نظام بلا مرشد.. الحرس الثوري يحكم وإيران دولة عسكرية مقنّعة

شاركنا:
تحولات عميقة في بنية النظام الإيراني تسفر عن تهميش المرشد مقابل صعود "الحرس الثوري" (رويترز)
هايلايت
  • إيران تتجه نحو مزيد من عسكرة الحكم وتقود تغييرات بالسلطة.
  • يهدف "الحرس الثوري" إلى تفريغ "الولي الفقيه" من مضمونه ويصبح مجرد "رمز".
  • مراقبون: يواصل "الحرس" إدارة المرحلة الانتقالية بما يخدم مصالحه الإستراتيجية.

في ظل التحولات الطارئة على بنية السلطة بإيران، والتي كشفت عن تغلغل "الحرس الثوري" في مراكز الحكم، فإنّ منصب "الولي الفقيه" بدا هامشيًا وتتضاءل مساحته أو بالأحرى تخفّ حمولته السياسية والدينية المؤدلجة، للدرجة التي رجح معها مراقبون تحدثوا لـ"المشهد"، أن يضحى مجرد "رمز موقت" بلا فاعلية أو سلطة قرار.

الانتقال من "الثورة" للدولة

غير أنّ هذا التحول يؤشر إلى ما هو أبعد من مجرد توغل "الحرس" وهيمنته الكلية على مفاصل السلطة والحكم، حيث إنّ فشل النظام الإيراني منذ عام 1979 في الانتقال من "الثورة" إلى الدولة، سوف يتفاقم ويتضاعف، كما ستضيق فرص أن تضحى "الجمهورية الإسلامية" دولة طبيعية تتخلى عن مفاهيم "تصدير الثورة"، أو تعميم مفاهيمها السياسية والأيدولوجية على المستوى الإقليمي، من خلال شبكاتها الولائية.

فيما تشير المعطيات المتداولة إلى غموض عميق يطال الوضع الصحي للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، وسط تقديرات بتدهوره الحاد وعجزه عن ممارسة أيّ دور قيادي، بحسب المصادر ذاتها، ما يفتح المجال أمام "الحرس الثوري" لتعزيز قبضته على مفاصل السلطة.

من ثم، يبدو أنّ المؤسسة العسكرية تسعى نحو الإبقاء على هيكل النظام شكليًا، مع تحويل منصب المرشد إلى واجهة رمزية، مقابل احتكار القرارين السياسي والعسكري فعليًا.

كما يعكس هذا المسار نمطًا متكررًا في سلوك "الحرس" الذي دأب على توظيف الأزمات لتعظيم نفوذه، ما يعزز احتمالات انتقال إيران نحو نموذج حكم أكثر عسكرة، من دون التخلي الكامل عن الغطاء الأيديولوجي.

وقد كشف تقرير نشرته صحيفة "التايمز" البريطانية، استنادًا إلى مذكرة دبلوماسية واستخباراتية أميركية وإسرائيلية، أنّ المرشد الإيراني يواجه وضعًا صحيًا حرجًا ويتلقى العلاج في مدينة قم، ما يطرح تساؤلات حول قدرته على إدارة شؤون البلاد.

وأوضحت المذكرة أنّ المرشد الجديد "غير قادر على المشاركة في أيّ قرار داخل النظام"، ما يوضح محدودية دوره الفعلي في السلطة.

غياب خامنئي الابن

وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول المحلل السياسي الإيراني مهيم سرخوس، إنّ المعلومات تبدو غامضة ومتضاربة حول المرشد الجديد، في ظل غياب معلومات موثوقة تؤكد ما إذا كان في قم أو في موقع آخر، بينما تشير تقارير غير مؤكدة، إلى احتمال نقله إلى هرات الأفغانية، القريبة من مشهد.

لكنّ الأكثر ترجحًا هو غياب مجتبى خامنئي أو بالأحرى تغييبه، سواء كان ذلك طوعًا أو قسرًا، عن إدارة المشهد، وفق سرخوس. ويردف: "هناك غياب لمجتبى خامنئي يصل إلى حد العجز الكامل عن القيادة، وذلك يبدو واقعًا سواء تعاملنا مع الوضع بأنه نتيجة دخوله في غيبوبة أو انتقال السلطة عمليًا إلى "الحرس الثوري" الإيراني".

وبحسب المحلل السياسي الإيراني، فإنّ "الحرس الثوري" يتعاطى مع "الولي الفقيه"، راهنًا، في إطار "رمزيته" المحدودة، حيث إنّ الواقع يفيد بأنّ مراكز القوة الفعلية باتت متمركزة في يد قادة "الحرس"، خصوصًا مع تراجع احتمالات بروز شخصية دينية سياسية تمتلك الثقل ذاته الذي تمتع به كل من المرشد المؤسس الخميني، وكذلك خامنئي الأب.

وبناءً عليه، يبدو أنّ منصب المرشد الأعلى، حتى في حال استمراره، مرشح للتحول تدريجيًا إلى "موقع رمزي" محدود التأثير، مقابل صعود دور المؤسسات الأمنية والعسكرية في إدارة الدولة، كما يؤكد سرخوس، مشددًا على أنّ إيران تتجه نحو مزيد نحو نموذج حكم ذي "طابع عسكري غير مُعلن"، يحتكر فيه "الحرس" النفوذ الفعلي، فيما تتقلص صلاحيات كل من الرئيس والمرشد إلى أدوار شكلية.

