مسيحيو جنوب لبنان يصرون على البقاء في منازلهم رغم القصف الإسرائيلي

آخر تحديث:

شاركنا:
الخطر لا يفارق سكان القرى المسيحية (رويترز)
هايلايت
  • مسيحيون في الجنوب أصروا على البقاء في قراهم على الرغم من أوامر الإخلاء الإسرائيلية.
  • المسيحيون الصامدون باتوا محاصرين في مناطقهم ولا يسمح بالخروج إلا لمن لديه حالة طارئة.
  • تناقض صارخ بين القرى المسيحية والدمار المحيط بها في الأجزاء الشيعية.

يصرّ آلاف المسيحيين من سكان القرى المسيحية الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي والمحاطة بمناطق شيعية مدمرة ومهجورة في جنوب لبنان على البقاء في منازلهم قرب الحدود الشمالية لإسرائيل.

إصرار على البقاء

هذا الإصرار المحفوف بالمخاطر، دفع بمراسلي صحيفة "فايننشل تايمز" لزيارة المنطقة الحدودية لتسليط الضوء على حياة عدد لا بأس به من أبناء الطائفة المسيحية.

وتقول الصحيفة: في اليوم الذي سقطت فيه القنابل، حزم ميلاد حبّوب حقائبه ووقف عند عتبة منزله في قرية عين إبل الحدودية اللبنانية، محاولاً إقناع نفسه بالرحيل.

كان هو وعائلته، المنتمون للأقلية المسيحية في لبنان، قد فروا إلى بيروت في آخر مرة اندلعت فيها الحرب بين إسرائيل و"حزب الله" عام 2024.

قال لنفسه إنه يستطيع فعلها مرة أخرى، وهو يجمع بعض الملابس ودواوين الشعر بينما كانت زوجته قلقة بشأن أي صور عائلية يمكن أن تأخذها معها.

"لكنني لم أستطع"، يقول مدرس الرياضيات البالغ من العمر 75 عامًا وهو يحتسي فنجانًا من القهوة العربية، وينظر إلى طائرة إسرائيلية مسيّرة تحلق على ارتفاع منخفض فوق رأسه. "كنت أعلم أنني إذا غادرت، فقد لا أعود أبدًا. ستنتهي حياتي قبل أن أرى هذه التلال مرة أخرى".

وأدى قرار حبوب الذي اتخذه مطلع مارس مع نحو 10 آلاف من سكان عدد قليل من القرى المسيحية على طول الحدود الجنوبية للبنان، لمحاصرته وباقي السكان داخل ما يُسمى بالمنطقة الأمنية الإسرائيلية، حيث باتوا محاطين بالجنود الإسرائيليين في ما يخشون أن يكون احتلالاً مفتوحاً.

المنطقة الأمنية

وتمتد هذه المنطقة على مساحة مئات الكيلومترات المربعة، تصل إلى 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

وتضم عشرات القرى الشيعية، التي هُجرت معظمها، بعدما خاض الجيش الإسرائيلي صراعاً عنيفاً فيها مع مقاتلي "حزب الله"، وذلك لأسابيع قبل أن يُنهي جزئيا وقف إطلاق النار الهش الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في 16 أبريل أسوأ مراحل القتال.

ونزح أكثر من مليون شخص في أنحاء لبنان جراء الحرب. لكن القرى المسيحية التي لا تزال مأهولة بالسكان في "المنطقة الأمنية" التي "أنشأتها" إسرائيل، وتحديداً عين إبل، ورميش، ودبل، تُشكل تناقضاً صارخاً مع الدمار المتواصل المحيط بها في الأجزاء الشيعية.

ونجت هذه القرى إلى حد كبير من القتال، بحيث قدمت إسرائيل خلال الحرب تطمينات مبهمة بأن هذه القرى ستظل آمنة طالما أنها لا تؤوي مقاتلين من "حزب الله".

وتقع هذه القرى أسفل ما يُطلق عليه الجيش الإسرائيلي اسم "الخط الأصفر"، والذي يُشير إلى بداية الأراضي اللبنانية التي احتلتها إسرائيل حديثاً، وهي الآن معزولة عن بقية البلاد. ويقول سكانها إن الدولة تخلت عنهم، وأنهم يعتمدون بشكل شبه كامل على منظمات الإغاثة المسيحية التي تُنسق مع الأمم المتحدة لإسقاط الإمدادات الحيوية بشكل دوري عندما يسمح بذلك الجيش الإسرائيلي.

