مرحلة سياسية جديدة.. العراق بين حصر السلاح والانفتاح على الخليج

آخر تحديث:

شاركنا:
المنهاج الوزاري الجديد في العراق يطوي صفحة المحاور الإقليمية (رويترز)
هايلايت
  • رئيس الوزراء العراقي الجديد يواصل جهوده لإنهاء ملف الفصائل المسلحة.
  • أكد المنهاج الوزاري على ضرورة تنحية العراق عن محاور الصراع الإقليمي والدولي.
  • مراقبون: تبني سياسة خارجية متوازنة يمنح العراق دورًا إقليميًا فاعلًا.

في ظل الوضع الإقليمي المشحون بالتوتر والاستقطاب بفعل حرب إيران، يواصل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي جهوده بصدد إنهاء ملف الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة.

حصر السلاح في العراق

وكان لافتًا أن المنهاج الوزاري الجديد للحكومة تضمن، للمرة الأولى، نقطتين مفصليتين، الأولى تتمثل في رفض السلاح المتفلت وغير الشرعي، والثانية تحييد العراق عن أي نزاع خارج إطاره السيادي، وعدم الارتهان في تبعية لأي طرف إقليمي.

وتكاد لا تختلف أهمية الإشارة إلى مبدأ حصرية السلاح في يد الدولة عن الارتكازات التي تنبني عليها رؤية المنهاج الوزاري لحكومة الزيدي بشأن السياسة الخارجية للعراق؛ حيث تمثل هذه الارتكازات قطيعة مع سوابق الارتهان للمصالح الفئوية، الحزبية والطائفية الولائية، المرتبطة بإيران، وقد أكدت على ضرورة تنحية العراق عن محاور الصراع الإقليمي والدولي لضمان استقراره الداخلي، وتوفير شروط التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات.

ويضاف لذلك، نقطة مركزية هي الانتقال من مربع التبعية إلى نطاق الشراكة الإقليمية والدولية، والإشارة للمحيط الحيوي الإقليمي الذي يمثل عمقًا للعراق، بينما يتعين بناء علاقات إستراتيجية معه، تحديدًا الدول الخليجية والعربية، وذلك على أساس المصلحة المشتركة، وكذلك رفض أن يكون العراق منصة أو أحد ممرات الاعتداء على دول الجوار.

تسليم السلاح

ورغم إعلان 5 فصائل مسلحة، حتى اللحظة، قبولها المبدئي لتسليم سلاحها، غير أن هذا الأمر ما يزال يفتقر إلى محددات زمنية وإجرائية يضمن دخوله حيز التنفيذ، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".

وكان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، قد أعلن استجابته لخطوات رئيس الحكومة قبل أيام، بالانفكاك عن جناحه العسكري "سرايا السلام"، ومن ثم، تسليم السلاح ومقرات الفصيل المسلح إلى الدولة.

وبخلاف موقف التيار الصدي، فإن فصائل أخرى ما تزال مواقفها متباينة بينما تبدي بعضها ممانعة في هذا الاتجاه، حيث إنها تماطل لصالح الإبقاء على امتيازاتها وفرصها السياسية وكذلك عدم قدرتها الخروج عن الطوق الإيراني الذي يرفض إنهاء نفوذ وكلائه بالعراق، وفق المصادر ذاتها، كما هو الحال لدى فصيل "النجباء".

أولويات الحكومة العراقية

وفي حديثه لمنصة "المشهد"، يرى الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة تكريت، الدكتور مثنى العبيدي، أن القضايا الواردة في المنهاج الوزاري للحكومة العراقية الجديدة لا تختلف كثيرًا عن تلك التي تضمنتها برامج الحكومات السابقة، والتي جاءت في معظمها استجابة لضغوط داخلية وخارجية.

وقال العبيدي إن ملف مكافحة الفساد ظل يتصدر أولويات البرامج الحكومية المتعاقبة، إلا أن الحكومات السابقة لم تحقق نجاحًا ملموسًا في معالجته، ما جعله من الملفات المزمنة والمستعصية في المشهد العراقي.

