رغم أن الاصطفاف أو بالأحرى التخادم السياسي بين "الإخوان" وإيران مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية، لم يكن أمرًا مباغتًا، بل له سوابق عديدة، وقد كشف عن التبعية لنظام "الولي الفقيه" والوقوع في دائرة نفوذه الإقليمي، إلا أن التحريض الأخير الذي شنه عميد بالجيش السوداني ضد المنشآت المدنية في دول الخليج، بدا لافتَا غير مسبوق.
بنية مؤسسية
إذ يتخطى هذا التحريض مسألة الكشف عن مدى توغل الجماعة الأم للإسلام السياسي في القوات المسلحة السودانية، وكذلك حجم الدور الوظيفي المرتهن له هذا التحالف بين الجيش و"الإخوان"، ويؤشر إلى وجود بنية مؤسسية متغلغلة في المؤسسة العسكرية عبر عقود، استخدمها تنظيم "الإخوان" السوداني لتعزيز نفوذه وتوظيف الجيش في مشروعه الإيديولوجي المرتبط بإيران.
وبحسب مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد"، فإن "الجناح العسكري للإخوان" في الجيش السوداني هو بمثابة "ذراع عسكرية" لطهران ويضطلع بمهام وظيفية في أي نزاع إقليمي لحساب الأخيرة، مستفيدًا من شبكة كتائب مسلحة وعلاقات استراتيجية مع "الحرس الثوري" الإيراني، ما مكّنه من قيادة عمليات التحريض ضد دول الخليج، واستهداف البنية التحتية الحيوية، وهو ما يثير مخاوف إقليمية ودولية بشأن استغلال الجيش السوداني في صراعات مستقبلية.
وكان الضابط طارق الهادي كيجاب، الذي سبق أن عمل طبيبًا خاصًا للرئيس المعزول عمر البشير، قد حرض إيران بضرورة تكثيف هجماتها على دول الخليج العربي.
كما ألمح في مقطع فيديو ظهر فيه، مؤخرًا، إلى إمكانية التسبب في أضرار فادحة واسعة النطاق من خلال استهداف منشآت حيوية، بما في ذلك محطات التحلية والكهرباء.
تهديدات "الإخوان" ضد الخليج
ويتقاطع هذا التحريض مع تهديدات مماثلة تواصل الإعلان عنها قوى "الإخوان" في السودان، كما في غيرها، حيث سبق للقيادي بالجماعة في السودان الناجي مصطفى، أن عمد إلى تعميم فكرة متعسفة مفادها وجود علاقة بين حرب إيران والحرب في السودان، بغرض الترويج لرؤية ضيقة وبراغماتية تفضي إلى شرعنة العلاقة بين "الإخوان" وإيران، والأمر ذاته مع الجيش. ولهذا وصف مصير الحرب في البلدين بأنه واحد على حد تعبيره.
وقبل أسبوعين، هدد المصباح طلحة قائد كتيبة "البراء بن مالك" المصنفة و"الإخوان" بالسودان على قوائم الإرهاب الأميركية، بإمكانية نقل عملياته إلى خارج الحدود، لافتًا إلى امتلاكه طيرانًا مسيرًا وأسلحة أخرى من دون تسميتها.
المشروع الإيراني و"التمكين"
التصريحات المتواترة من عدد من منتسبي الحركة الإسلامية بالقوات المسلحة السودانية لا تعدو كونها مجرد "أصوات فردية"، بل هي تعبير عن بنية مؤسسية راسخة بناها تنظيم "الإخوان السوداني" داخل المؤسسة العسكرية على عقود متتالية، بينما اختطف عبرها هذه المؤسسة ووظفها لمشروعه الإرهابي المؤدلج الذي يعد حلقة من حلقات المشروع الإيراني في المنطقة، حسبما يوضح نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في تحالف "صمود" خالد عمر.
ويقول عمر لـ"المشهد": "منذ أن اندلعت شرارة الحرب الأولى بالسودان كنّا نقرع الأجراس مؤكدين أنها حرب "الإخوان" للسيطرة على الدولة، وترسيخ مشروع التمكين، وقد سعوا بأقصى جهدهم لاختراع أكاذيب تخفي هذه الحقيقة. ورغمًا عن ذلك فقد فشلوا حتى جاء العدوان الايراني الغاشم على دول الخليج ليسقط ورقة التوت التي كانوا يتخفون خلفها، ومن ثم، اتضحت حقيقتهم للكافة".
وفي حديثه لمنصة "المشهد" يوضح الكاتب والمحلل السياسي السوداني محمد المختار محمد أنه في خطوة تصعيدية غير مسبوقة، برز تصريح العميد طارق الهادي كيجاب والمعروف بكونه الوجه "الإخواني" البارز في حرب السودان، حول تحريضه لإيران باستهداف دول الخليج والبنية التحتية الحيوية مثل محطات المياه والكهرباء، الأمر الذي يبعث بمخاوف عديدة إقليمية ودولية لناحية الفئة المسيطرة على بنية الجيش السوداني وتغلغل جماعة "الإخوان" وتوغلها العسكري.
