انتهت "أسطورة علي الطاهر"، أحد أكبر المراكز العسكرية التابعة لـ"حزب الله" جنوب لبنان، وفق مزاعم إسرائيلية، مع تفجير 1,100 طن من المواد المتفجرة زرعها الجيش الإسرائيلي داخل الأنفاق عقب سيطرته العملياتية عليها.
غطّت هذه التفجيرات الضخمة سماء جنوب لبنان بسحابة كثيفة من الدخان والغبار، فيما دوّت أصداؤها في باطن الأرض وهزّت المنطقة بقوة. وأظهرت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان اهتزاز عدد من المنازل في القرى المجاورة لمنطقة علي الطاهر.
ورصدت مراكز المسح الجيولوجي، زلزالا بقوة 4.1 درجات على مقياس ريختر. كما نقلت صحيفة "معاريف" عن المعهد الجيولوجي الإسرائيلي تأكيده تسجيل حدث زلزالي ناتج عن انفجار ضخم تحت الأرض.
وفي لبنان، أفاد "المركز الوطني للجيوفيزياء" التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية، بأن موجات أرضية، سُجلت الساعة 21:08 مساء على كل محطات المركز، وهي ناتجة عن التفجير الذي قام به الاحتلال الإسرائيلي في منطقة علي الطاهر، والذي يمكن تشبيهه بهزة أرضية قوتها 4.2 درجات على مقياس ريختر.
ووفق الجيش الإسرائيلي، تم تدمير بنية تحتية تابعة لـ"حزب الله" تجاوز طولها كيلومترين، عُثر داخلها على عشرات الصواريخ وقذائفها وطائرات مسيّرة إيرانية الصنع، بالإضافة إلى رشاشات وعشرات الصواريخ المضادة للدبابات ومئات الألغام والعبوات الناسفة.
هزات من التفجيرات الإسرائيلية
هذا المشهد ليس الأول من نوعه في جنوب لبنان، حيث نفذ الجيش الإسرائيلي عشرات التفجيرات التي أدت لحدوث هزات أرضية.
وتحدث الباحث في الجيولوجيا وعلم الزلازل طوني نمر، لمنصة "المشهد" عن أبرز التفجيرات الإسرائيلية التي أدت إلى تسجيل هزات، مشيرًا إلى التفجيرات وقعت في العديسة، ومجدل زون، والقنطرة، وقلعة شقيف، إضافة إلى التفجير الأخير في منطقة علي الطاهر.
في يونيو 2026، أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير نفق تحت الأرض تابع لـ"حزب الله" في بلدة مجدل زون، أدى لحدوث موجات زلزالية.
وفي يوليو 2026، فجّر الجيش الإسرائيلي شبكة أنفاق لـ"حزب الله" أسفل منطقة قلعة الشقيف في جنوب لبنان، باستخدام نحو 700 طن من المواد المتفجرة، ما أدى إلى موجات أرضية "يمكن تشبيهه بهزة أرضيّة قوتها 3.8 درجات على مقياس ريختر"، وفق المركز الجيوفيزياء في لبنان.
في أبريل 2026، نفّذ الجيش الإسرائيلي بواسطة أكثر من 450 طنًا من المتفجرات تفجيراً ضخماً في بلدة القنطرة أدى إلى حصول ارتجاجات أرضية في عدد من قرى الجنوب.
في أكتوبر 2024، أدى استخدام 400 طن من المتفجرات لتدمير منشأة تحت أرضية لـ"حزب الله" في بلدتي دير سريان والعديسة إلى ارتجاجات أرضية شعر بها سكان البلدات المجاورة على جانبي الحدود.
إنذار بزلازل لاحقة؟
أثارت هذه التفجيرات في باطن الأرض مخاوف من حدوث زلازل أو هزات بأوقات لاحقة في لبنان، خصوصا أنها قريبة من أحد الفوالق الزلزالية الناشطة في البلاد، فالق روم.
فالق روم يعد أحد أبرز الفوالق النشطة جيولوجياً المتفرعة من منظومة فالق البحر الميت التحويلي، وتشير الدراسات إلى أنه كان مسؤولاً عن الزلزال المدمر الذي ضرب المنطقة عام 1837، وبلغت قوته نحو 7.1 درجات على مقياس ريختر، مخلفا دماراً واسعاً في مناطق جنوب لبنان وإسرائيل.
وأوضح نمر أن التفجير الذي وقع في قلعة الشقيف قد يكون من بين الأعنف، لافتًا إلى أن الهزة الناتجة عنه شعر بها الناس على نطاق أوسع.
