ينتظر المصريون المصادقة النهائية على قانون الإجراءات الجنائية الجديد الذي ينظّم العملية الجنائية بدءا من توقيف المتهمين وصولا إلى صدور الأحكام النهائية، فيما حذّرت الأمم المتّحدة وحقوقيون من أنّ بعض مواده ليست إلا إضفاء للشرعية على تجاوزات حقوقية.
ويُعتبر قانون الإجراءات الجنائية إلى جانب قانون العقوبات، حجري الزاوية لمنظومة العدالة ويصفهما قانونيون بأنّهما مكمّلان للدستور.
وعلى مدار السنوات الماضية، نظر البرلمان في مشروعين للقانون قدّمتهما الحكومة، وانتهى إلى نسخة قدّمتها لجنة برلمانية فرعية تمّ تشكيلها خصيصا وأكّد رئيسها أنّ القانون يمثّل "نقلة حقيقية في ملف حقوق الإنسان".
قانون الإجراءات الجنائية في مصر
وقال رئيس اللجنة البرلمانية الفرعية لدراسة وإعادة صياغة القانون إيهاب الطماوي لوكالة فرانس برس إنّ مشروع القانون "أتى بمجموعة من الضمانات الجديدة... في ما يخصّ إعادة تنظيم دور النيابة العامة وإعادة تنظيم ممارسة حقّ الدفاع"، بالإضافة إلى الأمور المتعلقة بالحبس الاحتياطي والمنع من السفر.
من جهته، أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أمام الأمم المتحدة أثناء الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، أنّ القانون الجديد سيحدث "ثورة تشريعية في مجال العدالة الجنائية في مصر، خصوصا في ما يتعلق بمدد وضوابط الحبس الاحتياطي".
ومن بين المواد التي لاقت انتقادات، واحدة تجيز للنيابة العامة "في حال الاستعجال" الأمر بالمنع من السفر بلا حدّ أقصى زمني ودون انتظار حكم قضائي، وأخرى تسمح لقوات الأمن بدخول المنازل وتفتيشها دون إذن قضائي "في حالات الخطر أو الاستغاثة"، بلا تعريف واضح لتلك الحالات.
توازن السلطات
وفي السنوات الأخيرة، واجهت مصر انتقادات لتمريرها تشريعات تقنن إجراءات استثنائية تعود إلى حالة الطوارئ التي استمرت عقودا طويلة في ظل الأنظمة المتعاقبة، إلى أن تمّ إنهاؤها عام 2021.
وفي أبريل، أرسل البرلمان نسخة أخيرة من القانون، لم تُنشر، إلى رئاسة الجمهورية للمصادقة النهائية.
ويوضح كريم عنارة، مدير الأبحاث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أنّ مشروع القانون يتوسّع في الصلاحيات الممنوحة لكل من النيابة العامة والشرطة على حساب جهات التقاضي الأخرى وعلى حساب المتّهمين ومحاميهم.
بدوره، يحذّر المحامي البارز خالد علي من أنّ مشروع القانون من شأنه الانتقاص من دور المحامين وتقويض حقوق الدفاع "وهي ضمانة أساسية لأيّ محاكمة عادلة".
ويضيف أن النصّ "لا يحارب الفساد بشكل حقيقي، ويتوسع في السلطات الممنوحة للشرطة والنيابة... ولا يحقق التوازن المفترض بين جهات التقاضي المختلفة".
ويُعطي القانون الجديد الحقّ للنيابة العامة في حجب الشهود أو إجراء التحقيقات في غياب المحامين، ولا يُلزمها بإطلاع الدفاع على أوراق القضية، وهي انتهاكات متكررة بحسب عنارة، إلا أنها ستصبح، في حال تمرير القانون، ممارسات قانونية.
وينظم القانون كذلك المحاكمات عن بُعد التي يرى عنارة أنها خرجت في شكل "يقوّض قاعدتين أساسيتين من قواعد المحاكمة العادلة وهما حقّ المتّهم في الاجتماع مع محاميه على انفراد، وحقّه في المثول أمام قاضيه" ليتمكن الأخير من تقدير أيّ ضرر أو إساءة قد تكون لحقت بالمتّهم.
ويفيد عنارة بأنّ المحاكمات الافتراضية تتمّ "على عجالة" بين القاضي من جهة وعشرات المتهمين معا على الجهة الأخرى من المحادثة الافتراضية، وهؤلاء بالكاد يمكنهم الاستماع إلى أحكام وقرارات تمسّ عشرات الموقوفين.
الحبس الاحتياطي في مصر
ويعتبر محمود شلبي، الباحث في شؤون مصر في منظمة العفو الدولية أنّ القانون الجديد لم يحلّ "القضايا الأكثر جدلا في نظام العدالة الجنائية المصرية".
وكانت منظمة العفو الدولية قالت في أكتوبر إن مشروع القانون "لا ينصّ على أي ضمانات ضدّ الحبس الاحتياطي الطويل الأمد والتعسفي".
ووفقا لشلبي، تضمّ السجون المصرية عشرات آلاف السجناء السياسيين.
ورغم تخفيض القانون الجديد الحد الأقصى للحبس الاحتياطي من 24 إلى 18 شهرا، فإنه لا يضع حدا لـ "تدوير المتهمين"، بحسب شلبي.
ويحذّر شلبي من أن مشروع القانون يطرح إشكالية أخرى هي عدم السماح للمتهمين بالتقاضي "في حال تعرضهم لتجاوزات أثناء القبض عليهم أو أثناء الاحتجاز" إذ يحصر القانون هذا الحق بيد النيابة العامة.
وفي مواجهة الانتقادات، أقام البرلمان "حوارا مجتمعيا" لمناقشة مشروع القانون، إلا أنه رفض الأغلبية العظمى من الاقتراحات التي تم تقديمها، حسبما أفاد شلبي وعنارة وعلي.
(أ ف ب)