يثير انتشار داء الكلب في تونس المخاوف بين التونسيين بعد الإعلان عن تسجيل عدد كبير من الوفيات بسببه.
وتحولت ظاهرة انتشار الكلاب والقطط السائبة في شوارع تونس لظاهرة مفزعة لعموم التونسيين في السنوات الأخيرة.
وتوفي 9 أشخاص على الأقل منذ بداية العام الجاري بسبب الإصابة بداء الكلب وهو أكبر رقم يسجل في تاريخ البلد.
السلطات الصحية دقت ناقوس الخطر بسبب ارتفاع عدد الإصابات بداء الكلب، ودعت التونسيين لتوخي الحذر من هذا الداء.
وفي بيان مشترك لثلاث وزرات تونسية وهي الصحة والفلاحة والداخلية صدر الأسبوع الجاري، قالت السلطات الصحية، إنّ الوضع الوبائي لداء الكلب في تونس خطير، وأعلنت تسجيل 9 حالات وفيات، مشيرة إلى أن السبب الرئيسي لأغلب حالات الوفاة لدى الإنسان بعد الإصابة بداء الكلب يعود إلى عدم تلقي العلاج الوقائي أو عدم تلقيه في الوقت المناسب أو الانقطاع عنه، بالإضافة إلى أن الحيوان المعتدي عادة ما يكون سائبًا.
حالة رعب
وتوفي هذا الأسبوع شاب يبلغ من العمر 19 عامًا بسبب داء الكلب بعد أن خدشته قبل أشهر قطة سائبة، وقالت السلطات الصحية إنه لم يتلق العلاج الكامل وهو ما أدى لوفاته.
وقالت الدكتورة، كوثر حرباش منسقة البرنامج الوطني لمكافحة داء الكلب في تونس، لقناة ومنصة "المشهد" إن الشاب تعرض إلى خدش من قطة مصابة بداء الكلب ولم يكمل علاجه لذلك تدهورت حالته الصحية.
وأثارت الحادثة حالة رعب في صفوف التونسيين الذين صاروا يخشون الاقتراب من القطط والكلاب المشردة وعددها بالآلاف.
وفي معهد باستور بالعاصمة تونس، كانت الحركة كبيرة خلال الأيام الأخيرة بسبب توافد عدد كبير من المواطنين الذين جاؤوا لتلقي جرعات العلاج الوقائي.
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي عبر عدد كبير من التونسيين الذين باتوا يتناقلون أخبار الإصابات والوفيات بسبب داء الكلب على نطاق واسع، عن خوفهم من هذه الظاهرة خصوصًا مع انتشار هذه الحيوانات في كل مكان.
وفي أغلب مدن وشوارع تونس بما في ذلك المناطق الراقية صار مشهد الحيوانات السائبة التي تعيش على مقربة من حاويات القمامة أو البنايات المهجورة في شكل مجموعات.
أرقام مفزعة
وبلغ عدد الذين تعرضوا للنهش منذ بداية العام الحالي وإلى غاية نهاية يونيو الماضي نحو 25 ألف فيما كان العدد المسجل خلال عام 2023 أكثر من 55 ألفًا.
وفي عام 2023 توفي 6 أشخاص بسبب داء الكلب فيما كان العدد في حدود وفاة واحدة في عام 2020.
وسجلت السلطات الصحية 220 إصابة بداء الكلب في العام الحالي وتقول حرباش إن "الوضع الحالي غير مسبوق في تونس"، مشددة على أن أغلب الإصابات مصدرها كلاب سائبة.
كان عميد الأطباء البياطرة التونسيين أحمد رجب قد حذر في تصريحات صحفية سابقة من خطورة الوضع معتبرا أن "المسألة باتت مسالة أمن قومي".
وأوضحت الطبيبة التونسية أن عدوى داء الكلب تنتقل إلى الإنسان من كل الحيوانات المصابة، ويمكن أن تنتقل العدوى بين كل أصناف الثدييات من الحيوانات على غرار القطط والكلاب والخرفان والماعز والأبقار وغيرها.
وتقدر السلطات عدد الكلاب في البلد بما في ذلك السائبة بـ520 ألف كلب على الأقل فيما لا تعرف نسبة الكلاب السائبة التي حصلت على تلقيح، مقابل 79 % نسبة تلقيح الحيوانات التي تقع تربيتها بالبيوت.
إجراءات مستعجلة
وأعلنت السلطات جملة من الإجراءات المستعجلة لمكافحة هذه الظاهرة من بينها وضع نقاط في عدد من المحافظات لتلقيح القطط مجانًا.
وأطلقت حملة واسعة لتلقيح الكلاب ودعت المواطنين للتوجه لهذه المراكز لتلقيح حيواناتهم.
وصنفت عددًا من محافظات تونس مناطق حمراء لانتشار إصابات داء الكلب بنسب كبيرة، وهي مناطق الوسط والشمال الغربي وتونس الكبرى.
لكن الإشكال الحقيقي يظل في وجود عدد كبير من الكلاب الضالة بالشوارع لم تحصل على التطعيم وتتكاثر بسرعة كبيرة وفق ما يؤكده أغلب الأطباء البياطرة.
موضوع جدالي
وعادة ما تلجأ السلطات لطريق القنص للتخلص من الكلاب السائبة لكن هذه الطريقة خلقت جدلاً كبيرًا في البلد خصوصًا في ظل تنامي أصوات المدافعين عن حقوق الحيوانات.
ويرفض الناشطون والجمعيات التي تدافع عن الحيوانات قنص الكلاب السائبة للحد من انتشارها وتكاثرها.
ونظم عدد منها في مناسبات عديدة تظاهرات للتنديد بقنص الكلاب.
ويقول سليم الجربي وهو ناشط جمعوي وعضو جمعية تعنى بقطط وكلاب الشوارع إن السلطات تهاونت في التصدي لظاهرة الكلاب السائبة طيلة السنوات الماضية رغم كل النداءات التي أطلقها نشطاء المجتمع المدني، مضيفًا في تصريح لـ"المشهد"، "دائمًا ما تلجأ السلطات عندما يشتد الضغط عليها وتتزايد شكايات المواطنين للحل الأسهل وهو قنص الحيوانات"، معتبرًا أن ذلك يعتبر عملاً متوحشًا مخالفًا للإنسانية.
وكثيرًا ما انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي في الأعوام الأخيرة صور ومقاطع فيديو لحيوانات تم قنصها ما أثار موجة غضب عارمة.
ويؤكد الجربي أن مكافحة ظاهرة انتشار الكلاب السائبة يجب أن تكون من خلال إطلاق حملات تلقيح واسعة تراعي حق هذه الحيوانات في الحياة ولا تعاملها بوحشية.
ويوافق الطبيب البيطري حمدي المزغني الجربي هذا الرأي، مؤكدًا أن القنص يقدم حلاً مؤقتا للظاهرة لكنه لا يحلها بشكل نهائي، مشددًا على ضرورة دفع نسق حملات تعقيم وتلقيح الكلاب الضّالّة حتى لا يتفاقم عددها.
ويشدد في تصريح لـ"المشهد" على أن هذا الحل يعطي ثماره على مدى بعيد ويقلص من تكاثر الكلاب الضالة التي لن تشكل خطرًا على صحة المواطن خصوصًا عند تطعيمها.
وفي تونس أطلقت في السنوات الأخيرة عدد من البلديات حملات واسعة لتلقيح وتعقيم الكلاب لكن هذه البرامج تصطدم بضعف موازنات البلديات.
(المشهد)