ملاحقة شبكات النفوذ والتمويل.. أوروبا تشدد حصارها على "الإخوان"

آخر تحديث:

شاركنا:
أوروبا تتجه إلى ملاحقة شبكات الإسلاموية (أ ف ب)
هايلايت
  • تتخطى التحولات في أوروبا بخصوص مواجهة الإسلاموية مجرد تشديد الإجراءات الأمنية.
  • مراقبون: هناك تحول في فهم التهديدات التي تشكلها الإسلاموية القيم الديمقراطية والدستورية.
  • هجمات 7 أكتوبر عمّقت التساؤلات الأوروبية بشأن العلاقة بين الدين والسلطة والديمقراطية.

تتخطّى التحولات في أوروبا بخصوص مواجهة الإسلاموية السياسية، مجرد تشديد الإجراءات الأمنية ضد التنظيمات المتطرفة إلى ملاحقة شبكاتها الأيديولوجية والتنظيمية والمالية، بحسب برلماني أوروبي ومراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، خصوصًا في ظل مخاوف تتصل باستغلال المؤسسات المدنية لتوسيع النفوذ المؤدلج والراديكالي داخل المجتمعات الديمقراطية.

مراجعة أعمق

هذا التحوّل يعكس مراجعة أعمق لمخاطر الإسلاموية على القيم الدستورية والمدنية في أوروبا، وفق المصادر ذاتها، خصوصًا بعد التحديات التي سببها هجوم "حماس" في 7 أكتوبر 2023 على إسرائيل بين دول التكتل، وذلك على مستوى انكشاف التخادم السياسي بين تنظيمات الإسلام السياسي، في نستختيها السنية والشيعية، وعدم وجود فروق بين تلك التي تتبنّى العنف والخطاب الجهادي بشكل علنيّ، أو التي تبطن هذا الاتجاه لحساب العمل السياسي.

وفي حديثه لمنصة "المشهد"، قال عضو البرلمان الألماني جيان عمر إن ما تشهده أوروبا حاليًا لا يقتصر على تشديد الإجراءات الأمنية تجاه "الإخوان"، بل يعكس تحولًا أعمق في فهم التهديدات التي قد تشكلها الإسلاموية السياسية، بمختلف تياراتها وأساليب عملها، على المجتمعات الديمقراطية وقيمها الدستورية.

وأضاف أن هذه المراجعة لم تبدأ حديثًا، بل جاءت نتيجة تجارب متراكمة أعقبت ما عرف باحتجاجات "الربيع العربي"، ومحاولات بعض قوى الإسلام السياسي استثمار التحولات السياسية لخدمة مشاريعها الأيديولوجية، إلى جانب استغلال التنظيمات الجهادية الفراغات الأمنية في عدد من الدول.

وأشار إلى أن هجمات 7 أكتوبر عمّقت التساؤلات الأوروبية بشأن العلاقة بين الدين والسلطة والديمقراطية، خصوصًا في ضوء الجذور التاريخية لحركة "حماس" في جماعة "الإخوان" وعلاقاتها الموثقة بإيران.

المقاربة الأوروبية

وأوضح عضو البرلمان الألماني أن التحول في المقاربة الأوروبية يتمثل في تنامي الإدراك بأن مخاطر الإسلاموية السياسية لا تقتصر على التنظيمات المسلحة أو العمليات الإرهابية المباشرة، بل تشمل أيضا تيارات تسعى إلى بناء نفوذ سياسي واجتماعي طويل الأمد عبر المؤسسات والجمعيات والشبكات المالية والدينية، من دون اللجوء بالضرورة إلى العنف.

وقد لفت إلى أهمية التقرير الفرنسي الصادر عام 2025 بشأن "الإخوان" الذي حذر من محاولات توسيع النفوذ تدريجيا داخل المجتمع ومؤسساته، ومن مخاطر الانعزالية وتقويض قيم الجمهورية عبر شبكات اجتماعية ودينية وتعليمية.

كما أكد عمر أن التحدي لا يقتصر على التنظيمات التي تواجه الدولة بالسلاح، بل يمتد إلى أي مشروع أيديولوجي يسعى إلى إخضاع المجتمع لمنظومة دينية سلطوية أو تقويض الحقوق والحريات التي تقوم عليها الديمقراطية، حتى عندما يستخدم وسائل تبدو قانونية وسلمية.

وتابع: "جهاز حماية الدستور الألماني يراقب منذ أعوام تنظيم "الإخوان" وشبكاته، وفي مقدمتها "الجماعة الإسلامية" الألمانية، باعتبارها إحدى أبرز البنى التنظيمية المرتبطة بالإخوان في البلاد. وجهاز حماية الدستور في برلين يصنف نحو 200 شخص ضمن المحيط المرتبط بالجماعة، وفقًا لتقريره لعام 2025".

مبادئ الديمقراطية

ولذلك، فقد انتقلت ألمانيا خلال الأعوام الأخيرة، من الاكتفاء بالمراقبة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد تنظيمات إسلاموية مختلفة، بحسب عضو البرلمان الألماني موضحًا أن السلطات حظرت أنشطة حركة "حماس" وشبكة "صامدون" بعد هجمات 7 أكتوبر، ثم حظرت المركز الإسلامي في هامبورغ عام 2024 بسبب أنشطته المناهضة للدستور وارتباطاته بالنظام الإيراني.

