من البشير إلى البرهان.. رهان الخاسرين بين "الإخوان" وإيران في السودان

آخر تحديث:

شاركنا:
تتصاعد المؤشرات على توظيف السودان لناحية إعادة تموضع شبكات النفوذ الإقليمي لإيران (رويترز)
هايلايت
  • تتصاعد المؤشرات على تحوّل السودان لنقطة ارتكاز لإيران لموضعة نفوذها الإقليمي.
  • مراقبون: الحضور الإيراني في السودان مؤشر على استعادة أدوار وظيفية قديمة.
  • طالت السودان اتهامات في فترة حكم البشير باستخدام بلاده لتهريب السلاح لـ"حماس".

تتراكم الحقائق السياسية والميدانية، كما تتوسع مجالات الرؤية، على جملة الأهداف أو بالأحرى خبيئة المصالح الإيرانية في السودان، في ظل تصاعد المؤشرات على تحوّل الدولة الإفريفية المطلة على البجر الأحمر إلى منصة لوجستية محتملة ضمن إستراتيجية "الحرس الثوري" لإعادة موضعة شبكات نفوذها الإقليمية، وكذلك فتح مسارات جديدة لنقل السلاح والإمدادات العسكرية عبر البحر الأحمر وعمق القارة الإفريقية، بحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".

أدوار وظيفية

وبحسب المصادر ذاتها، فإن الموقع الجيوسياسي للسودان، المطلّ على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، والمتاخم لـ7 دول، يشكّل بوابات عبور حيوية نحو شرق إفريقيا ومنطقة الساحل والقرن الإفريقي. من ثم، لا يبدو الحضور الإيراني في الحالة السودانية مجرد دعم عسكري ظرفي ومؤقت، إنما مؤشر على استعادة أدوار وظيفية قديمة ومماثلة لما كانت عليه الأوضاع في دول ما يعرف بـ"محور المقاومة".

وقد طالت السودان اتهامات مباشرة في فترة حكم الرئيس المعزول عمر البشير باستخدام أراضيه كنقطة ارتكاز لوجستية لتهريب السلاح إلى قطاع غزة.

وكان لافتًا اعتقال الإيرانية شميم مافي في الولايات المتحدة، قبل فترة وجيزة، على خلفية اتهامها من مكتب التحقيقات الفيدرالي بالتوسط في صفقات تسليح للجيش السوداني بملايين الدولارات.

في حين أفادت وزارة العدل الأميركية بأن مافي "سهّلت عقدًا تزيد قيمته على 70 مليون دولار" لبيع طائرات مسيًرة من طراز "مهاجر-6" من وزارة الدفاع الإيرانية إلى الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان.

المصالح بين إيران والسودان

وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول مدير مركز "مرصد الساحل الإفريقي" محمد علي الكيلاني، إن العلاقة أو الارتباطات العسكرية البراغماتية بين إيران و"الحركة الإسلامية" في السودان، ذات الامتداد المرتبط بـ"الإخوان"، المصنفة على قوائم الإرهاب، لم تكن في يوم من الأيام مجرد تقاطع مصالح سياسي، فقط، بل حملت منذ بداياتها طابعًا أيديولوجيًا واضحًا.

ويشير علي الكيلاني إلى أن "الحركة الإسلامية" السودانية، منذ وصولها إلى السلطة عام 1989، اعتمدت على بناء شبكة علاقات واسعة مع تنظيمات وشخصيات مصنفة إرهابية على المستوى الدولي، كان أبرزها تنظيم "القاعدة"، عبر استضافة زعيمه السابق أسامة بن لادن في الخرطوم خلال تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب تطوير علاقات إستراتيجية مع إيران.

وعليه، فإن "الحرس الثوري" اضطلع، كما هو الوضع الآن مع الجيش بقيادة البرهان، ومنذ وقت مبكر، بمهمة الإشراف على تدريب عناصر "قوات الدفاع الشعبي" بمختلف تشكيلاتها العسكرية والأمنية في السودان خلال فترات سابقة، فضلًا عن توسيع حضوره الاستخباري واللوجستي داخل البلاد، وفق ما يوضح مدير مركز مرصد الساحل الإفريقي.

