أعادت القوات الإسرائيلية انتشارها في بلدة طوباس شمال شرقي الضفة الغربية وقرية العقبة المجاورة، بعد انسحاب لم يدم سوى ساعات، في مشهد يعكس استمرار التصعيد الأمني في المنطقة.
وقد رافق هذا الانتشار فرض إغلاق شامل وحظر تجول إلى جانب السيطرة على منازل داخل المدينة، فيما أظهرت مشاهد مصورة تحليق مروحيات عسكرية إسرائيلية فوق الحقول الزراعية ودخول آليات مدرعة إلى شوارع البلدة، الأمر الذي يضع طوباس مجددا في قلب المواجهة.
وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية، فإن هذه العملية تأتي كامتداد طبيعي لعملية "الأسوار الحديدية" التي أطلقتها إسرائيل في شمال الضفة الغربية، بهدف فرض سيطرة أمنية وسياسية شاملة على المنطقة.
وتكتسب طوباس أهمية إستراتيجية مضاعفة كونها تُعد بوابة الأغوار، وهي المنطقة التي تسعى إسرائيل إلى حسم مصيرها في أي ترتيبات مستقبلية، ما يجعل إعادة الانتشار العسكري هناك رسالة واضحة بأن السيطرة على هذه الجغرافيا ليست مجرد إجراء أمني مؤقت، بل جزء من مشروع أوسع لإعادة رسم ملامح النفوذ الإسرائيلي في الضفة.
هندسة الديموغرافيا
ومن هنا، أكد الخبير العسكري والإستراتيجي نضال أبو زيد أن العملية العسكرية الإسرائيلية على طوباس والتي أطلق عليها اسم "الأحجار الخمسة"، لم يكن اختيار اسمها اعتباطيا بل ارتبط بالقرى الـ5 المحيطة بالمدينة: طوباس، الفارعة، طمون، تياسير والعقبة.
وتشكل هذه القرى محورا رئيسيا في الاستهداف الإسرائيلي لما لها من أهمية جغرافية وديموغرافية.
وفي حديثه لمنصة "المشهد"، أوضح أبو زيد أن طوباس تقع فوق حوض مائي ضخم يغذي الضفة الغربية والأغوار، ما يعكس أطماع إسرائيل في السيطرة على الموارد المائية الحيوية وربط ذلك بمشروع "الهندسة الديموغرافية".
وأضاف أنه بعد أن أنجزت إسرائيل مراحل واسعة من "هندسة الجغرافيا" عبر الضمّ المباشر لمناطق عديدة في الضفة، انتقلت الآن إلى سياسة "الضم الجزئي أو بالقطعة" وهو ما يتوافق مع تفاهمات أميركية إسرائيلية، حيث ترى واشنطن أن الضم التدريجي أكثر قابلية للتسويق إعلاميا وأيسر تمريرا أمام المجتمع الدولي مقارنة بالضم الشامل دفعة واحدة.
وأشار أبو زيد إلى أن عملية طوباس لا يمكن فصلها عن السياق العام في الضفة الغربية، حيث نفذتها وحدات عسكرية من المنطقة الوسطى بقيادة جنرال إسرائيلي، بمشاركة 3 ألوية وهي لواء الضفة الغربية، لواء الكوماندوز إلى جانب وحدات أخرى.
وقال الخبير العسكري والإستراتيجي:
- عادة ما تتولى الشرطة الخاصة مثل وحدة "اليمام" العمليات في بقية المناطق، ما يعكس اتجاها متصاعدا نحو عسكرة الضفة الغربية.
- طوباس لن تكون المحطة الأخيرة، بل بداية لتوسيع العمليات العسكرية في مناطق أخرى.
- إسرائيل استخدمت لأول مرة طائرات "الأباتشي" في هذه العملية.
- نفذت إنزالا جويا لقوات المشاة في محيط المدينة وهو تطور نوعي في أسلوب العمليات.
وأكد أبوزيد أن هذه التحركات تأتي في إطار "هندسة الديموغرافيا"، مدعومة بتقارير حقوقية بينها تقرير "هيومن رايتس ووتش" الذي وثق تهجير نحو 32 ألف فلسطيني من مخيمات طولكرم وجنين وطوباس، ما يعكس بداية مرحلة جديدة من فرض واقع سكاني وجغرافي جديد.
ضم المنطقة "ج"
وفيما يتعلق بالسياسة الإسرائيلية، شدد أبو زيد على أن الهدف النهائي هو استكمال ضم المنطقة "ج" التي تشكل 61% من مساحة الضفة الغربية، بما يتيح لإسرائيل فرض أمر واقع يكرس وجوده ويحول الفلسطينيين إلى كانتونات محصورة في مناطق "أ" و"ب".
