إنذار مبكّر.. جفاف النيل بالسودان يثير قلق مصر

آخر تحديث:

شاركنا:
مخاوف في مصر من جفاف نهر النيل أسوة بما حدث في السودان (رويترز)
هايلايت
  • انحسار مياه النيل في السودان.. والقلق يساور المصريين.
  • خبير في شؤون الموارد المائية والري: جفاف مياه نهر النيل في الأراضي السودانية كان متوقعا.
  • مخزون بحيرة السد العالي في مصر قد يتأثر إذا استمرت سنوات الجفاف.
  • محلل سياسي سوداني: تراجع مناسيب نهر النيل في السودان جرس إنذار مبكّر لدولتي المصب.

لطالما كانت مياه نهر النيل تمثل شريان الحياة بالنسبة لدولتَي المصب مصر والسودان، فإنّ سد النهضة الإثيوبي الذي استغرق بناؤه 14 عاما، والمبني على النيل الأزرق أحد روافد نهر النيل الرئيسية، شكل نقطة تحوّل في ملفات المياه في حوض نهر النيل، خصوصا مع تخوّف مصر والسودان من تبعات إنشاء السد الإثيوبي عليهما.

تلك التبعات برزت وبشكل جليٍّ مؤخرا في الجفاف الحاد الذي ضرب عددا من الأراضي السودانية في مناسيب نهر النيل، وسط أحاديث عن كونه سابقة تاريخية، ما تسبب في خروج عدد من محطات ضخ مياه الشرب عن الخدمة، وانخفاض إنتاج عدد من منها.

وَتُخّزن أديس أبابا في سد النهضة نحو 74 مليار متر مكعب من المياه، وترفض طلبا متكررا من دولتَي المصب، بإبرام اتفاق لتنظيم الملء والتخزين والتشغيل، خصوصا في سنوات الجفاف، وتتمسك بأنّ سدها لن يؤثر على التدفق إلى مصر والسودان.

جفاف السوادان كان متوقعا

وتعليقا على هذا الأمر، أوضح أستاذ الزراعة والموارد المائية بجامعة القاهرة الدكتور نادر نور الدين في حديثه لمنصة "المشهد": أنّ ما حدث داخل الأراضي السودانية من جفاف في مياه نهر النيل، لم يكن مفاجئا، خصوصا وأنّ منظمات الأرصاد الجوية والمنظمات المائية الدولية التابعة للأمم المتحدة، حذرت قبل نحو شهرين من أنّ ظاهرة "النينو" ستضرب منطقة القرن الإفريقي والهضاب الإثيوبية هذا العام، وهي ظاهرة مناخية تتسبب في منع تشكل السحب وتؤدي إلى انخفاض حاد في سقوط الأمطار على إثيوبيا، وبالتالي سيؤثر هذا الأمر على التدفقات المائية في نهر النيل.

وأشار نور الدين إلى أنّ العام الحالي سيكون من السنوات العجاف التي ستمر على نهر النيل، مبينا أنّ هذا العام سيمثل أولى هذه السنوات العجاف، كاشفا أنّ كل دورة مدتها 20 عاما، تشمل 7 أعوام عجاف، و7 أعوام سمان "غير متتالية "، موضحا أنّ النيل الأزرق يشارك في إيراد النيل بنحو 50 مليار متر مكعب، ولكن في السنوات العجاف ينخفض إلى النصف، أي نحو 25 مليار متر مكعب.

وبيّن نور الدين أنّ أبرز نقاط الخلافات الفنية التي جمعت بين إثيوبيا ودولتَي المصب مصر والسودان، كانت حول السنوات العجاف، بمعنى أنه عندما تأتي هذه السنوات العجاف، هل ستكون الأولوية لدى إثيوبيا أن تدخل المياه البحيرة أولا، وتقوم بتوليد الكهرباء منها، ثم بعد ذلك تصل المياه إلى مصر والسودان، أم إنها ستجعل هذه المياه تتدفق إلى دولتَي المصب أولا.

وأشار إلى أنّ الجانب الإثيوبي كان مُصرّا دائما في المفاوضات، على أنّ أيّ كمية مطر، تدخل بحيرة السد أولا من أجل تشغيل التوربينات وتوليد الكهرباء، ثم بعد ذلك تصل المياه المتبقية إلى مصر والسودان، وهو ما حدث في هذه الأيام وتسبب في حدوث جفاف في مياه نهر النيل داخل الأراضي السودانية.