إرضاء واشنطن

وفي ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، اعتبر العبيدي أن هذا الملف يندرج إلى حد كبير ضمن مساعي إرضاء الجانب الأميركي، لكنه استبعد تحقيق تقدم كامل ونهائي فيه، مرجحًا أن تقتصر أي خطوات محتملة على إجراءات شكلية أو جزئية.

وأشار إلى أن بعض القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية والانتخابات تمتلك أجنحة مسلحة، لافتًا إلى أن إعلان عدد من الفصائل، مؤخرًا، استعدادها لتسليم أسلحتها أو حل تشكيلاتها المسلحة، لا يعني بالضرورة تنفيذ هذه القرارات على أرض الواقع.

وأضاف الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة تكريت، أن تطبيق مثل هذه الإجراءات، إن حدث، سيقتصر على بعض الفصائل دون غيرها، خصوصًا أن هناك فصائل ترتبط قراراتها بإيران، ومن غير المتوقع أن تستجيب لقرارات الحكومة الخاصة بنزع السلاح أو التخلي عنه.

وأكد العبيدي أن الحكومة الحالية لا تمتلك من القوة السياسية ما يكفي لفرض قرارات من هذا النوع على جميع الفصائل المسلحة، ما يجعل قدرتها على تنفيذ هذا الملف محدودة.

منذ حكومة حيدر العبادي

أما في ما يخص العلاقات العراقية العربية، أوضح العبيدي أن الحكومات العراقية المتعاقبة منذ حكومة حيدر العبادي عام 2014 انتهجت سياسة الانفتاح على المحيط العربي، خصوصًا دول الخليج، مشيرًا إلى وجود استعداد عربي لتعزيز العلاقات مع بغداد.

وتابع أن العراق يرتبط بدول الخليج بمشتركات سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة، ما يجعل تطوير هذه العلاقات أمرًا يحظى بدعم قطاعات واسعة من الشارع العراقي.

إلا أنه لفت إلى أن هذا التوجه يواجه تحديات داخلية وخارجية، أبرزها وجود قوى سياسية نافذة لا ترغب في أن تتفوق علاقات العراق العربية على علاقاته مع إيران، فضلًا عن تأثير التوازنات السياسية الداخلية على توجهات الحكومة.

وألمّح إلى مخاوفه بشأن المعضلات التي يواجهها رئيس الحكومة الجديد، في ظل عدم امتلاكه كتلة سياسية قوية، توفر له الغطاء والدعم اللازمين لاتخاذ قرارات إستراتيجية كبرى، موضحًا أن رؤساء الحكومات السابقين كانوا يستندون إلى قوى سياسية داعمة، بينما سيجد رئيس الوزراء الحالي نفسه أكثر عرضة لضغوط القوى السياسية التي أوصلته إلى السلطة، ما قد يحدّ من هامش حركته وقدرته على تنفيذ قرارات لا تنسجم مع مصالح القوى المقربة من إيران.

تداعيات حرب إيران

ومن جهته، قال الباحث والمحلل السياسي المقيم في واشنطن زياد سنكري، إن صناع القرار الجدد في العراق باتوا يدركون أن مرحلة التعايش بين الفصائل المسلحة والمؤسسات العسكرية الرسمية أصبحت من الماضي، في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة وتداعيات حرب إيران.

وأوضح سنكري لـ"المشهد"، أن هذه التطورات كشفت نقاط الضعف البنيوية في النظام العراقي، خصوصًا مع استمرار وجود فصائل مسلحة ترتبط بأجندات إقليمية مشبوهة لا تنسجم مع متطلبات الأمن القومي العراقي، بل قد تدفع البلاد إلى الانخراط في صراعات إقليمية لا تخدم مصالحها الوطنية.

وأضاف أن هذا الواقع يفسر توجه رئيس الوزراء العراقي نحو طرح رؤية تهدف إلى تجنب "لبننة العراق"، أي الحيلولة دون تكرار النموذج اللبناني الذي شهد تنامي نفوذ القوى المسلحة بسلاح غير الشرعي والمتفلت، على النحو الذي يجعلها تلوّح به ضد الدولة ومؤسساتها أحيانًا. 