أما عن البعد الإقليمي، فقد أشار إلى أن طوباس لا تبعد سوى 18 كلم عن الحدود الأردنية، وأن السيطرة على هذه المنطقة تنعكس مباشرة على الأردن سواء عبر الضغط السياسي أو عبر رسائل إعلامية تحمل طابع التحرش.
وأضاف أن السيطرة على مناطق قريبة من الحدود هو جزء من إستراتيجية أوسع تستهدف التأثير على الأردن.
وفي سياق الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، ذكر أبو زيد بما خرجت به لجنة "ترجمان" عام 2024 بقيادة الجنرال سامي ترجمان، من دروس مستخلصة بعد أحداث 7 أكتوبر، والتي أوصت بنقل المعركة إلى "أرض الخصم" عبر إنشاء "مناطق عاجلة".
وأوضح أن هذا المفهوم يُطبق حاليا في الضفة الغربية، كما في جنوب سوريا وغربها، إضافة إلى قطاع غزة، ما يعكس تحولا في العقيدة القتالية الإسرائيلية نحو تكتيك "المناطق العاجلة" وهو ما ينعكس أيضا على الأردن من خلال السيطرة على شريط حدودي يمتد لنحو 67 كلم بين الضفة والأردن.
إلغاء اتفاق أوسلو
بدوره، اعتبر مدير مركز ثبات للبحوث والدراسات جهاد حرب أن الحكومة الإسرائيلية من خلال عملياتها العسكرية المتصاعدة في شمال الضفة الغربية تسعى إلى فرض واقع جديد يهدف عمليا إلى إلغاء الجزء المتعلق باتفاق أوسلو بوجود سلطة فلسطينية فاعلة في المدن الكبرى ومراكز المحافظات.
هذا التوجه، بحسب حرب، يضرب في جوهره الطموح السياسي للسلطة الفلسطينية نحو التحول إلى دولة مستقلة ويعيد الفلسطينيين إلى مرحلة ما قبل عام 1994، حين كان الجيش الإسرائيلي حاضرا بشكل دائم في شوارع المدن والمخيمات، كما يحدث اليوم في جنين وطولكرم وغيرها.
وأضاف في تصريحات لمنصة "المشهد" أن ما يجري في طوباس، وهي جزء من الأغوار الفلسطينية، يحمل أبعادا إستراتيجية تتجاوز مجرد التعويد على وجود الاحتلال داخل المدن الفلسطينية.
وقال إن "الأهداف الإسرائيلية هنا ترتبط بالسيطرة المباشرة على الأراضي الزراعية في الأغوار، ومنع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، إلى جانب توسيع الوجود العسكري عبر مصادرة الأراضي بذريعة الاستخدامات العسكرية أو التدريب، ومنح المستوطنين مزيدا من القوة والنفوذ على حساب السكان الأصليين".
وأشار حرب:
- هذه السياسات تترافق مع مشروع حكومي إسرائيلي لبناء جدار يفصل الضفة الغربية عن الأردن.
- هذا يعني عمليا عزل الفلسطينيين عن محيطهم الإقليمي ومنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي مع العالم الخارجي.
وأضاف حرب "بعد بناء هذا الجدار والسيطرة على الأغوار، التي تشكل نحو ربع مساحة الضفة الغربية، ستفقد السلطة الفلسطينية أهم مناطقها الزراعية التي تعد السلة الغذائية الأساسية للفلسطينيين، ما يهدد أمنهم الغذائي بشكل مباشر".
"غيتو واسع"
وأوضح حرب أن الأطماع الإسرائيلية في الأغوار لا تتعلق فقط بالسيطرة على الأرض، بل أيضا بمنع أي تواصل مستقبلي بين الدولة الفلسطينية -إذا ما قامت- وبين الأردن أو الإقليم العربي عبر الحدود البرية.
وأكد أنه بهذا الأمر، تسعى إسرائيل إلى حصر الفلسطينيين في ما يشبه "غيتو واسع"، يقيد حركتهم ويمنعهم من التواصل مع العالم الخارجي.
وشدد حرب على أن هذه السياسات تمثل محاولة لفرض أمر واقع جديد أمام الفلسطينيين، "واقع لا يسمح بقيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا أو قادرة على الانفتاح على المجتمع الدولي والدول العربية، وهو ما يعكس بوضوح الإستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى تقويض أي أفق سياسي للحل".
(المشهد)