وكشف نور الدين، أنّ شهري يوليو وأغسطس هما ذروة شهور الفيضان، حيث كانت تصل المياه في شهر يوليو إلى السودان بمعدل 12 مليار متر مكعب سنويا، مشيرا إلى أنه على الرغم من مرور أكثر من نصف شهر يوليو، إلا أنه لم يصل إلى السودان أيّ كميات من المياه، وبالتالي هناك ضرر بالغ يخيّم على السودان نتيجة لغلق العديد من محطات تنفيذ مياه الشرب نتيجة لشح المياه، فعندما لا تتوافر المياه بالكميات المطلوبة تزيد العوائق والطمي، وهذا يشجع على نمو الطحالب والفطريات، وبالتالي تعجز المحطة عن العمل بسبب وجود عكارة مرتفعة، وهو ما حدث داخل العديد من المدن السودانية.

أزمة حادة

وبدوره أكد المحلل السياسي السوداني صلاح غريبة، أنّ موجة الانحسار المفاجئ في مياه نهر النيل داخل بلاده، شملت طول امتداده من الخرطوم حتى الولاية الشمالية، وهو ما خلق أزمة مياه خانقة باتت تهدد مئات آلاف السودانيين جنوبي مدينة أم درمان وشمال الخرطوم بحري بالعاصمة السودانية، نتيجة توقّف محطة الصالحة جنوبي أم درمان، وذلك بسبب الانخفاض الشديد لمنسوب المياه وابتعادها من مداخل المضخات الساحبة.

واعتبر أنّ التراجع الحاصل في مناسيب نهر النيل في هذه الأيام في مناطق عديدة داخل بلاده، يعدّ بمثابة جرس إنذار مبكّر لدولتَي المصب مصر والسودان، يؤكد مدى تأثير تخزين المياه وحجزها في بحيرة سد النهضة في هذين البلدين، بخاصة إذا تزامن ذلك مع موسم ضعيف الأمطار، واستمرار أديس أبابا في الإدارة الفنية للسد بصورة أحادية.

ويرى غريبة أنّ السبب الرئيسي والأهم في التراجع الكبير وغير المعتاد في منسوب نهر النيل، هو طبيعة تأثير تشغيل "سد النهضة"، وذلك بعد نجاح السد الإثيوبي في تغيير النمط الطبيعي التاريخي لتدفقات النيل الأزرق، بالإضافة إلى التحكم الفردي في بوابات السد وكميات المياه المنصرفة، ما يجعل مناسيب دول المصب رهينة قرارات تشغيل غير منسقة مع القاهرة والخرطوم.

غير أنه ساق جملة من الأسباب الأخرى التي ساهمت في حدوث هذا التراجع الكبير وغير المعتاد في منسوب نهر النيل، حيث كان أبرزها الآتي:

  • العوامل الطبيعية المرتبطة بالتأخير النسبي في هطول الأمطار الموسمية بالهضبة الإثيوبية هذا العام.
  • ضعف تدفق الروافد النهرية والوديان الداخلية خلال يوليو الجاري.

هل ستتأثر مصر؟

أثار جفاف مياه النيل في عدد من المناطق السودانية، مخاوف مصرية من ملاقاة المصير نفسه، وإمكانية حدوث تراجعات في كميات المياه الواردة للقاهرة، في ظل عدم التوصل لاتفاق مع الإثيوبيين بشأن ملء وتشغيل سد النهضة.

وفي هذا الصدد توقّع نور الدين، حدوث تأثير في مخزون بحيرة السد العالي الواقعة في أقصى جنوب مصر إذا استمرت السنوات العجاف، لأنّ المياه في مصر تدخل أولا في بحيرة السد ثم تخرج بتدفقات يومية، تقدرها وزارة الري المصرية طبقا لاحتياجات القطاعات الأساسية، مثل قطاعات (المنازل والشرب والزراعة والصناعة)، وبالتالي فإنّ المخزون المصري سيتأثر.

ولكنه أوضح في الوقت ذاته، أنّ مخزون المياه في السد العالي يكفي مصر لنحو 5 سنوات، مشيرا إلى أنه في آخر 7 سنوات عجاف مرت على مصر، وبالتحديد منذ عام 1981وحتى 1988، استطاع هذا المخزون أن يكفي مصر من المياه.

وطالب نور الدين إثيوبيا بضرورة التحرك بشكل إنساني وعاجل لإنقاذ السودانيين من المأساة التي يتعرضون لها في هذه الأثناء، من خلال فتح البوابات السفلية أو بعض بوابات التوربينات، لضخ مياه أكثر إلى السودان من أجل عودة محطات مياه الشرب للعمل مرة أخرى.

وشدد على أنه لا يمكن القبول بإصرار أديس أبابا على التخزين في سنوات الجفاف، مطالبا بموقف موحد من القاهرة والخرطوم للتصدي لهذا الأمر.

(المشهد)