ويضيف: "السودان شكّل، لأعوام، نقطة ارتكاز لنشاط شبكات مرتبطة بـ"الحرس الثوري"، سواء في ما يتعلق بالتغلغل داخل دول إفريقية، أو في عمليات تهريب الأسلحة إلى غزة، بما انعكس على استقرار عدد من دول الجوار والمنطقة. وقد لعبت "حكومة الإنقاذ" دورًا وظيفيًا في خدمة أجندات إقليمية متشابكة، فيما لا تزال شبكات مرتبطة بجماعة "الإخوان" وإيران تنشط داخل السودان".

عسكرة الممرات البحرية 

وفي ما يتعلق بأهداف إيران في البحر الأحمر والممرات البحرية، يرى علي الكيلاني أنّ "عسكرة الممرات البحرية" تمثل أحد الأهداف الإستراتيجية الثابتة لطهران، ضمن سياسة تقوم على توسيع النفوذ غير المباشر عبر الوكلاء، موضحًا أن إيران دشنت، خلال الأعوام الماضية، شبكات نفوذ ممتدة في المنطقة، تشمل جماعة "الحوثي" في اليمن، التي تلعب دورًا محوريًا في تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

كما يبرز، هنا، موقع السودان الجغرافي بين باب المندب وقناة السويس كعامل بالغ الأهمية في الحسابات الإيرانية، خصوصًا في ظل تقارير تحدثت عن وجود تنسيق بين وكلاء إيران وبعض الجهات النافذة في بورتسودان، فضلًا عن استخدام بعض المسارات البحرية بالمنطقة لتهريب الأسلحة والمخدرات. ومن ثم، توظيف ذلك كله كـ"ورقة ضغط" و"ابتزاز سياسي وأمني" لدول البحر الأحمر، على حد توصيف مدير مركز مرصد الساحل الإفريقي.

منصة لوجستية

وحول احتمالات تحوّل السودان مجددًا إلى منصة لوجستية لنقل وإمداد السلاح لإفريقيا وشبكات النفوذ الإيرانية، يؤكد أن هذا السيناريو يظل قائمًا بالنظر إلى طبيعة العلاقة الممتدة بين طهران وبعض مراكز النفوذ داخل السودان منذ عام 1989، حيث إن السودان يمكن أن يشكّل واجهة إستراتيجية لإيران في الإقليم، سواء عبر تسهيل التحركات اللوجستية أو توفير غطاء سياسي وأمني لشبكاتها ووكلائها.

ويختتم حديثه قائلًا إن تصاعد "التمدد الإيراني الشيعي" في عدد من الدول الإفريقية، يبدو لافتًا، غير أن السودان تمثل إحدى بوابات هذا النفوذ الرئيسة نحو الإقليم، وقد كثّفت إيران، خلال الحرب السودانية، من دعمها العسكري للجيش السوداني، وشمل الدعم تزويد الجيش السوداني بطائرات مسيّرة من طراز "مهاجر-6"، إلى جانب شحنات من الأسلحة والذخائر، فضلًا عن إرسال خبراء عسكريين وفنيين إيرانيين للمشاركة في العمليات الميدانية، وتقديم التدريب والمساعدة في تشغيل وتوجيه المسيّرات القتالية.

وبحسب تقديرات ومعلومات استخباراتية وتقارير أممية، يقول علي الكيلاني: "سيّرت طهران عدة رحلات شحن جوي عبر شركات طيران مرتبطة بها، لنقل أسلحة ومعدات عسكرية إلى السودان، في خطوة تعد ضمن إستراتيجية مزدوجة تقوم على دعم الجيش السوداني بالحرب مقابل تأمين موطئ قدم لطهران على البحر الأحمر، حتى تراكم أوراق ضغط إضافية في واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة لحركة التجارة والطاقة عالميًا".

حلفاء إقليميون

إذًا، تؤكد المعطيات كافة على وجود علاقات متينة ومتطورة بين طهران وبورتسودان، وفق ما يؤكد الكاتب والباحث السياسي السوداني علي جاد الله، إلا أن وصول تقنيات الطائرات المسيّرة الإيرانية إلى ساحل البحر الأحمر لا يقتصر على أبعاده العسكرية المباشرة، بل يمتد ليشكّل تهديدًا محتملًا للملاحة الدولية وأمن القرن الإفريقي، مع ما قد يترتب عليه من نقل هذه التقنيات إلى شبكات وحلفاء إقليميين في المنطقة.