وأشار إلى أن التفجير الذي حصل في قلعة الشقيف كان قريبًا جدًا من فالق الروم، إذ بلغت المسافة بين موقع التفجير والفالق أقل من 100 متر، بينما كان التفجير في علي الطاهر أبعد قليلًا عن الفالق.
في المقابل، وصف الخبير الجيولوجي عطا إلياس لـ"المشهد" التفجيرات بـ"القوية جدا"، مشيرا إلى أن مراصد زلزالية عالمية أعلنت تسجيل هزات تجاوزت قوتها 4 درجات، وربطت حدوثها بالتفجيرات.
وكشف أن المركز الأورومتوسطي لرصد الزلازل سجّل عقب تفجير علي الطاهر هزة بقوة 4.1 درجات.
وأوضح أن الخطر لا يقتصر على الفوالق الزلزالية الرئيسية، لأن توجد فوالق أصغر محيطة به، وهي أيضا قد تتحرك.
وأكد نمر أن التفجيرات يمكن أن تؤثر على الفوالق الزلزالية، موضحًا أن "أخطر وقت هو لحظة التفجير"، إذ تتغير الضغوط داخل الأرض في تلك اللحظة بشكل مفاجئ وقوي جدًا.
وأضاف أن الخطر يتراجع كلما ابتعدنا زمنيًا عن لحظة التفجير، ولذلك تكون الخطورة الأكبر في لحظة حدوث الانفجار نفسها.
وشرح نمر أن الفالق يكون خاضعًا أصلًا لضغوط، وعندما يحدث انفجار في منطقة قريبة جدًا منه، يمكن أن تتغير هذه الضغوط، ما قد يؤثر في سلوك الفالق.
تفجيرات غير مسبوقة
وأوضح نمر أن الهزات التي يشعر بها الناس مباشرة بعد التفجير تكون ناتجة عن الانفجار نفسه، وليست هزات أرضية طبيعية، بل موجات زلزالية ناجمة عن قوة الانفجار.
ولفت إلى أن احتمال حدوث ارتداد زلزالي لا يختفي بشكل كامل، لكنه يتراجع مع مرور الوقت.
من جانبه، وشرح إلياس أنه "إذا أخذنا في الاعتبار الفترة الزمنية الممتدة على مدى الأشهر الماضية، وعدد التفجيرات التي حصلت خلالها، فنحن نتحدث عملياً عن طاقة زلزالية تعادل تقريباً هزة بقوة 4 درجات مع كل تفجير، وبفواصل زمنية قصيرة نسبياً".
وأكد أن "هذه وتيرة زلزالية غير اعتيادية بالنسبة إلى لبنان، فنحن لا نشهد عادةً هزات بهذه الكثافة والتكرار".
وتابع إلياس أن "الأهم أن هذه الأحداث تحصل ضمن منطقة جغرافية محددة جداً، وفي الوقت نفسه منطقة ذات أهمية جيولوجية كبيرة، تقع بالقرب من حدود الصفائح التكتونية، وتحديداً في منطقة فالق اليمونة، وهو كسر جيولوجي كبير في سطح الأرض".
وأشار إلى أن حتى الهزات الصغيرة الناتجة عن التفجيرات الإسرائيلية لها تأثير على أساسات المنازل والطبيعة المحيطة بها.
لا توجد بيانات رسمية عن توزع أنفاق "حزب الله" في لبنان، لكن وفق مطلعين، فالأنفاق تتركز داخل الجبال في جنوب لبنان، أهمها كان علي الطاهر والشقيف.
وبشأن حفر الأنفاق في الجبال وتحت الأرض، ومدى إمكانية تأثيرها على الفوالق الزلزالية، دعا نمر إلى تنفيذ عمليات الحفر وفق أسس علمية وهندسية مدروسة، مع إجراء دراسة جيولوجية مسبقة للموقع وتحديد المناطق التي يمكن الحفر فيها وتلك التي ينبغي تجنب الاقتراب منها.
وأكد أن الحفر بحد ذاته لا يعني بالضرورة أنه سيؤثر على الفوالق، لكن يجب أن يتم بطريقة مدروسة، مشددًا على أنه لا يمكن تنفيذ أعمال حفر تحت الأرض من دون أخذ موقع الفوالق في الاعتبار، سواء كانت قريبة من موقع الحفر أو بعيدة عنه.
وشدد على ضرورة دراسة طبيعة الأرض والجيولوجيا المحيطة بأي مشروع حفر، لمعرفة ما يمكن أن يؤثر في الفوالق وما لا يمكن أن يؤثر فيها.
(المشهد - لبنان)
