لهذه الأسباب لبنان لم يشمله اتفاق الهدنة بين أميركا وإيران

شاركنا:
الجيش الإسرائيلي يعلن تنفيذ واحدة من أوسع ضرباته الجوية على لبنان (رويترز)
هايلايت
  • مستشار أمني باكستاني: غياب إسرائيل عن طاولة المفاوضات يطرح شكوكًا جدّية حول مدى التزامها به.
  • مكرم رباح: الإسرائيلي لا يبدّي مصلحته على مصلحة أحد.

يمثّل إعلان وقف إطلاق نار لمدّة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران نقطة تحوّل حاسمة في صراع توسّع بسرعة في أنحاء الشرق الأوسط. وقد تمّ التوصّل إلى هذا الاتفاق بوساطة باكستانية، ويهدف إلى وقف الأعمال العدائية وفتح مسار نحو تسوية دبلوماسية أوسع.

وبينما انصبّ الاهتمام العالمي على خفض التصعيد الفوري بين واشنطن وطهران، فإنّ التداعيات على لبنان عميقة. فباعتباره ساحة مواجهة متقدّمة في هذا الصراع، يجد لبنان نفسه اليوم خارج هذه المعادلة. وسط تكثيف غير مسبوق للغارات الإسرائيلية على مختلف المناطق اللبنانية.

بحيث أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ واحدة من أوسع حملاته الجوية منذ اندلاع الحرب، مستهدفاً نحو 100 موقع وبنية تحتية عسكرية تابعة لـ"حزب الله" في بيروت والبقاع وجنوب لبنان، وذلك بعد تأكيد تل أبيب أن التهدئة الأميركية–الإيرانية لا تنطبق على الساحة اللبنانية، ما يكرّس واقعاً ميدانياً منفصلاً عن المسار الدبلوماسي، ويضع لبنان مجدداً في قلب التصعيد الإقليمي.

لبنان خارج اتفاق وقف إطلاق النار بين أميركا وإيران

يمثّل اتفاق وقف إطلاق النار توقّفًا مؤقّتًا لكنّه هامّ في حرب كانت مهدّدة بالتحوّل إلى مواجهة إقليمية وربّما عالمية شاملة. وقد تمّ التوصّل إلى الاتفاق قبل ساعات فقط من تصعيد محتمل مع اقتراب انتهاء المهلة التي سبق وحدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويستند إلى تنازلات متبادلة: وافقت واشنطن وحتى تل أبيب على تعليق الضربات العسكرية المخطّط لها ضدّ إيران، في حين تعهّدت الأخيرة بإعادة فتح مضيق هرمز.

في خطوة غير متوقعة أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن لبنان ليس جزءاً من اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين واشنطن وطهران، بدا واضحاً أن الساحة اللبنانية تُستثنى من مسار التهدئة الإقليمي، في وقت سارعت فيه إيران إلى نفي هذا الطرح، مؤكدة أن أي خرق للهدنة "لن يمر من دون عقاب".

وبحسب المعلومات، أرجع ترامب استبعاد لبنان إلى دور "حزب الله"، مشيراً إلى أن هذا الملف "سيُعالَج لاحقاً"، ومشدداً في الوقت نفسه على أن طهران تدرك أن لبنان خارج إطار الاتفاق.

في المقابل، تحدث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن "خروقات" إسرائيلية للهدنة، خلال اتصال مع قائد الجيش الباكستاني قاسم منير، الذي اضطلعت بلاده بدور الوسيط في التوصل إلى الاتفاق الهش. ووفق بيان رسمي، تناول الاتصال ما وصفته طهران بـ"انتهاكات إسرائيلية" في كل من لبنان وإيران، في إشارة إلى ترابط الجبهات رغم محاولات الفصل السياسي بينها.

