من الرهائن إلى نشر الفوضى.. كيف تدير طهران المواجهة من 1979 إلى حرب 2026؟

شاركنا:
محللون: الهجمات الإيرانية على دول الخليج جزء من نهج إستراتيجي (أ ف ب)
هايلايت
  • إيران تحاول الضغط على الاقتصاد العالمي باستهداف دول الخليج.
  • محللون: استهداف دول الخليج لم يحقق أهداف إيران.
  • محللون: أوروبا لا ترغب في الانجرار إلى حرب إيران.

الهجمات الإيرانية على دول الخليج، ليست تفصيلاً عابراً في معركة طهران بمواجهة الأميركيين والإسرائيليين، بل ما يجري أقرب إلى تميز جديد لجوهر العقيدة الأمنية للنظام الإيراني، الذي يعمل على نقل كلفة الصراع إلى الآخرين وتوسيع دائرة النار واستخدام المدنيين والاقتصاد والممرات البحرية وأمن الجوار، بوصفها أوراق ضغط في مواجهة تفوق عسكري لا تملكه إيران في الحرب التقليدية.

منذ قيام الجمهورية الإسلامية، بنت طهران منظومة مواجهة تقوم على تعدد الأدوات لا على توازن القوة المباشر، وما عدا حرب العراق في ثمانينيات القرن الماضي، فهي لم تخض أيّ صراع بجيشها النظامي، بل بشبكات الوكلاء واختطاف الأجانب واحتجازهم والصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد الملاحة والحرب السيبرانية، وتعطيل الاقتصاد الإقليمي والدولي.

سمات السلوك الإيراني

لذلك، فإن قراءة الهجمات الأخيرة على الإمارات والبحرين والسعودية والكويت وقطر وحتى سلطنة عُمان لا تكتمل إذا جرى التعامل معها بوصفها مجرد رسائل عسكرية عاجلة، لأن هذه الضربات تنتمي إلى ترسانة أوسع راكمها النظام على مدى عقود.

في الأسابيع الأخيرة، دخلت الحرب مرحلة فارقة مع الضربات الأميركية الإسرائيلية، لكن الرد الإيراني على الحرب لم يقتصر على الاشتباك مع مصادر النار، بل اتجه سريعا إلى ساحة دول الخليج، رغم أن هذه الدول تحاول، قبل اندلاع الحرب وخلالها، فتح مسارات تفاوضية تمنع الوصول إلى هذه المواجهة.

هنا تحديداً تتكشف إحدى أهم سمات السلوك الإيراني وهي معاقبة البيئة الإقليمية المحيطة، حتى لو لم تكن صاحبة قرار الحرب. فدول الخليج، في المنظور الإيراني، ليست مجرد جوار جغرافي، بل شريان طاقة عالمي عنده مجال للنفوذ المستقبلي، ونموذج سياسي واقتصادي متقدم ترى فيه طهران خصماً حضارياً.

يقول الدكتور عبد الخالق عبد الله، أستاذ العلوم السياسية، في حديث لمنصة "المشهد"، إن الرهان الإيراني على أن تضغط دول الخليج العربي على الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف الحرب هو رهان خاطئ من أساسه، مضيفاً أن اعتقاد طهران بامتلاك العواصم الخليجية تأثيراً حاسماً على قرار واشنطن في هذا الملف ليس سوى "وهم غبي" حسب تعبيره. ويشير إلى أن لدى ترامب حساباته الخاصة، الأميركية والإقليمية والدولية، وهي تختلف عن أولويات دول الخليج، ولذلك فإن إرسال الصواريخ والمسيرات إلى المدن الخليجية لن يكون الطريق إلى وقف الحرب، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

محاولة لإحراج واشنطن

هذا التقدير يلتقي، مع ما يطرحه الدكتور أحمد الشحات، أستاذ العلوم السياسية واستشاري الأمن الإقليمي والدولي، الذي يرى أن الهجمات الإيرانية هي محاولة لإحراج واشنطن واختبار صورتها بوصفها الضامن لأمن الخليج والملاحة الدولية. ووفق هذا الفهم، فإن الضربات على دول الخليج لا تنفصل عن محاولة إظهار القدرة على تهديد القواعد الأميركية والحلفاء الإستراتيجيين في المنطقة، وبالتالي التأثير في حسابات القرار الأميركي.

لكن السؤال هنا ليس فقط: لماذا تهاجم إيران الخليج؟ بل أيضاً: ماذا تريد من ذلك؟

الجواب قد يبدأ من فكرة قديمة في عقل النظام الإيراني، هي أن الضغط على الخاصرة الاقتصادية للعالم قد يبدل الحسابات السياسية والعسكرية للخصوم. فدول الخليج ليست، في هذا التصور، مجرد دول جوار وشركاء، بل هي "خزان العالم النفطي"، ومراكز مالية وتجارية وملاحية بالغة الحساسية. ومن ثم، فإن ضربها أو تهديدها أو زعزعة أمنها ليس استهدافاً محلياً فحسب، بل رسالة إلى الأسواق العالمية، وإلى العواصم الغربية، وإلى الرأي العام الدولي بأن استمرار الحرب ستكون له كلفة تتجاوز حدود إيران.

