استخدم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان "الإسلام السياسي" طوال الأعوام الماضية، لتحقيق مصالحه وأجنداته في المنطقة، وأقام علاقات مع جماعات عدّة رأى فيها حليفًا لتحقيق ما يطمح إليه، أبرز هذه الجماعات "الإخوان"، والمعارضة السورية، و"حماس"، حيث فتح أبواب بلاده لهم، وأقام لهم مكاتب على أراضي تركيا.
هذه السياسة التركية بدأت تتراجع تدريجيًا منذ عام 2021، حيث أدرك إردوغان حجم الخسائر التي تلقّاها من جرّاء سياسات لم تحقّق له مكاسب، وحاول جاهدًا إعادة العلاقات مع دول عدة في الشرق الأوسط.
ضمن هذا التحوّل، عمل إردوغان على إعادة الدفء للعلاقات مع إسرائيل، التي توترت بسبب استقبال أنقرة لقيادات حركة "حماس"، وتأييدها لهم، ومهاجمته إسرائيل في أغلب خطاباته، حيث تجمدت العلاقات بشكل كامل بسبب الغارة الإسرائيلية على سفينة تركية تحمل مساعدات إلى غزة، والتي أسفرت عن مقتل 10 مدنيين عام 2010.
العلاقة بين تركيا و"الإخوان" تختلف عن علاقة تركيا بحركة "حماس"، في وقت تظهر فيه الأخيرة مدافعة عن القضية الفلسطينيّة، ومن هذا المنطلق رأى إردوغان نفسه في مأزق بعد شنّ عملية "طوفان الأقصى"، إذ لم يستطع أن يتّخذ موقفًا واضحًا تجاه طرف.
موقف تركي غير واضح
بعد شنّ عملية "طوفان الأقصى" تركزت تصريحات أنقرة على الدعوة لوقف الحرب، في لهجة وُصفت بأنها "محايدة".
وعلى عكس هذا الموقف المحايد منذ بدء الهجوم، اليوم أعلن إردوغان أنه ألغى خططه لزيارة إسرائيل بسبب حربها "غير الإنسانية" ضدّ حركة "حماس" في غزّة، وقال إردوغان لنواب الحزب الحاكم في البرلمان، "كان لدينا مشروع للذّهاب إلى إسرائيل، لكنه ألغي، لن نذهب"، مضيفًا أنه يعتبر "حماس" محرّرين يقاتلون من أجل أرضهم.
سرعان ما أثار كلام إردوغان غضب إسرائيل، إذ كتب المتحدث باسم وزارة الخارجية ليؤور حياط على منصة التواصل الاجتماعي إكس "إسرائيل ترفض بشدة الكلمات القاسية للرئيس التركي بشأن منظمة "حماس" الإرهابية".
قد يبدو تصريح إردوغان جزءا من البروباغندا الإعلامية التي يتّبعها للترويج لنفسه كمدافع عن القضية الفلسطينيّة، خصوصًا بعد فشله في تقديم نفسه كوسيط، سواء لحلّ الأزمة، أو في تحرير الأسرى.
لكن في الوقت ذاته، لا تُعتبر هذه الخطوة على أنها موقف تركيّ واضح تجاه ما يحدث في غزّة، إذ كشف موقع "المونيتور" الأميركي قبل أيام، أن "إسماعيل هنيّة تمّ طرده بأدب بعد انتشار لقطات على وسائل التواصل الاجتماعي، تُظهره هو وأعضاء آخرون في "حماس"، يسجدون في "صلاة الشكر" أثناء مشاهدة أخبار التوغل على التلفزيون، غير راغبة في الظّهور وكأنها تحمي "حماس" بعد قيام الحركة بقتل مدنيّين إسرائيليّين".
لا يظهر موقف تركيّ واضح ممّا يحصل، على عكس الحروب السابقة التي حدثت في غزّة، في حين اتّخذ إردوغان حينها مواقف صارمة تجاه إسرائيل، وكان أشهر تصريح له في حرب 2014 عندما قال "يلعن الإسرائيليون هتلر ويشتمونه ليلًا ونهارًا بسبب الهولوكوست، ولكن اليوم، نجد أنّ دولة إسرائيل الإرهابية قد تجاوزت فظائع هتلر من خلال عمليّاتها بغزّة".
"حماس" فقدت الثقة بتركيا؟
كذلك كشف تقرير المونيتور الذي أعدّه الصحفي التركيّ فهيم تاشتكين، أنّ "الجماعات الفلسطينية، بما في ذلك "حماس"، غير راضية عن موقف تركيا، وتعتبر تصريحاتها غير كافية، ولم يستدعوا حتى السفير الإسرائيلي لدى وزارة الخارجية"، فيما أشارت مصادر تركية إلى أنّ أعضاء "حماس" المقيمين في أنقرة، لم يكونوا على علم بالعمليّة، ولم يتمّ إخبارهم عنها، ما فسّره البعض على أنه إشارة إلى حجم الفجوة اليوم في العلاقات بين تركيا و"حماس".
لكن يردّ المتخصص في الشؤون التركية فراس أوغلو في حديثه إلى منصّة "المشهد" على ذلك، قائلًا: "من الطبيعيّ أنّ عمليّة بهذا الشكل لن يعلم فيها أحد، إلّا الذين قاموا فيها، وليست تركيا فقط لم تكن تعلم فيها، بل حتّى بعض الفصائل الفلسطينية الأخرى، والدول العربية، وهذا طبيعيّ لإنجاح عملية بهذا الحجم، وأيّ إطار غير ذلك سيكون تسرّبًا للمعلومات".