قراءة باكستانية لوقف إطلاق النار وشموله لبنان

في هذا الإطار، يقدّم الخبير الأمني الباكستاني عامر حيات خان قراءة حذرة لطبيعة اتفاق وقف إطلاق النار، معتبرًا في حديث خاصّ مع "المشهد" أنّ "الاتفاق نتاج مفاوضات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران بمشاركة تسهيلية من باكستان، من دون انخراط مباشر من إسرائيل". وبحسب تقديره، فإنّ الفهم العام لهذه التفاهمات كان يفترض أن يشمل وقف إطلاق النار جميع ساحات التوتّر، بما فيها لبنان، إلّا أنّ غياب إسرائيل عن طاولة المفاوضات يطرح شكوكًا جدّية حول مدى التزامها به. ويشير إلى أنّ الظروف التي أُعلن فيها الاتفاق كانت شديدة التوتّر، ما جعله أقرب إلى تفاهم مؤقّت يهدف إلى احتواء التصعيد أكثر من كونه تسوية شاملة.

ويرى خان أنّ إسرائيل قد تختار عدم الالتزام الكامل ببنود التهدئة، خصوصًا في الساحة اللبنانية، مع احتمال استمرار عملياتها بشكل منفصل عن المسار الأميركي-الإيراني. كما يحذّر من هشاشة الاتفاق، إذ يمكن لأي حادث عسكري أو استهداف، سواء لأهداف عسكرية أو مدنية، أن يؤدّي إلى انهياره في أي لحظة.

في المقابل، يؤكّد أنّ موقف باكستان يتمثّل في الدفع نحو تعميم وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، بما يشمل أيضًا العراق، مع الاستمرار في التواصل مع الأطراف المعنية، والسعي للضغط عبر القنوات الدبلوماسية، خصوصا من خلال الولايات المتحدة، من أجل توسيع نطاق التهدئة لتشمل لبنان.

إستراتيجية إيران وكلفة لبنان

على المقلب الثاني، اعتبر الدكتور مكرم رباح في حديثه لـ"المشهد" أنّ "إيران لم تُبدِ يومًا اهتمامًا فعليًا بأذرعها في المنطقة، بل تتعامل معها كأدوات قابلة للتضحية في سبيل حماية النظام وبقاء الحرس الثوري الإيراني". وأكد أنّ هذه الأذرع وُجدت أساسًا لتُستخدم في المواجهات نيابةً عن طهران، حتى لو كان الثمن تدميرها. ويستشهد بحالات مثل قطاع غزة وسوريا ولبنان، حيث تحمّلت هذه الساحات كلفة الصراعات الإقليمية. وبحسب رأيه، فإنّ مفاهيم الأمن القومي أو الأهداف الإستراتيجية تبقى ثانوية أمام أولوية بقاء النظام، حتى لو أدّى ذلك إلى خسائر بشرية ومادّية كبيرة.

ويضيف رباح أنّ أي اتفاق لوقف إطلاق النار من غير المرجّح أن يشمل لبنان، وهو "ما دلّت عليه الهجمات والضربات الأخيرة"، نظرًا لخصوصية العلاقة بين إسرائيل ولبنان، خصوصًا مع التلاصق الجغرافي واعتبارات الأمن المباشر. ويرى أنّ إسرائيل حصلت مسبقًا على ضوء أخضر لمواصلة عملياتها داخل لبنان. فقال: "الإسرائيلي لا يبدّي مصلحته على مصلحة أحد، ممّا يعني أنّه ما من هناك أي ضغط عليه لوقف العمليات في لبنان، داخليًا، يحذّر من أنّ "حزب الله" يتصرّف بشكل متزايد خارج إطار الدولة، ما قد يؤدّي إلى ردود فعل شعبية مع تصاعد الدمار، خصوصا في بيروت".

من هنا، يوفّر وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لحظة من التفاؤل الحذر، إلّا أنّ تداعياته على لبنان و"حزب الله" لا تزال غير مؤكّدة.

(المشهد - بيروت)