ويقول لـ"المشهد": "تبعث العلاقات بين القوى الإسلاموية داخل المؤسسة العسكرية السودانية و"الحوثي" باليمن، وبعض المجموعات المرتبطة بها في الصومال، بمخاوف متزايدة من تشابك شبكات التهريب وتجارة السلاح مع جماعات مسلحة إقليمية أخرى مثل "حماس" في غزة، بما يعمّق تعقيدات المشهد الأمني الإقليمي".

إستراتيجية "الحرس الثوري"

يتفق والرأي ذاته الكاتب والمحلل السياسي السوداني محمد المختار محمد، والذي يرجح في حديثه لـ"المشهد" أن إستراتيجية "الحرس الثوري" في السودان تتجاوز مجرد دعم حليف إلى تأسيس "مشروع استباقي"، بينما الهدف منه توسيع النفوذ الإيراني في السودان والعبور إلى إفريقيا، وذلك باستخدام السودان كنقطة ارتكاز لتهديد أمن البحر الأحمر والممرات الملاحية المائية.

ذلك ما يكشف بوضوح عن "تحول دراماتيكي" في بنية الصراع الإفريقي، حيث لم يعد السودان مجرد "ساحة حرب أهلية"، وإنما "عقدة لوجستية" حيوية في مشروع "وحدة الساحات" الذي يقوده "الحرس" في سياق تحالف أوسع مع جماعة "الإخوان"، بحسب المختار محمد، لافتًا إلى عوامل مشتركة تجمع الطرفين الأخيرين، منها فشل مشروعهما الأيدولوجي الذي لم يتبق منه غير البنية العسكرية العنيفة.

وتابع: "تمثل حالة الهشاشة التي يعيشها السودان بيئة خصبة لإيران للتمدد في إفريقيا وتهديد أمن البحر الأحمر. وهنا لا يتعامل "الحرس" مع إخوان السودان مثل بقية فروع الجماعة، وإنما كتنظيم له خبرة في حكم بلد مثل السودان لأكثر من 30 عامًا، واستطاع أن يتغلغل في بنية الدولة، ومؤسساتها العسكرية والأمنية والاقتصادية، كما يمتلك تواصل متين مع الجماعات الإسلاموية المتطرفة في إفريقيا".

استغلال بورتسودان

لذلك تعتمد إستراتيجية "الحرس" على تحويل السودان لنقطة ارتكاز شبيهة بالدور الذي لعبته سوريا تاريخيا بين العراق ولبنان، كما يوضح الكاتب والمحلل السياسي السوداني، موضحًا نقطة التباين وهي أن السودان يربط بين محور البحر الأحمر وعمق القارة الإفريقية في منطقة الساحل، بما يوفر لـ"الحرس" بناء خطوط إمداد بديلة تمكنه من تشديد الخناق على الممرات التقليدية، إذ تواصل إيران استغلال بورتسودان والقواعد الجوية، مثل قاعدة وادي سيدنا، كمنصات لاستقبال السلاح وتوزيعه نحو حلفاء إقليميين أو جماعت وظيفية في إفريقيا، وبالطبع هي "رئة اقتصادية" لإيران التي تعاني من حصار خانق بفعل العقوبات.

ويختتم حديثه قائلًا: "تعتبر جماعة "الإخوان" في السودان نموذجًا لمبادلة السلاح بالموارد وارساء اقتصاد حرب يعتمد على مبادلة المسيّرات والتقنيات العسكرية بالذهب والمعادن النفيسة السودانية عبر شبكات معقدة لتجاوز العقوبات. وهذا يعني أن هناك تحالفًا متعدد الأوجه، سياسي وعسكري واقتصادي، يساهم في إطالة أمد الحرب وإجهاض جهود التسوية كافة. كما يخلق مناخًا لجعل السودان نقطة عبور رئيسة وشبكة نقل للسلاح والإمداد نحو إفريقيا وشبكات النفوذ الإقليمية التبعة لإيران، مثلما كان السودان في عهد البشير نقطة تهريب أسلحة لـ"حماس" في غزة".

(المشهد)