إذ إن هذا التحريض باعتباره خروجًا واضحًا ومباشرًا عن الأعراف الدبلوماسية والعسكرية التقليدية كافة، يؤشر إلى الموقف الحقيقي والاستراتيجي لجماعة "الإخوان" في السودان، المصنفة منظمة إرهابية، بعيدًا عن المواقف التكتيكية المؤقتة، وفق المختار محمد.
التبعية لـ"الولي الفقيه"
كما أن جماعة "الإخوان"، والحديث للكاتب والمحلل السياسي السوداني، ترى في هذه المرحلة فرصة لتعزيز نفوذها، بالتزامن مع قرارات الولايات المتحدة وتصنيفها تنظيميًا على قوائم الإرهاب، مستندة إلى العلاقات التاريخية والإستراتيجية مع "الحرس الثوري" الإيراني، الذي لعب دورًا في تدريب كتائب "الإخوان" المسلحة، أبرزها لواء "البراء بن مالك".
وتابع: "يعتمد الجيش السوداني على هذه الكتائب لتعويض نقص المشاة وتعزيز قدراته على الأرض، حيث يقدّر عدد المقاتلين العقائديين التابعين لـ"الإخوان" بالآلاف، وقد سيطروا على المشهد العسكري منذ بداية الحرب". فيما تكشف هذه التطورات عن العلاقة المعقدة بين الجيش السوداني وجماعة "الإخوان"، التي تمكنت خلال 3 عقود من حكم الرئيس المعزول عمر البشير، من تدشين بنية تحتية لنفوذ الإسلامويين داخل الجيش والأجهزة الأمنية، بما حول المؤسسة العسكرية من جهة وطنية احترافية إلى مجرد ذراع عسكري للحركة الإسلامية بشقيها السني والشيعي وتبعيتها الوظيفية لنظام "الولي الفقيه" في طهران.
الأمر الأخطر والأكثر فداحة، بحسب الكاتب والمحلل السياسي السوداني هو أن "الإخوان" لم يكتفوا بدمج كتائبهم المسلحة في الجيش، بل أنشأوا هيكلًا موازيًا أعادوا من خلاله تشكيل المؤسسة العسكرية من الداخل، ليصبحوا ركنًا أساسيًا في البنية القتالية والتنظيمية للجيش السوداني، بقدرات وإمكانات تكاد تعادل إمكانيات الدولة نفسها.
وختم حديثه قائلًا إن هذه الهيمنة العسكرية لجماعة "الإخوان" قد تجعل الجيش السوداني هدفًا لعقوبات دولية محتملة في المرحلة المقبلة، خصوصًا بعد انتهاء العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، في ظل المخاوف من استخدام هذه الإمكانات في صراعات إقليمية مستقبلية.
خطابات تحريضية
يتفق والرأي ذاته المحلل السياسي السوداني صلاح حسن والذي يقول إن التسجيل المنسوب للعميد "الإخواني" في الجيش السوداني، المعروف بارتباطه الوثيق بالحركة الإسلامية، كشف عن خطورة تحريضه المباشر خلال الحرب وتهديداته أو بالأحرى تحريضه لإيران باستهداف المنشآت المدنية بالخليج، الأمر الذي يثير قلق واسع بخصوص موقع الجماعة الإسلاموية في المؤسسة العسكرية السودانية.
وبحسب حسن في حديثه لـ"المشهد"، فإن الضابط بالجيش السوداني هو ممثل رسمي للجناح العسكري لـ"الإخوان" في السودان، حيث لعب دور "الإعلام الحربي خلال النزاع"، وقدم "خطابات تحريضية" تدعو إلى استمرار العمليات العسكرية ضد المدنيين والبنى التحتية الحيوية والإستراتيجية بالعواصم الخليجية والعربية، بما يبرز استمرار تأثير التنظيم على مؤسسات الدولة.
فيما تكشف خلفيته إلى أنه التحق بالكلية الحربية بين عامي 1992 و1996 عبر الجبهة الإسلامية، وفق المحلل السياسي السوداني، مؤكدًا أن الانتماء للحركة كان شرطًا أساسيًا للالتحاق بالجيش، آنذاك. وبعد ذلك، شغل عبد الهادي منصب الطبيب الخاص للرئيس السابق عمر البشير، وهو موقع يعكس النفوذ السياسي الذي يوفره الانتماء إلى الحركة الإسلامية.
وتابع: "التسجيل الأخير يعكس قدرة الإخوان على استخدام قياداتهم داخل الجيش لنقل رسائلهم وتوجيه التحريض العسكري". كما يُعد هذا التحريض مؤشرًا على التحالف المعلن "للإخوان" مع إيران، ومحاولاتهم دعم النزاعات الإقليمية ضد دول الخليج، بما يثير قلقًا عامًا وفي المجتمع الدولي من تصعيد محتمل ضد المدنيين والبنية التحتية الحيوية، فضلاً عن ما يمثله ذلك من تهديد للأمن المدني والاستقرار الإقليمي، ويطرح تساؤلات ضرورية حول الحاجة الملحّة لمراجعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتنظيمات السياسية ذات "النفوذ العقائدي" وفك الارتباط بينهما.
(المشهد)