عادت تأشيرة "شنغن" إلى الواجهة مجددا، بعد رفض العديد من تأشيرات المواطنين الأتراك مؤخرا، لأسباب يقول الاتحاد الأوروبي إنها متعلقة بطبيعة كل طلب مُقدّم على حدة، لكن في ظل عدم تقديم أسباب مقنعة للرفض، تشير المعطيات إلى أنّ أوروبا لديها أسباب سياسية تدفعها إلى ذلك.
في الوقت الذي تسعى فيه تركيا لأن تكون جزءا من الاتحاد الأوروبي، أصبح الأتراك اليوم غير قادرين على الحصول على تأشيرة لدخول دول منطقة شنغن، والتي تُعتبر أكبر منطقة في العالم متّسمة بحرية التنقل، وممتدة عبر القارة الأوروبية.
تعدّ تأشيرة "شنغن" التي تسمى أيضا تأشيرة أوروبا، إقامة قصيرة تسمح لأيّ شخص بالسفر والتنقّل بحريَّة في أيّ دولة، من دول منطقة شنغن البالغ عددها 27 دولة، معظمها أعضاء في الاتحاد الأوروبي، وافقوا على إصدار تأشيرة مشتركة للمسافرين الأجانب، لمدة تصل إلى 3 أشهر، ومن ميزاتها أنّ حاملها يستطيع التنقل بين هذه الدول، من دون الحاجة إلى التفتيش أو إصدار تأشيرة أخرى.
أسباب الرفض
من وجهة النظر الأوروبية، فإنّ أسباب الرفض تتعلق بالطلبات المقدمة، ونقص في الوثائق المطلوبة، وليست لأسباب سياسية، حيث قال رئيس وفد الاتحاد الأوروبي إلى تركيا نيكولاس ماير لاندروت، لوكالة رويترز حول ذلك، إنّ "القرارات المتعلقة بطلبات شنغن لا تُتّخذ على أسس سياسية، بل على أسس موضوعية، ويوجد عدد متزايد من الطلبات غير المكتملة والاحتيالية".
بالنظر إلى تاريخ حصول المواطنين الأتراك على تأشيرة شنغن، يتبيّن أنه قبل سنوات قليلة كان الحصول عليها سهلا وبلا تعقيدات، ما يشي بأنّ الساسة الأوروبيين لديهم أسباب سياسية واقتصادية، تتعلق بالوضع الراهن في تركيا، في وقت يسعى فيه عدد من الأتراك، إلى تقديم طلب لجوء في الدول التي يذهبون إليها، وهو ما قالته بعض الدول صراحةً، أبرزهم هولندا التي ذكرت أنّ لديها شكوكا في عودة الأتراك إلى بلادهم حين انتهاء التأشيرة، متخوفة ممّا سمّتها "الهجرة غير الشرعية".
ما يزيد الشكوك حول الخلفية السياسية لرفض التأشيرات، هو قبول طلبات المواطنين من دول مختلفة، في الوقت الذي يتم فيه رفض طلبات الأتراك.
وفي هذا الصدد يقول الصحفي ومدير التحرير السابق لعدد من الصحف والقنوات التركية، علي رضا أوزكان في حديث إلى منصة "المشهد"، إنه " لدى تركيا اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي تنص على أنّ المواطنين الأتراك لا يحتاجون إلى تأشيرة للدخول إلى الدول الأعضاء، لكنّ الاتحاد الأوروبي لا يسمح بممارسته، وحاولت تركيا تفعيل هذه الاتفاقية على الأقل بالنسبة لرجال الأعمال الأتراك، لكن لم تستطيع تحقيق أيّ نتيجة في هذا الإطار".
وبرأي أوزكان، أنّ "الاتحاد الأوروبي ربما يريد تجربة التأشيرة كسلاح ضد الحكومة التركية، وبالعلاقة بين تركيا وأوروبا غالبا ما تكون الأمور لصالح الدول الأوروبية".
من جهته يقول رئيس الشؤون الخارجية في صحيفة "الإندبندنت" بالنسخة التركية، الصحفي ميريج سنيوز لمنصة "المشهد"، إنّ "المبرر الرئيسي للاتحاد الأوروبي، هو أنّ عدد الأشخاص الذين لا يعودون إلى تركيا بعد فترة التأشيرة يزداد كل عام، بعض هؤلاء الأشخاص حصلوا على الجنسية التركية بعد ذلك، وبعضهم مواطنون أتراك بالأصل".
ويتساءل سنيوز حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي على حق؟ قائلًا: "إذا قبلت النظام العالمي الحالي كحقيقة غير قابلة للتغيير، يمكنك القول إنهم على حق بطريقتهم الخاصة، ولكن نظرا لأنّ الاتحاد الأوروبي لديه أيضا حصة كبيرة جدا في جميع حالات عدم المساواة في العالم، وبما أنّ السبب الرئيسي للمستوى العالي للازدهار في أوروبا، هو قرون من استغلال دول العالم الثالث، فمن منظور العدالة المطلقة عدم تبرير موقف الاتحاد الأوروبي".