وفي حال تمكن النظام من الصمود خلال المرحلة المقبلة، قد تترسخ هذه البنية، بما يعكس انتقالًا فعليًا من صيغة "القيادة الدينية" إلى "الإدارة الأمنية العسكريتارية".

مستقبل الحرس الثوري

وثمة ملامح تحرك مبكّر من قبل "الحرس الثوري" في هذا الاتجاه، كما يشير الباحث المختص في الشأن الإيراني هاني سليمان، وقد عمد إلى تمرير مجتبى خامنئي لمنصب المرشد الجديد.

ويقول سليمان لـ"المشهد": "تشير طبيعة العلاقة بين مجتبى خامنئي و"الحرس"، إلى إدراك داخل المؤسسة العسكرية بأنّ شخصيته وتكوينه يتيحان إمكانية التأثير عليه، بما يفتح المجال أمام "الحرس" للعب دور أكثر مركزية في إدارة المشهد السياسي. ويعزز هذا الطرح احتمال الإبقاء عليه في موقع المرشد، حتى في ظل وضع صحي متدهور، بما يحوّله إلى واجهة رمزية، مقابل صعود فعلي لـ"الحرس الثوري" بوصفه الفاعل الرئيسي في القرارين العسكري والسياسي".

ويأتي هذا التوجه في سياق سعي "الحرس الثوري" المحموم إلى إدارة المرحلة الانتقالية الراهنة بما يخدم مصالحه الإستراتيجية، سواء عبر الحفاظ على بنية النظام القائمة شكليًا، أو عبر إعادة توزيع مراكز القوة داخله. فبينما كان المرشد علي خامنئي يدير توازنًا نسبيًا بين مؤسسات الدولة، بما في ذلك المجلس الأعلى للأمن القومي و"الحرس"، تشير المعطيات الحالية إلى أنّ الأخير بات يمتلك فرصة غير مسبوقة لاحتكار القرار، مستفيدًا من الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وليس هذا المسار جديدًا على سلوك "الحرس الثوري"، الذي دأب تاريخيًا على توظيف الأزمات لتعزيز نفوذه، سواء خلال الحرب العراقية الإيرانية، أو في مرحلة إعادة الإعمار، أو بعد احتجاجات 2017، فضلًا عن استثماره العقوبات الدولية لتوسيع حضوره الاقتصادي والسيطرة على مفاصل حيوية في الدولة. المختلف اليوم هو أنّ المرحلة الراهنة تمثل فرصة إضافية لترسيخ هذا النفوذ، بما يشمل تهميش دور المرشد أو إعادة تعريفه كمرجعية دينية أكثر منه مركزًا للسلطة التنفيذية، بحسب سليمان.

في المقابل، تظل مسألة انتقال النظام الإيراني من "الثورة" إلى "الدولة"، معضلة بنيوية لم تًحسم منذ عام 1979. فالنظام، بطبيعته الأيديولوجية، يستمد جزءًا كبيرًا من شرعيته ونفوذه من فكرة "تصدير الثورة" والارتكاز إلى خطاب ديني سياسي مؤدلج، وهو ما يوفر له أدوات تأثير إقليمية لا يمكن تحقيقها ضمن إطار الدولة التقليدية/ الطبيعية والوطنية.

وعليه، فإنّ التخلي عن هذا الطابع الثوري لصالح نموذج الدولة الوطنية التقليدية، يظل خيارًا مُكلفًا للنظام.

تراجع نهائي لـ"الولي الفقيه"

يتفق والرأي ذاته مدير مركز "رصانة" الدولي للدراسات الإيرانية أحمد الميموني، والذي يقول لـ"المشهد" إنه في ظل الحرب الراهنة، يتصاعد حضور الجناح العسكري في بنية السلطة الإيرانية، مقابل تراجع الدور العقائدي إلى وظيفة محدودة تتركز في الحفاظ على التماسك الداخلي.

ذلك ما يتضح مع غياب الدور القيادي للمرشد، وفق الميموني. ويقول: "يبقى من المبكّر الجزم بتراجع نهائي لدور "ولاية الفقيه" في ظل ظروف الحرب، حيث تتراجع الاعتبارات السياسية والدينية لصالح أولوية المعركة. فمرحلة ما بعد النزاع مرشحة لإثارة تساؤلات داخل المؤسسة الدينية، خصوصًا في ظل الجدل المرتبط بشرعية التوريث وأزمة "الأعلمية" التي تحيط بشخص المرشد الحالي".

في المقابل، تشير المعطيات إلى أنّ "الحرس الثوري" يتجه لتعزيز نفوذه بوصفه القوة الأكثر تنظيمًا وقدرة على إدارة الأزمات، مستفيدًا من إرثه التاريخي في توظيف التحولات الكبرى، ومن دوره المتنامي أمنيًا واقتصاديًا، حسبما يوضح مدير مركز "رصانة" الدولي للدراسات الإيرانية.

ويختتم حديثه قائلًا: "على المستويين الإقليمي والدولي، تتحرك إيران ضمن توازنات معقدة بين الشرق والغرب، مستفيدة من دعم قوى كبرى لا تعارض سياساتها، ما يقلل من احتمالات كبح نفوذ "الحرس الثوري" في المدى المنظور. وبذلك، يتشكل مشهد ضبابي تتقدم فيه المؤسسة العسكرية إلى موقع الفاعل الرئيسي، بينما يتراجع دور المرشد إلى مستوى الواجهة، في إطار إدارة أزمة مفتوحة على احتمالات إعادة تشكيل بنية النظام". 

(المشهد)