ويُذكّر الوضع الراهن لهذه القرى بفصلٍ سابقٍ من تاريخ لبنان، يوم سقط جزءٌ كبيرٌ من الجنوب تحت الاحتلال الإسرائيلي بين عامي 1985 و2000.

لا ضمانات بشأن العودة

وبعدما غادر المئات من سكان القرى بعد أن أصدرت إسرائيل أوامر إجلاءٍ جماعيٍّ مع بداية الحرب الأخيرة، لم يعد يُسمح بالخروج إلا لمن لديهم احتياجاتٌ طبيةٌ عاجلة، وفقًا لما ذكره السكان ومنظمات الإغاثة والمسؤولون المحليون.

وتقول فيوليت حاج، إحدى سكان قرية رميش: "أُبلغنا أنه لا توجد ضماناتٌ من الجيش الإسرائيلي بشأن إمكانية عودتنا".

وتضيف حاج: "بقينا من أجل أولئك الذين اضطروا للمغادرة، حتى يكون لديهم ما يعودون إليه. بقينا حتى لا يستولوا على أرضنا ومنازلنا ومصادر رزقنا".

ويذكر الجيش الإسرائيلي أنه يفرض "قيودًا مؤقتةً على حركة المدنيين اللبنانيين بسبب "النشاط العسكري المستمر ووجود عناصر حزب الله وبنيته التحتية"، لكنه يسمح بوصول المساعدات "رهنًا بالاعتبارات العملياتية والأمنية".

دمار في كل مكان

والطريق عبر جنوب لبنان المؤدي إلى القرى المسيحية مُعبّد بالدمار.

وحتى قبل إنشاء "المنطقة الأمنية"، كانت تظهر آثار القصف الإسرائيلي في كل مكان. وينقب عدد قليل من السكان بين أنقاض منازلهم ومتاجرهم، بحثًا عن وثائق مهمة، وأجهزة استنشاق للأطفال، وذكريات. وفي إحدى القرى، كان الرجال ينقبون بين أنقاض قاعة صلاة شيعية، ينتقون منها نسخًا مُدمّرة من المصاحف.

والدليل الوحيد على "المنطقة الأمنية" الإسرائيلية هو سياج رفيع من الأسلاك الشائكة عند نقطة تفتيش تابعة للجيش اللبناني على الطريق، أُقيم لمنع المدنيين من دخول منطقة تُجري فيها القوات الإسرائيلية عمليات عسكرية دون علمهم. ويُسمح فقط للعاملين في المجال الإنساني، وعمال الإنقاذ، وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بالمرور أسفل الخط، تحت رقابة إسرائيلية مشددة.

وآثار الصراع واضحة للعيان في جميع أنحاء القرى الشيعية شبه الخالية في "المنطقة الأمنية" حيث تمركز "حزب الله" منذ زمن طويل. فصفوف المباني تحولت إلى أكوام من الأنقاض يصل ارتفاعها إلى الركبة، والسيارات باتت هياكل محترقة، مليئة بثقوب الرصاص، وملقاة مهجورة على جانب الطريق. بالكاد بقيت نافذة أو سقف من القرميد الأحمر سليماً.

"صراع الآخرين"

وبالنسبة لسكان القرى المسيحية، الخطر لا يفارقهم.

فعين إبل مثلا تقع على أطراف بنت جبيل، وهي بلدة شيعية ومعقل لـ"حزب الله". وقد تم قطع الوصول إلى أجزاء من القرية المسيحية بحواجز مرور بلاستيكية، ونُصح السكان بعدم العبور لتجنب جنود الجيش الإسرائيلي الذين يتجولون على الجانب الآخر. وقال السكان إنهم كانوا يتعرضون لإطلاق نار عند اقترابهم منها قبل وقف إطلاق النار.

وكل ما يطمح له هؤلاء السكان هو العيش بسلام، بلا أسلحة، وفي ظل دولة لبنانية قوية. لكنهم ما زالوا حتى اليوم ينجرون باستمرار إلى صراع ليس لهم فيه.

(ترجمات)