ويُرجع سنيوز الرفض أيضا إلى أسباب اقتصادية، قائلًا: "المعايير المالية المستخدمة في طلبات التأشيرة يصعب على المواطنين الأتراك الوفاء بها، بسبب انخفاض قيمة العملة في تركيا، هذا معيار أكثر موضوعية وله علاقة باقتصاد تركيا الحالي، أكثر من أوروبا".
الجدير بالذكر أنّ تقارير رسمية تركية أشارت إلى زيادة معدلات رفض منح تأشيرة شنغن للمواطنين الأتراك، بمعدل 5 أضعاف تقريبا منذ عام 2014.
تذمّر تركي
ينتقد الأتراك عدم معاملة بلادهم بالمثل في العلاقات الدولية، ففي الوقت الذي لا يستطيعون فيه الحصول على تأشيرة شنغن، يتمكن مواطنو الاتحاد الأوروبي بمن فيهم مواطنو اليونان التي لديها مشاكل كثيرة مع تركيا، من الحصول على تأشيرات بسهولة لدخول تركيا.
كذلك يتذمر الأتراك من طريقة معاملتهم أثناء تقديمهم للتأشيرة، ووقوفهم في طوابير طويلة مصطحبين عددا كبيرا من الوثائق التي يجب عليهم إحضارها، لكي يتمكنوا من الحصول على التأشيرة.
وحول عدم معاملة تركيا الدول الأوروبية بالمثل، يبيّن سنيوز أنّ "تركيا في حاجة ماسة إلى العملة الأجنبية، لذلك لا يستطيع الاقتصاد التركي تحمّل أزمة مع أوروبا في هذه المرحلة، ليس فقط بسبب السياحة، ولكن أيضا بسبب العلاقات الاقتصادية الأخرى مثل الصادرات."
نشر أحد الأتراك صورة للوثائق المطلوبة من أجل الحصول على تأشيرة شنغن، كُتب عليها، "إنّ عدد المستندات التي يجب عليك تقديمها للحصول على تأشيرة شنغن، إذا كنت تحمل جوازا تركيا غير مقبول أبدا، وهذا أمر مهين ناهيك عن أنهم عادةً ما يمنحونك تأشيرة لمدة أسبوع، ما لم تقدم طلبا من الولايات المتحدة".
وفي الوقت ذاته، يعاني مقدّمو الحصول على تأشيرة شنغن بقاءهم من دون جوازات سفر لفترة طويلة، وذلك لأنّ الحصول على التأشيرة بات يأخذ وقتا طويلا، ما يؤثر سلبا على تحركاتهم الأخرى خارج البلاد.
يرى أوزكان أنّ "تركيا بحاجة إلى أوروبا أكثر من دول العالم الأخرى، لكنّ أوروبا من الناحية الجيوسياسية تحتاج إلى تركيا أكثر من أيّ وقت مضى، والمشكلة الأساسية بينهما هي أنّ تركيا وأوروبا لديهما أهداف وطروحات مختلفة، تؤدي إلى علاقات متأزمة".
ابتزاز سياسي
ووصف الرئيس التركي مشكلة التأشيرات مع بعض الدول الغربية، بأنها "ابتزاز سياسي وستحل قريبا"، وفي وقت سابق كانت هناك محادثات حول إعفاء الأتراك من تأشيرة شنغن عبر "صيغة مجموعة عمل بين أنقرة والمجلس الأوروبي"، ولم يتم التوصل إلى اتفاق حول بعض الشروط التي طُلبت من تركيا، خصوصا تلك المتعلقة بتعديل قانون مكافحة الإرهاب في تركيا.
ويلفت سنيوز إلى أنّ "انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بعيد المنال، حتى لو لم يفز إردوغان، وعلى الرغم من أنّ المعارضة قدمت بعض التصريحات والوعود الطموحة بشأن هذه القضية، إلّا أنّ العقبة الأكبر أمام عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ليست الحكومة التركية، ولكن الاتحاد الأوروبي نفسه، الذي يبدو أنه يماطل لإبقاء تركيا منتظرة على الباب، وهذا هو أحد العوامل الرئيسية التي جعلت حكومة إردوغان مستغنية عن العضوية الأوروبية، وحولت مسارها إلى مكان آخر".
فيما ينهي الصحفي التركي أوزكان حديثه إلى منصة "المشهد" قائلًا: "لا علاقة بين بقاء إردوغان في السلطة، وبين رفض عضوية تركيا، فلا يمكن لتركيا أن تكون عضوا في الاتحاد الأوروبي، لأنّ القادة الأوروبيين لا يريدون ذلك، أوروبا ليست قادرة على قبول تركيا كجزء من الحضارة الأوروبية".
(المشهد)