دخلت العلاقات السورية الروسية رسمياً مرحلة جديدة في أغسطس، عندما اتفق الحليفان المقربان سابقا على إعادة تنظيم الوجود العسكري الروسي في موقعين رئيسيين على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وبدأت بوادر هذا الترتيب الجديد بالظهور في غضون أيام، وفق صحيفة "المونيتور".
في 11 أغسطس، بدأت السلطات السورية باستقبال شحنات من القمح والأسمنت في رصيف تجاري كان يستخدمه سابقاً القوات الروسية، بينما شوهد أفراد روس ينقلون معدات من الرصيف، بحسب ما أفادت به وكالة رويترز.
كان من الصعب تجاهل رمزية هذا التطور في ظل مساعي الرئيس أحمد الشرع الأوسع نطاقاً لطي صفحة سنوات المعاناة التي خلفتها الحرب في سوريا، من خلال توجيه البلاد نحو التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار.
بموجب الاتفاق، الذي تم التوصل إليه على مدى 18 شهرا من المفاوضات، تستعيد سوريا السيطرة على المنشآت المدنية في طرطوس وحميميم، بينما من المقرر أن تصبح الأقسام العسكرية مراكز تدريب مشتركة في غضون 3 أشهر.
تحركات روسية لتعزيز النفوذ في سوريا
ومع ذلك، لا يمثل الاتفاق انسحابا روسيا كاملاً. فمن المتوقع أن تحتفظ موسكو بوجود عسكري، وقد قدمت روسيا الاتفاق علناً كخطوة نحو تعزيز التعاون الثنائي في المجال العسكري. وقد تزامن ذلك مع تفسيرات متضاربة لأهمية هذا الاتفاق.
في 13 أغسطس، نقلت وكالة "بلومبيرغ" عن مصدر روسي لم تسمّه قوله إن موسكو ترى في هذه الخطوة ضماناً لموطئ قدم دائم، بما في ذلك الوصول إلى مناطق مفيدة لعملياتها في إفريقيا. في المقابل، وصف آخرون هذا التطور بأنه ضربة إستراتيجية لروسيا.
ووفقا لخبراء في الشأن السوري، فإن الواقع على الأرجح يقع بين هذين التفسيرين.
وقالت الخبيرة في الشأن السوري نانار حواش: "تُجسّد المذكرة ما كان يحدث بالفعل على أرض الواقع. لقد تلقّت روسيا ضربة قوية بسقوط الأسد في ديسمبر 2024، ومنذ ذلك الحين، انخفض وجودها إلى الحد الذي ترغب دمشق في استضافته".
يُضفي هذا الاتفاق الجديد طابعا رسميا على علاقة كانت تتقلص وتتغير منذ تولي الحكومة الانتقالية الحالية زمام الأمور في عام 2025، إلا أن الاتفاق لا يزال يُبقي الباب مفتوحاً أمام استمرار العلاقات والنفوذ.
الأهم من ذلك، أن روسيا لا تزال تلعب دورًا اقتصاديًا هامًا في سوريا، التي لا تزال تعتمد على واردات النفط والقمح الروسيين، وهي روابط قد تثير تدقيق الولايات المتحدة، التي تعمل حاليًا على إزالة سوريا من قائمتها للدول الراعية للإرهاب، والتي ظلت مدرجة عليها لعقود.
لطالما كانت قاعدة طرطوس البحرية الروسية الرئيسية في البحر الأبيض المتوسط، بينما كانت قاعدة حميميم محورية لعملياتها الجوية الإقليمية وروابطها اللوجستية.
يحذر كبير المحللين في وكالة أبحاث الدفاع السويدية آرون لوند، من استخلاص استنتاجات قاطعة قبل انتهاء الفترة الانتقالية التي تمتد لـ3 أشهر.
قال لوند: "إذا تمكنوا من استخدام القواعد لأغراضهم الخاصة، وخصوصا للدعم اللوجستي البحري والجوي، فسيكون ذلك مكسبًا، لأنهم كانوا يواجهون خطر فقدان القواعد بالكامل بعد سقوط الأسد". وأضاف، مع ذلك، أنه حتى لو احتفظت موسكو ببعض حرية المناورة، "فمن الواضح أنها ستكون مقيدة أكثر مما كانت عليه في عهد الأسد".
موازنة دقيقة
بدأت سوريا بالفعل تُشير إلى استعدادها لخفض اعتمادها على واردات النفط الروسية. فقد أفادت رويترز في 4 أغسطس أن مسؤولين سوريين أبلغوا واشنطن أنهم مستعدون لإجراء خفض كبير في إطار المناقشات حول رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
ستكون هذه الخطوة صعبة على دمشق. يهيمن النفط الخام الروسي حاليًا على السوق السورية، ويعود ذلك جزئيًا إلى ندرة البدائل نتيجة للعقوبات. إلا أن دمشق تسعى جاهدة لتغيير هذا الوضع، وتسعى بنشاط إلى استقطاب شركات النفط الأمريكية الكبرى في إطار جهودها لإحياء إنتاجها المحلي من الطاقة.
ومع ذلك، يعكس هذا التوازن أيضًا ترتيبات القواعد العسكرية. ويبدو أن حكومة شرع عازمة على الاستفادة من موسكو مع تقليل الاعتماد عليها. ويمكن أن يكون الاحتفاظ ببعض الأدوار العسكرية والاقتصادية الروسية بمثابة ورقة ضغط مفيدة في سياسة خارجية مبنية على تعدد الشركاء.
أما بالنسبة لموسكو، فيكمن التحدي في تحويل موقعها المتضائل إلى وجود مستدام. لم يعد بإمكان الكرملين الاعتماد على امتيازات عهد الأسد. بل يجب عليه التنافس على العقود، والحفاظ على علاقات الإمداد، وإثبات أن وجوده العسكري والاقتصادي يوفر شيئًا لا تستطيع دمشق استبداله بسهولة.
ويلخص تقييم حواش المسار المحتمل: "من المرجح أن تتعامل دمشق مع دور [روسيا] كجسر، وتقلصه كلما ظهر بديل".
(ترجمات)
