كتائب جديدة في شوارع طهران.. إيران تستعد لأسوأ سيناريوهات الداخل

آخر تحديث:

شاركنا:
مسؤول عسكري: متطوعو الحركة يجري تدريبهم ضمن كتائب عسكرية (رويترز)
هايلايت
  • الحملة بدأت على خلفية اندلاع الحرب في فبراير.
  • الضربات الأميركية ألحقت أضرارا بالنظام الأمني الإيراني.
  • تحليل: أعضاء حملة "جانفادا" قد يتم استخدامهم لأهداف داخلية.

شكلت شوارع طهران يوم الجمعة مسرحاً لأحد أبرز مظاهر التعبئة في زمن الحرب التي ينظمها النظام الإيراني منذ اندلاع الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل في أواخر فبراير.

ووفقاً للتلفزيون الرسمي في البلاد، احتشد مئات الآلاف في الفعالية التي نظمتها الحكومة بمناسبة مرور 200 يوم على الحرب، حيث ظهر متطوعون من حملة "جانفادا" (أي "المضحين بأنفسهم") بملابس عسكرية، إلى جانب عروض لطائرات مسيرة ومعدات عسكرية أخرى.

غير أن التجمع كان يتجاوز مجرد استعراض القوة أمام واشنطن وتل أبيب، إذ انتقل من حالة التضامن الرمزي في زمن الحرب إلى استعراض للقوة يتسم بمزيد من التنظيم والهيكلية، وفقا لصحيفة "المونيتور".

وصرح قائد فيلق بالحرس الثوري الإيراني العميد حسن حسن زاده، والمعروف بقيادته لحملات القمع خلال موجات الاضطرابات السابقة في العاصمة، بأن المتطوعين المسجلين في حملة "جانفادا" يجري "تنظيمهم وتدريبهم" ضمن كتائب عسكرية.

تداخل الأدوار

وفي كلمة ألقاها خلال التجمع، وصف قائد قوات الباسيج حسين طائب، حملة "جانفادا" بأنها تجسيد لـ"صمود الشعب" في وجه التهديدات، واصفاً إياها بأنها استعراض للقوة الوطنية.

لطالما اعتمدت طهران على بنية أمنية متعددة الطبقات، تؤدي فيها الشرطة النظامية وقوات الباسيج والحرس الثوري أدواراً مختلفة ولكنها متداخلة.

تندرج مبادرة "جانفادا" ضمن هذا النهج الأوسع والمألوف الذي تتبعه الجمهورية الإسلامية، إذ يتيح تشكيل كتائب من المتطوعين المدربين للمؤسسة الأمنية الحصول على مخزون إضافي من القوات التي يمكن حشدها أثناء حالات الطوارئ الوطنية.

ومن خلال حملات مثل "تجمعات الجمعة"، لا يحتاج النظام إلى بناء جهاز للأمن الداخلي من الصفر، فهو يمتلك واحداً بالفعل. ويبدو أن العرض الأخير -الذي اتخذ طابعاً حربياً- كان يهدف إلى توسيع قاعدة الأشخاص الذين يمكن دمجهم في هذا الجهاز، مع تصوير العملية في الوقت ذاته على أنها "دفاع وطني".

رسالة إلى الداخل

لطالما كانت الحدود الفاصلة بين الدفاع عن إيران ضد عدو خارجي والدفاع عن الجمهورية الإسلامية ضد الاضطرابات الداخلية غير واضحة في الرؤية الإستراتيجية للحرس الثوري، وأدت الحرب الحالية إلى زيادة هذا التداخل وضوحاً.

لقد ألحقت الضربات الأميركية والإسرائيلية أضراراً جسيمة بالبنية التحتية للأمن الداخلي التي تستخدمها الشرطة والباسيج والحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات لقمع الاضطرابات.

وبالنسبة للقيادة الإيرانية، يمثل هذا الأمر معضلة إستراتيجية، فالحرب الممتدة قد تستنزف القوى البشرية، وتدمر مرافق القيادة، وتفاقم الضغوط الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للحكومة أن تفترض أن المعارضة الداخلية ستختفي تماماً لمجرد أن البلاد في حالة حرب، خصوصا في ظل التدهور السريع للظروف المعيشية.

وهكذا، وفي نظر السلطات الحاكمة، يوفر الحشد الجماهيري للموالين صوراً للتضامن الوطني في وقت يعاني فيه الاقتصاد من صعوبات. كما أن تنظيم المتطوعين في كتائب يبعث برسالة ملموسة: مفادها أن الدولة لا تزال قادرة على تحويل الحشد المدني إلى قوة فعلية.

في حين تجنبت الحكومة الربط الصريح بين الحملة في الشوارع وبين أي استياء محلي محتمل، فإن المنظومة الأمنية الإيرانية الأوسع، تجعل هذه البنية من الصعب تجاهل ذلك الاحتمال.

فالحرس الثوري الإيراني، المدعوم بشبكات "الباسيج" واسعة الانتشار، ليس مجرد مؤسسة عسكرية؛ بل يُعد ركيزة أساسية في منظومة الأمن الداخلي للجمهورية الإسلامية، حيث يتيح حشد العناصر بسرعة فائقة عند حدوث اضطرابات.

وعليه، فإن حملة "جانفادا" قد لا تهدف بالضرورة إلى التنبؤ بانتفاضة وشيكة، بقدر ما تهدف إلى ضمان عدم مباغتة الدولة أو إيجادها على غير استعداد في حال وقوع مثل هذه الانتفاضة.

وينسجم هذا التوجه مع تجربة النظام في التعامل مع موجات الاحتجاج المتكررة.

فالظروف الاقتصادية المتدهورة لم تُضعف تلقائياً قدرة النظام القمعية، كما أن الغضب الشعبي لم يترجم بالضرورة إلى تغيير سياسي ملموس طالما ظلت الدولة محتفظة بهياكل القيادة والسيطرة. غير أن الحفاظ على هذا المستوى من السيطرة اعتمد بشكل كبير على القوات الموالية والقدرة على حشدها بسرعة بالغة.

وتُعد "جانفادا" استعراضاً ملموساً لتلك القدرة، إذ تسعى الحكومة من خلالها إلى إيصال رسالة لخصومها في الخارج مفادها أنها لا تزال تمتلك موالين مستعدين للدفاع عنها.

أما الرسالة الموجهة للمحتجين المحتملين، فقد تكون أكثر تلميحاً - وإن كانت واضحة بما يكفي - لتؤكد أن المؤسسة الأمنية تمتلك شبكات حشد تمتد إلى ما هو أبعد من قواتها الرسمية.

ورغم أن اندلاع انتفاضة أخرى على مستوى البلاد قد لا يكون وشيكاً بالضرورة، إلا أن حدث طهران يشير إلى أن القيادة الإيرانية تستعد لبيئة أمنية قد تتداخل فيها الحرب الخارجية مع عدم الاستقرار الداخلي، بحيث لم يعد بالإمكان التعامل معهما كاحتمالات منفصلة تماماً. 

(ترجمات)