وقال عمر: "السلطات الألمانية حظرت، في نوفمبر 2025، تنظيم "مسلم إنتراكتيف"، الذي روّج لمشروع "الخلافة" المتوّهم ورفض مبادئ النظام الديمقراطي. وفي سبتمبر الماضي، أقرّت الحكومة ببرلين خطة من 10 نقاط لتعزيز مكافحة الإرهاب الإسلاموي والوقاية من التطرف، إلى جانب نقاشات شهدها البرلمان الألماني بشأن تعزيز الشفافية في عمل الجمعيات ومراقبة النفوذ الخارجي ومصادر التمويل".

وأضاف أن اعتماد البرلمان الأوروبي، في 8 أكتوبر، قرار يدعو إلى وضع إستراتيجية أوروبية لمواجهة التغلغل الإسلاموي ونفوذ شبكات "الإخوان"، منح هذا النقاش بعدًا يتجاوز السياسات الوطنية، رغم استمرار الخلافات السياسية بشأن الوسائل المقترحة وحدودها القانونية.

غير أن أوروبا بحاجة إلى مقاربة أكثر شمولًا وفاعلية في مواجهة الإسلاموية السياسية، وفق عمر، مؤكدًا أن الحظر الأمني وحده لا يكفي، كما أن الاكتفاء بمراقبة الخطاب العلني للتنظيمات لا يعالج بالضرورة طبيعة الشبكات والعلاقات التي تقف خلفها، مشددًا على ضرورة تتبع مصادر التمويل، وكشف الروابط التنظيمية غير المعلنة، ومواجهة التدخلات الخارجية غير المشروعة، وضمان عدم توظيف الأموال العامة أو المؤسسات المدنية لخدمة مشاريع متطرفة.

هجوم "حماس"

إلى ذلك، قال الباحث المختص في شؤون التطرف والدين الدكتور صبحي نايل، إن الهجوم الذي شنته "حماس" على إسرائيل أسهم في إعادة الإسلام السياسي إلى واجهة المشهد، ومنح تياراته فرصة لإعادة ترتيب صفوفها وتقديم نفسها مجددا بوصفها طرفًَا رئيسًا في القضية الفلسطينية، وذلك من خلال سردياتها التلفيقية والتعبوية والتحريضية.

وأضاف نايل لـ"المشهد"، أن استمرار تقديم هجوم 7 أكتوبر باعتباره انتصارًا بشكل تلفيقي كما في خطاب "حماس" والإسلام السياسي، إنما يعكس محاولة هذه التيارات احتكار القضية الفلسطينية وتصوير نفسها باعتبارها الطرف الوحيد المدافع عنها، رغم ما ترتب على الهجوم من خسائر بشرية ومادية واسعة في صفوف الفلسطينيين.

كما أشار إلى أن رفض الاعتراف بالهزيمة، رغم الكلفة البشرية الباهظة، يمثل أحد أوجه توظيف الدماء الفلسطينية في خدمة الأهداف التنظيمية، لافتًا إلى أن بعض هذه التيارات قد تقبل بالفوضى أو اتساع نطاق الصراع وسقوط المزيد من الضحايا، ما دامت قادرة على الحفاظ على حضورها ومواصلة مشروعها السياسي.

وأكد الباحث المختص في شؤون التطرف والدين أن هذا النهج يتسق مع إستراتيجية الإسلام السياسي القائمة على استثمار الأزمات والصراعات لتعزيز النفوذ، حتى عندما تكون الكلفة على المجتمعات التي يدعي تمثيلها مرتفعة.

ولفت إلى أن تداعيات هجوم "حماس" أسهمت في تجدد المخاوف الأوروبية والأميركية من تنامي حضور التنظيمات الجهادية والتيارات المرتبطة بـ"الإخوان"، بالتوازي مع تصاعد النقاشات بشأن سبل الحد من نفوذ الإسلام السياسي وشبكاته التنظيمية والمالية.

تحركات سياسية وتشريعية

وتابع: "هذه المخاوف انعكست في تحركات سياسية وتشريعية داخل عدد من الدول الغربية، من بينها نقاشات في البرلمان الأوروبي بشأن مواجهة التنظيمات والشبكات المرتبطة بالإسلام السياسي، إلى جانب إجراءات وتوجهات أميركية وفرنسية تستهدف الحد من نشاط بعض التنظيمات ومصادر تمويلها".

وأوضح أن نفوذ هذه التيارات لا يقتصر على النشاط السياسي المباشر، بل يمتد إلى مؤسسات ومراكز ثقافية داخل بعض الجاليات المسلمة في أوروبا، مستفيدة من قدراتها التنظيمية في التأثير على الخطاب السائد وتقديم نفسها باعتبارها ممثلا للإسلام داخل المجتمعات غير المسلمة، مشيرًا إلى أن هذا الحضور التنظيمي يثير تساؤلات بشأن قدرة التيارات الجهادية و"الإخوانية" على التأثير في قطاعات من الجاليات المسلمة، ومدى استغلالها المؤسسات الثقافية والاجتماعية لتعزيز انتشار أفكارها وتوسيع نطاق نفوذها.

كما طالب الباحث المختص في شؤون التطرف والدين بضرورة ملاحقة مصادر التمويل والشبكات المالية التي تدعم التنظيمات المرتبطة بالإسلام السياسي، وقال إن تتبع هذه المسارات يمثل أحد المحاور الأساسية في جهود الحدّ من قدرتها على التوسع واستثمار الأزمات الإقليمية.

وعليه، فالتحركات الغربية في هذا المجال تعكس، والحديث للمصدر ذاته، إدراكًا متزايدًا بأن التعامل مع هذه التنظيمات يتطلب مقاربة تتجاوز المواجهة الأمنية المباشرة، لتشمل تفكيك شبكاتها التنظيمية والمالية والحد من قدرتها على استغلال التحولات السياسية والأحداث الإقليمية.

(المشهد)