـ"المشهد"، يوضح الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية محمود أبو القاسم، أنّ إيران تبدو في مواجهة مباشرة ومعقدة داخليًا، أبعد من تلك التي تقع تحت وطأتها بفعل الحرب والتصعيد الأميركي الإسرائيلي، لافتًا إلى أن سعي "الحرس الثوري" المحموم لملء فراغ القيادة وتثبيت السلطة، بما استدعى تسريع وتيرة انتقال منصب المرشد إلى خامنئي الابن، بعث بأزمات جمّة على مستوى استدامة الشرعية، وفقدان الحكم لمرتكزاته التي حازها منذ عام 1979، الأمر الذي يجعل التوترات تتزايد بين جوانب السلطة ويفرض حالة قلق في المستقبل.
وبحسب أبو القاسم، فإن النظرية السياسية للحكم في إيران تبدو أمام مأزق حقيقي، حيث إن "الحرس" سعى إلى الحفاظ على النظام في ظل الضربات الأميركية الإسرائيلية، وذلك من خلال تغليب مقاربته الأمنية وفرض هيمنته وتوغله بمفاصل الحكم، الأمر الذي يجعل "الجمهورية الإسلامية" في لحظة استقرار ظاهري ومؤقت، بينما تعاني من "فراغ جوهريّ" إثر غياب الشرعية التي كانت تولد سياساتها المحلية والخارجية، وتؤسس عليها خطاباتها.
ويردف: "يشير هذا الوضع إلى بروز "الحرس" كثقل وحيد للسلطة في حالات متفاوتة مثل وفاة أو إضعاف المرشد، فضلًا عن استمرار الضغوط العسكرية تجاه القيادات السياسية. هنا، يتحول "الحرس" إلى الجهة الفعلية المتحكمة بالقرارات العسكرية والسياسية والاقتصادية، ومصدر الشرعية والحكم، مستغلًا تفكك المؤسسات الرسمية وغياب البدائل السياسية، ليصبح حارسًا للاستقرار القسري داخل الدولة. من ثم، يصبح التغيير عمليًا ومن الداخل قاب قوسين أو أدنى في ظل طبيعة حكم لا يملك سوى قبضة الأمن".
غياب المرشد
إذًا، النظام الإيراني يواجه "لحظة مفصلية" على مستوى مستقبل الحُكم وإدارة الدولة في مرحلة ما بعد خامنئي، وفق أبو القاسم، حيث يمثل هذا المنصب أكثر من مجرد دور سياسي بل هو "مركز الثقل الدستوري والأمني والأيديولوجي" في نظام السلطة القائمة منذ 4 عقود.
ويتابع: "رحيل خامنئي ترك بلا شك فراغًا أيديولوجيًا بين جماعات شيعية عديدة ولائية، الأمر الذي سيؤثر على فلسفة "ولاية الفقيه" ويضعف مشروع إيران الإقليمي. على المستوى الإستراتيجي، يُعد خامنئي مهندس نفوذ إيران الخارجي وعمقها الإستراتيجي. ومن ثم، فإن غيابه سيُحدث تراجعًا في تأثير إيران على الجماعات الميلشياوية، بل سيخلق حالة من التشتت داخل محورها "الممانع" حسب سردياتهم، خصوصًا في ظل الضغوط العسكرية الحالية من إسرائيل والولايات المتحدة التي تهدف إلى الحدّ من سيطرة طهران على المنطقة".
ويؤكد أبو القاسم أن مرحلة ما بعد خامنئي تمثل "اختبارًا حقيقيًا لاستمرارية النظام الإيراني، حيث تتشابك الشرعية الدينية، القوة العسكرية، والتحالفات المؤسسية لتحدد شكل الحُكم المستقبلي، في وقت يشهد فيه المحور الإيراني أقوى تهديد له منذ عقود".
انهيار الدولة
يتفق والرأي ذاته المعارض الإيراني علي رضا، والذي يؤكد على انحسار شرعية النظام الإيراني تحت وطأة استمرار الحرب أو حدوث هزيمة عسكرية، ما يترتب عليه احتمالية "تفكك السلطة المركزية" وظهور مليشيا مشتتة كما سبق وشهدت إيران ظاهرة ما عُرف بـ"اللجان الثورية" أو "أمراء حرب" محليين، وذلك مع مواجهة الصراعات الطائفية والعرقية واندلاع حرب أهلية محتملة، على غرار ما شهدته دول أخرى في حالات انهيار الدولة، مثل العراق بعد عام 2003.
ويقول رضا لـ"المشهد" إن سيطرة "الحرس الثوري" تبرز في الوقت الراهن كـ"عامل أساسي بالمشهد السياسي الإيراني، مدعومة بالحرب والفراغ الناجم عن تراجع قيادات معتدلة، بالإضافة إلى قدرته على ملء الفراغات بشخصيات موالية. فيما يظل مستقبل النظام الإيراني مرتبطًا بطول أمد الصراع الخارجي، إذ قد يضمن توقف الحرب استمرار النظام وفق النسق التقليدي، بينما يفتح استمرار المواجهة المجال أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين هيمنة "الحرس" الكاملة، أو تحوله إلى مجموعات محلية متفرقة في دولة متدهورة تواجه فوضى واسعة".
وفي حديثه لـ"المشهد" يقول الأكاديمي المصري وأستاذ الفلسفة بجامعة الإسكندرية الدكتور أشرف منصور إن التطورات الإقليمية الأخيرة والتصعيد العسكري بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، طرحت سؤال "ولاية الفقيه" ليس فقط بوصفها نظرية فقهية أو أيديولوجية سياسية، بل باعتبارها أيضًا ظاهرة اجتماعية ممتدة تتجاوز حدود السياق الإيراني إلى فضاءات أوسع.
وبحسب منصور: "لم يكن النقاش حول "ولاية الفقيه" ليعود بهذه القوة لولا السياق الراهن المأزوم، خصوصًا في ظل التصعيد العسكري الأخير. قبل هذه التطورات، كانت بعض التقديرات تشير إلى احتمال تحول منصب "الولي الفقيه" تدريجيًا إلى موقع رمزي، مع صعود دور مؤسسات الدولة التقليدية. وهو مسار تاريخي شهدته نظم سياسية أخرى. غير أن السياق الحربي الحالي قد يعطل هذا المسار، ويعيد الاعتبار للمؤسسة بوصفها مركزًا للشرعية والتعبئة، خصوصًا في ظل التحديات الخارجية".
(المشهد)