رافعة اقتصادية

وأشار الباحث والمحلل السياسي المقيم في واشنطن إلى أن نجاح هذا المسار الجديد بالكلية من شأنه أن يمهد لانفتاح عراقي أوسع على دول الخليج العربي، التي تمثل، بحسب وصفه، "رافعة اقتصادية وسياسية" قادرة على إحداث تحول نوعي في موقع العراق الإقليمي ومسار تنميته واستثماراته.

وأكد سنكري أن تحقيق هذا الهدف يظل مرهونًا بحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية الرسمية، باعتباره شرطًا أساسيًا لبناء دولة مستقرة وقادرة على نسج شراكات إستراتيجية متوازنة مع محيطها الإقليمي.

ولفت إلى أن العراق يمتلك فرصة لتعزيز علاقاته مع دول المنطقة، خصوصًا الدول الخليجية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقات طبيعية ومتوازنة وقائمة على الندية مع إيران.

وختم بالقول إن تبني سياسة خارجية متوازنة من هذا النوع يمكن أن يمنح العراق دورًا إقليميًا فاعلًا في احتواء التوترات المحتملة بين إيران ودول المنطقة، وتعزيز الاستقرار الإقليمي عبر لعب دور الوسيط والشريك الموثوق لجميع الأطراف.

العراق ودول الخليج

يتفق والرأي ذاته الناشط السياسي العراقي المستقل وسام ياسين الجبوري، والذي يرى أن خطاب الحكومة الجديد يعكس توجهًا واضحًا لنقل العراق من مرحلة هيمنة المحور الواحد إلى سياسة التوازن في علاقاته الإقليمية والدولية، معتبرًا أن هذه المهمة ستكون بالغة الصعوبة على أرض الواقع في ظل التعقيدات السياسية والأمنية القائمة.

وأوضح الجبوري لـ"المشهد" أن من أبرز ما تضمنه البرنامج الحكومي التأكيد على حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز الشراكة الإستراتيجية مع العمق العربي، خصوصًا دول الخليج، مشيرًا إلى أن هذه هي المرة الأولى التي تصدر فيها مواقف حكومية بهذا القدر من الوضوح والجرأة بشأن ملفات شديدة الحساسية.

وأضاف أن هذه التعهدات ستظل في إطار التصريحات ما لم تُترجم لخطوات عملية، لافتًا إلى أن الاختبار الحقيقي للحكومة سيظهر في حال تعرض المصالح الأميركية، أو دول الخليج، لهجمات تنطلق من الأراضي العراقية.

وقال إن السؤال الأهم يتمثل في ما إذا كانت الحكومة ستتحرك ضد الجهات المنفذة وتلاحق المسؤولين عنها قانونيًا، أم ستكتفي بالإدانة السياسية خشية فقدان الغطاء الذي توفره بعض القوى والأحزاب المشاركة في تشكيلها.

وأشار الناشط السياسي العراقي المستقل، إلى أن عددًا من الفصائل المسلحة أعلن صراحة رفضه تسليم السلاح، أو الانصياع لقرارات الدولة في هذا الملف، لافتًا أن هذه القوى قد تعود إلى استهداف المصالح الأميركية أو دول الجوار في حال تعرضت إيران لضربات أميركية جديدة.

وأكد الجبوري أن نجاح الحكومة في تنفيذ وعودها والتعامل بحزم مع أي أنشطة مسلحة خارج إطار الدولة، سيمثل سابقة لم يشهدها العراق منذ عام 2003، وسيحمل أبعادًا سياسية وأمنية مهمة، من شأنها الانتقال بالعراق من مرحلة الخطاب الدبلوماسي إلى مرحلة التطبيق العملي، بما يسهم في تقليص النفوذ العسكري الإيراني، وتوسيع العلاقات مع دول الخليج ومحيطه العربي. 

(المشهد)