بدورها، تشرح الصحفية التركية هدية ليفينت في تصريح خاص إلى منصّة "المشهد"، أنّ "تركيا لم تكن على علم بهجوم "حماس"، وقال خالد مشعل، إنهم لم يكونوا على علم بذلك أيضا، أعتقد أنّ هذا الوضع يدلّ على أنّ هناك مشكلة ثقة أو انعدام التواصل بين "حماس" وكتائب القسام".
وتعتقد ليفينت أنه "لا توجد مشكلة في العلاقات بين حكومة حزب العدالة والتنمية و"حماس"، لكنّ تركيا تعلم أنّ علاقاتها مع إسرائيل مهمّة للغاية، ولهذا السبب، من وقت لآخر، قد ترغب "حماس" في مغادرة قادتها تركيا، لكن هذا لا يعني أنّ تركيا تخلّت عنها".
العلاقات التركية – الإسرائيلية
طوال العقد الماضي هاجم إردوغان إسرائيل بشدّة، معتبرًا إيّاها "محتلًا ومغتصبًا" للأراضي الفلسطينيّة، وعلى الرغم من أنّ لهجته تراجعت تدريجيًا منذ عام 2021، إلّا أنّ ذلك ظهر بشكل واضح أثناء حملته الانتخابية، حيث لم يهاجم إسرائيل، على عكس الحملتَين في 2014 و2018.
في هذا السياق يبيّن أوغلو أنّ "العلاقات التركية – الإسرائيلية تحسنت كثيرًا، ومن غير المرجح أن تفرّط فيها أنقرة. وبالوقت نفسه، لا تريد تركيا أن تتصعّد الأمور في غزّة، إذا بقيت تركيا بذلك النهج، فعملية طوفان الأقصى لن تؤثر على علاقاتها مع تل أبيب".
فيما تشير ليفينت إلى أنه "حتى اليوم، حافظت تركيا على سياسة الباب المفتوح المتوازن بين إسرائيل وفلسطين. لكنّ تصريحات الرئيس إردوغان اليوم تُظهر أنّ تركيا تتجه نحو فلسطين وحتّى حماس".
وبرأي ليفينت "إذا كانت تركيا تريد أن تكون طرفًا فاعلًا أو وسيطًا في حلّ هذه المشكلة، فإنّ الخيار الأفضل هو اتّباع سياسة متوازنة ومنفتحة على كلا الجانبَين".
في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعانيها البلاد، فإنّ تركيا تحرص على التعاون مع إسرائيل في ملف الغاز في شرق البحر المتوسط، وسط مساعٍ لإنشاء خط غاز بين إسرائيل وتركيا يصل إلى أوروبا.
وساطة مصرية تركية قطرية ممكنة
تزامنا، أخذت مصر دور الوساطة في الصّراع بين الجانب الفلسطينيّ والإسرائيلي على مرّ الأعوام، وبالإضافة إلى موقعها الجغرافيّ المتحكّم بمعبر رفح المنفذ البريّ الوحيد لغزّة إلى الخارج، إلّا أنّ رفضها "الإخوان" جعل منها طرفًا مقبولًا أكثر من غيره بالنسبة لإسرائيل،
بعد التصعيد، سرعان ما طرح إردوغان رؤيته لحل الصراع قائلًا: "نحن في تركيا نريد أن نؤكد للجميع أننا جاهزون لأيّ نوع من الوساطة، بما في ذلك تبادل الأسرى، في حال طلبت الأطراف منّا ذلك".
وحول قدرة تركيا على الوساطة يشير أوغلو إلى أنّ "الدور التركيّ اليوم هو فقط مساند، ولا يمكن أن تكون تركيا وسيطًا فهذا صعب جدًا، لذلك يمكن لمصر أو قطر أن تقوم بدور الوساطة، خصوصًا أنّ الدوحة لديها علاقات قوية جدًا مع "حماس"، وتركيا بهذه الحالة من الأفضل أن تكون داعمة لإحدى الوساطات، حيث إنها لا تمتلك أوراق قوّة على أرض الواقع، وتنظر إلى الأمر على أنه طويل الأمد".
في المقابل، تبيّن ليفينت أنّ "تركيا تعتزم لعب دور رئيسيّ في هذه القضية، مثل القيام بدور الوسيط بين إسرائيل والفلسطينيّين، لكن هل ستقبل إسرائيل بذلك؟ فهل تريد إسرائيل أن تكون تركيا أو مصر أو قطر وسطاء؟، وقد اقترحت تركيا خريطة طريق مبنيّة على الضمانات، لكنها لا تستطيع تقديم حلّ لهذه المشكلة بمفردها، كما أنّ مصر وقطر لا تستطيعان توفيرها، ومع ذلك، اعتقد أنّ تركيا ومصر وقطر يمكنها إحراز تقدم بشأن الحل من خلال العمل معًا".
وتنهي ليفينت حديثها إلى "المشهد" قائلة، "لا يزال هذا الوضع غير واضح، لكنّ تصريحات الرئيس إردوغان الداعمة لـ"حماس" مهمّة للغاية، وإذا فسرت إسرائيل هذه التصريحات على أنها دعم تركي لـ"حماس"، فقد تتدهور العلاقات التركية - الإسرائيلية من جديد، وهي العلاقات التي لم تتعافَ بشكل كامل بعد، ومن الضروريّ الانتظار بضعة أيام أخرى لنرى ما ستفعله أنقرة".
(المشهد)