يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذا الأسبوع موجة غير مألوفة من الانتقادات داخل حركة "ماغا" التي أسسها بنفسه، مع تصاعد اعتراض قادة الحركة على تصريحات للرئيس حول الهجرة، بالتزامن مع توتر مرتبط بمطالبة الكونغرس بالكشف عن ملفات جيفري إبستين.
ويُظهر هذا التململ حدود سلطة ترامب داخل أجندة "أميركا أولاً"، ويثير مخاوف داخل الحزب الجمهوري بشأن مستوى الحماسة قبل انتخابات منتصف الولاية المرتقبة عام 2026، بحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست".
ترامب يثير غضب "ماغا"
فقد أثار ترامب غضب رموز "ماغا" بعدما قال إن الولايات المتحدة تحتاج إلى عمال أجانب لأنها لا تمتلك ما يكفي من "الأشخاص الموهوبين"، وهو تصريح رأى فيه قادة الحركة خروجاً عن القاعدة الشعبوية التي بُني عليها مشروع "أميركا أولاً".
وفي الوقت نفسه، مضى الكونغرس في الدفع نحو نشر ملفات الحكومة الخاصة بالمعتدي الجنسي جيفري إبستين، وهو مطلب قديم لدى اليمين، وذلك رغم اعتراض البيت الأبيض، ورغم محاولة الجمهوريين التقليل من أهمية رسائل إلكترونية نُشرت حديثاً لإبستين، تضمّنت إشارات إلى ترامب.
كما دخلت النائبة مارغوري تايلور غرين (جورجيا)، أبرز حلفاء ترامب، في سجالات معه على عدة جبهات، منتقدة تركيز البيت الأبيض على السياسة الخارجية، ومنددة بالمساعدات الأميركية الأخيرة للأرجنتين.
وتعكس هذه المواقف أن القاعدة الشعبية المؤيدة لترامب مستعدة لمواجهته في قضايا محددة، رغم تمسكها بزعامة الرجل. ويرى منتقدو ترامب أن هذه التوترات لن تقوّض دعمه جوهرياً، لكنها تكشف قيود سلطته على المشروع الذي لطالما قاده، وتدفع بعض الجمهوريين للتحذير من تأثير محتمل على المشاركة الانتخابية للناخبين الأقل حماسة، وهي الشريحة التي يراهن عليها الحزب عادة، خصوصاً في غياب ترامب عن ورقة الاقتراع.
وقال ستيف كورتيز، الإستراتيجي الجمهوري الذي يعارض ارتفاع أعداد العمال والطلاب الأجانب في الولايات المتحدة: "إذا شعر الناس بأنك لا تدافع عنهم في هذه القضايا الشعبوية القومية، فهناك مخاطرة حقيقية على انتخابات منتصف الولاية 2026".
وأضاف: "لا أعرف أحداً على اليمين غاضباً لدرجة القطيعة مع ترامب، لكننا محبطون… ونريد أن نرشده إلى الطريق الأفضل".
ترامب يتحدى الانتقادات
وقد ردّ ترامب بتحدٍ على الانتقادات، وقدم نفسه باعتباره الحكم الأخير لما تريده حركة "اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً". وقال لمذيعة "فوكس نيوز" لورا إنغراهام: "لا تنسوا، ماغا كانت فكرتي… أعرف ما تريده ماغا أكثر من أي شخص آخر". ثم وصف لاحقاً على وسائل التواصل الاجتماعي ما سماه "خدعة جيفري إبستين" بأنها محاولة ديمقراطية لصرف الانتباه، مضيفاً أن "أي جمهوري سيئ أو غبي فقط سيقع في هذا الفخ".
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أبيغيل جاكسون، إن ترامب أوفى بوعوده المتعلقة بتأمين الحدود و"إعطاء الأولوية للعمال الأميركيين"، مشيرةً إلى سياسات الرسوم الجمركية التي فرضها، وتشدده في برنامج تأشيرات H-1B عبر فرض رسوم تبلغ 100 ألف دولار وفتح تحقيقات في حالات "إساءة استخدام" البرنامج.