إستراتيجية الحرب غير المتكافئة

ويشرح المتخصص بالدراسات الأمنية والإستراتيجية الدكتور إيلي الهندي هذه النقطة بالقول إن استهداف الخليج لا يمكن اختزاله في البعد الانتقامي فقط، بل يجب فهمه ضمن إستراتيجية "الحرب غير المتكافئة" التي اعتمدتها إيران منذ زمن طويل لتعويض ضعفها في المواجهة العسكرية التقليدية.

ويضيف أن طهران لم تراهن تاريخياً على الجيش النظامي وحده، بقدر ما راهنت على منظومة بديلة تضم مضيق هرمز، والميليشيات، والصواريخ، والمسيّرات، وتهديد دول الخليج. وبحسب الهندي، فإن هذا النوع من الاستهداف يُنظر إليه داخل الحسابات الإيرانية كأحد الأدوات التي قد تصنع فارقاً وتدفع باتجاه إنهاء الحرب بشروط أفضل لطهران.

غير أن هذه المقاربة، بحسب المتحدثين، لم تُنتج حتى الآن ما كانت تأمله إيران، فالخليج لم ينهَر، ولم يتحول إلى طرف يصرخ في وجه واشنطن طالباً وقف الحرب بأي ثمن. بل إن استيعاب دول الخليج للهجمات، وتعزيز قدراتها الدفاعية، كشف حدود هذه الورقة الإيرانية. ويرى الهندي أن النتيجة كانت معاكسة في بعض جوانبها، إذ رسخت لدى عواصم خليجية قناعة أعمق بأن هذا النظام لا يمكن الوثوق به أو التعايش مع سلوكه بوصفه أمراً قابلاً للاحتواء الطويل.

على هذه الخلفية، لا تبدو الهجمات على الخليج ملفاً منفصلاً، بل جزء من سلسلة طويلة من "ملفات" يخرجها النظام في طهران، أولها وأكثرها رسوخاً كان ملف الرهائن. بدأ ذلك مع اقتحام السفارة الأميركية في طهران في 4 نوفمبر 1979 واحتجاز 52 دبلوماسياً أميركياً لمدة 444 يوماً. يومها، قُدم الحدث على أنه فعل ثوري في مواجهة واشنطن والشاه، لكن السنوات اللاحقة أظهرت أن المسألة لم تكن حادثة استثنائية، بل تأسيس لنهج متكامل. منذ ذلك الوقت، تحول احتجاز الأجانب ومزدوجي الجنسية في إلى أداة دولة، تستخدمها أجهزة الأمن والحرس الثوري وكذلك عمليات الاختطاف التي تقوم بها الميليشيات في المنطقة للمساومة ورفع سقف التفاوض وانتزاع تنازلات سياسية أو مالية.

خلال الحرب الحالية، عاد هذا الملف إلى الواجهة، فإعلان السلطات الإيرانية اعتقال 10 أجانب في شمال شرقي البلاد، لم يكن إجراء أمنياً عادياً بقدر ما كان إحياء لأداة قديمة من أدوات الضغط. يرى الدكتور أحمد الشحات أن "دبلوماسية الرهائن" تطورت كأداة ثابتة في إدارة الصراع بين طهران والغرب، مروراً بعمليات الخطف في لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي ومهاجمة السفارات والأهداف الأميركية الرمزية في المنطقة. وبحسب قراءته، فإن هذه السياسة تُستخدم لفرض نوع من الندية في المواجهة، لرفع سقف التفاوض.

أما الدكتور إيلي الهندي فيذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن النظام الإيراني أتقن هذا الأسلوب لأنه قام، على فهم نقطة الضعف في الدول الغربية: حرصها على مواطنيها وكرامتهم وأمنهم. وبحسب هذا المنطق، فإن تهديد عدد محدود من الأفراد قد يدفع حكومات كاملة إلى تعديل سلوكها أو تقديم تنازلات.

ويضيف أن ما نشهده اليوم هو توسيع لهذه الدبلوماسية إلى مستوى أكبر بكثير، إذ لا تعود الرهينة فرداً أو مجموعة صغيرة فقط، بل قد تصبح دولة أو منطقة أو حتى الاقتصاد العالمي نفسه رهينة، عبر التهديد بضرب الخليج أو بإغلاق مضيق هرمز.

ومن الرهائن، نصل إلى الممرات المائية، ومنها مضيق هرمز أحد أعصاب الاقتصاد العالمي، فكلما اشتد الضغط على طهران، عاد الحديث الإيراني عن إغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه. وخرج هذا التهديد من دائرة التلويح السياسي إلى التطبيق، مع تراجع كبير في حركة المرور البحرية.