لكن داخل الحزب الجمهوري، يتصرف الجناح الشعبوي بثقة أكبر، ويحاول توجيه ترامب بدل الاكتفاء باتباعه.
وجاءت شرارة الغضب الأخيرة خلال مقابلة ترامب مع إنغراهام، إذ ضغطت عليه لتوضيح موقفه من تقليص تأشيرات H-1B. وعندما قالت إن خفض أعداد العمال الأجانب يرفع أجور الأميركيين، ردّ ترامب قائلاً: "علينا أيضاً أن نجلب المواهب".
وأصرت إنغراهام قائلة: "لدينا الكثير من الأشخاص الموهوبين هنا". فكان رد ترامب المباشر: "لا، ليس لديكم… لا، ليس لديكم". وواصل الإصرار على أن بعض الوظائف المتخصصة يصعب ملؤها بأميركيين "يفتقرون للخبرة".
خيبة أمل نشطاء ترامب
وكانت ردة الفعل الجمهورية غير مسبوقة. فقال الإعلامي المحافظ إيريك إريكسون إن هذه "أول مرة يرى فيها هذا الكم من أنصار ترامب غاضبين منه". وأضاف: "القول إننا لا نملك مواهب في أميركا لا يبدو أميركا أولاً… الرئيس أصبح اليوم بطة عرجاء، وكلما أدلى بمثل هذه التصريحات ازدادت الانقسامات".
كما وجه مؤثرو "ماغا" انتقادات مباشرة لترامب. وكتب المدوّن تيم بول ساخراً: "لا تقلقوا، ترامب يجلب المزيد من تأشيرات H1B لكي يضمن أن شبابنا… انتهى أمرهم". وقالت الناشطة اليمينية لورا لوومر إن قاعدة "ماغا" "لديها كل الحق في الشعور بخيبة الأمل"، مشددة على أن "الوعود يجب أن تُنفذ".
ويرى شون لوغ، الرئيس السابق للحزب الجمهوري في إحدى مقاطعات ولاية بنسلفانيا، أن "الجناح الشعبوي موجود دائماً… وترامب قاده إلى مستويات لا يمكن تخيلها". وأضاف: "ماغا لن تتخلى عن ترامب، لكن… الحركة باتت أكبر منه الآن".
وركّز بعض الجمهوريين غضبهم على المحيطين بترامب. وخص ستيف بانون، مستشار ترامب السابق وأحد أبرز أصوات ماغا، وزيري الخزانة والأمن الداخلي بالانتقاد، متهماً "الأوليغارشيين" و"أصحاب شركات التكنولوجيا" بدفع سياسة الانفتاح على العمالة الأجنبية. وقال استراتيجي جمهوري آخر: "سينتهي هذا الجدل الأسبوع المقبل… دائماً هناك قصة جديدة في عهد ترامب".
ملف إبستين يظلّ الأكثر حساسية للبيت الأبيض. فقد عاد الموضوع إلى الواجهة مؤخراً بعد نشر رسائل إلكترونية قديمة لإبستين، إحداها تزعم أن ترامب كان يعلم بانتهاكاته لكنه لم يشارك فيها. وينفي ترامب أي علم أو تورط، مؤكداً أنه قطع علاقته بإبستين في منتصف العقد الأول من القرن الحالي.
في الكونغرس، يتقدم نقاش توسيع نشر "ملفات إبستين"، وهي مجموعة وثائق حكومية يطالب الجمهوريون بكشفها بالكامل، ولا سيما بعد إعلان وزارة العدل عدم العثور على "قائمة زبائن" مزعومة — ما أثار غضب اليمين. وقد وقع أربعة نواب جمهوريين، بينهم غرين، على التماس يجبر المجلس على التصويت الأسبوع المقبل.
وكتبت غرين على منصة "إكس": "أنا أميركا أولاً… وأميركا فقط". فردّ ترامب قائلاً إنها "تغازل الجانب الآخر". وأضاف: "إنها امرأة لطيفة، لكن لا أعرف ما الذي حدث… لقد ضلّت الطريق".
(ترجمات)