ورقة هرمز ليست الوحيدة

تكمن خطورة هذه الورقة في أنها لا تضغط على واشنطن وحدها، بل على العالم بأسره: أسعار النفط، سلاسل الإمداد، التأمين البحري، حركة التجارة، أمن الموانئ، واستقرار أسواق المال. ويؤكد الدكتور أحمد الشحات أن مضيق هرمز يمثل الورقة الأكثر حساسية في أدوات المواجهة الإيرانية، لأن تهديده أو إغلاقه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، ويدفع إما إلى تصعيد عسكري واسع لتأمينه أو إلى تفاهمات دولية تضمن بقاءه مفتوحاً.

لكن ورقة هرمز لم تعد وحيدة، ففي باب المندب أيضاً، تحضر الأداة الإيرانية بصورة غير مباشرة من خلال "الحوثيين"، بما يفتح احتمال تضييق الخناق المزدوج على الخليج وحركة التجارة من بوابتيه البحرية الأهم. وهذا ما يجعل المسألة بالنسبة إلى أوروبا والاقتصادات الكبرى شديدة الحساسية، لأن أي تعطيل في هذين الممرين لا يهدد النفط فقط، بل يهدد النظام التجاري الأوسع.

هنا يبرز الموقف الأوروبي الذي يصفه الدكتور إيلي الهندي بأنه واقع بين أزمتين: من جهة، لا تريد أوروبا الانجرار بالكامل وراء حسابات أميركية وإسرائيلية لم تُستشر فيها كما ينبغي، ومن جهة أخرى، فإن الامتناع عن لعب دور في حماية الملاحة والخليج قد يرتب عليها أكلافاً اقتصادية باهظة، من ارتفاع أسعار النفط إلى اختلال التوازنات الإقليمية. لذلك، يبدو الموقف الأوروبي، حتى الآن، أقرب إلى الوسط: دعوات إلى الدبلوماسية، وميل إلى دور دفاعي في حماية الملاحة.

حرب المسيّرات

وإلى جانب الرهائن والمضائق، طورت طهران في السنوات الأخيرة طرق جديدة تناسب زمن التكنولوجيا والحروب منخفضة الكلفة: الطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية. المسيّرات الإيرانية، ولا سيما من عائلة "شاهد"، أظهرت فاعلية خاصة في استنزاف الدفاعات الجوية المكلفة، وإشاعة القلق النفسي والاقتصادي. وفي الخليج، لم يكن أثرها في عدد الإصابات أو حجم الدمار، بل في رسالتها السياسية، وهي أن أي مركز مالي أو طاقوي أو مدني يمكن أن يتحول إلى هدف، ولو بصورة متقطعة، وهو ما يفرض كلفة أمنية واقتصادية مستمرة.

والسؤال هنا: هل ما زالت هذه الملفات تعمل بالتماسك نفسه الذي عُرفت به إيران في العقود الماضية؟

يرى الدكتور إيلي الهندي أن الإستراتيجية الإيرانية كانت في السابق أقرب إلى منظومة متكاملة تُدار من مركز قرار واضح، بحيث تتحرك الأدوات في التوقيت الملائم وبطريقة تكمل إحداها الأخرى. إلا أن الضربات الأخيرة التي طالت القيادات الأساسية والصف الأول، ووصلت إلى قمة هرم السلطة، أضعفت هذا التكامل. وبدلاً من مشهد منظم نسبياً، يبدو الأداء الإيراني اليوم أكثر ميلاً إلى استخدام كل ما هو متاح في وقت واحد، بما يجعل السلوك أقرب إلى العشوائية منه إلى الإستراتيجية المنضبطة.

في المحصلة، لا تبدو إيران وكأنها تبتكر أدوات جديدة من الصفر، بقدر ما تعيد تشغيل أرشيفها الطويل في إدارة الأزمات: الرهائن، والوكلاء، والمضائق، والمسيرات، والاقتصاد، والتخريب، تستخدمها مثلما يستخدم الساحر الأرانب التي يخرجها من قبعته. الجديد ليس في طبيعة الأداة بقدر ما هو في اتساع المسرح وحجم النار وكثرة اللاعبين.

وهكذا، فإن الهجمات على دول الخليج ليست هامشاً في هذه الحرب، بل واحدة من أخطر عقدها، فهي تكشف كيف تنظر طهران إلى الجوار الخليجي: ليس فقط كساحة ضغط على واشنطن، بل أيضاً كساحة يمكن من خلالها إيلام العالم، ورفع ثمن الحرب، ومحاولة تعديل موازين الصراع ولو بالنار الموزعة على المدنيين في المدن والموانئ والبحار.

وفي الوقت نفسه، تكشف هذه الهجمات حدود هذه الإستراتيجية، بعدما أثبتت دول الخليج أنها ليست الحلقة الأضعف التي راهنت عليها طهران، وأن ضرب المدن لا يعني بالضرورة كسر القرار السياسي. 

(المشهد)