في الذكرى الأولى لوفاة الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي، لا تزال الأسئلة تحوم حول ملابسات الحادث الذي أودى بحياته، رغم صدور التقرير الرسمي الذي يعزو الحادث إلى ظروف جوية معقدة. في الوقت ذاته، يشهد المشهد السياسي الإيراني تحولات ملحوظة مع صعود التيار الإصلاحي، مما يفتح آفاقًا جديدة للعلاقات مع الغرب، أبرزها ما يتعلق بالملف النووي.
ذكرى مقتل إبراهيم رئيسي
في 19 مايو 2024، تحطمت مروحية تقل الرئيس إبراهيم رئيسي و7 من مرافقيه، بينهم وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، في منطقة جبلية شمال غربي إيران.
وأعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية في تقريرها النهائي، الصادر في سبتمبر 2024، أن الحادث نتج عن "ظروف مناخية معقدة"، بما في ذلك ظهور مفاجئ لضباب كثيف أدى إلى اصطدام المروحية بالجبل. وأكد التقرير عدم وجود أي مؤشرات على أعمال تخريب أو هجوم خارجي.
لكن رغم النتائج الرسمية، لم تتوقف الشكوك حول احتمال وجود عوامل أخرى وراء الحادث. بعض المحللين أشاروا إلى أن الطائرة، وهي من طراز Bell 212 الأميركي الصنع، كانت قديمة وتعاني نقصا في الصيانة بسبب العقوبات المفروضة على إيران، مما قد يكون ساهم في الحادث، فيما ذهب البعض الآخر بالقول إن تل أبيب تقف وراء تصفيته خصوصا بعد ما لحقه من عمليات واغتيالات لقيادات في المحور الإيراني، أما فريق ثالث فربط الحادث بخلاف داخلي مع المرشد الأعلى.
صراع المحافظين والمتشدّدين
وأدى غياب رئيسي، الذي كان يُعتبر ظاهريا من المحافظين المتشددين والمقربين من المرشد الأعلى علي خامنئي، إلى تغييرات في الساحة السياسية الإيرانية، إذ شهدت الانتخابات التالية صعودًا للتيار الإصلاحي، مما أعاد الأمل في إمكانية تحسين العلاقات مع الغرب، خصوصا فيما يتعلق بالملف النووي ورفع العقوبات الاقتصادية وهو ما ظهر جليا في الانفتاح على التفاوض مع أميركا منذ فوز الرئيس دونالد ترامب بولاية ثانية من حكم البيت الأبيض.
لكن حتى رئيسي كان منفتحا على الحوار وهو ما يزيد من تعقيدات صعوبة رفض الرواية الرسمية حول مقتله. ففي آخر ما تكشف قبل أسبوع، أوضح عضو في البرلمان الإيراني أن إدارة الرئيس السابق انخرطت في مفاوضات نووية لكنها حجبت المعلومات عن الجمهور عمدا لتجنب تقلبات السوق.
ونقل موقع "إيران إنترناشيونال" عن ميثم زهوريان، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان، قوله إن: "حكومة رئيسي تفاوضت أيضًا، لكنها لم تُطلع الشعب على الأمر. جرت محادثات، لكن المجتمع لم يكن على دراية بها، لذلك لم يتأقلم نفسيًا مع مناخ المفاوضات". وأضاف:
- لم يؤثر تقدم أو فشل المحادثات على سعر الصرف لأن الحكومة لم تُشرّع عملية التفاوض.
- لم يكن الناس يعرفون من جاء ومن رحل، وهذا النقص في الوعي أبقى التوقعات تحت السيطرة.
شكوك حول مقتل رئيسي
وعن الشكوك حول مقتل رئيسي من قِبل الشعب، قال الباحث في الشؤون الإيرانية وجدان عبد الرحمن إن هذا الأمر محسوم بالنسبة لكثير من المواطنين الإيرانيين، إذ يعتقدون أن إبراهيم رئيسي قد تم اغتياله.
وأضاف المتحدث ذاته في تصريح لـ"المشهد" أن هناك آراءً مختلفة حول الجهة المسؤولة عن هذا الاغتيال. "فالبعض يعتقد أن إسرائيل هي من نفذته، بينما يرى آخرون أنه تمت تصفيته داخليًا بسبب فشله في إدارة شؤون البلاد".
علاقة تفجيرات البيجر
من جهته، اعتبر الباحث السياسي الفلسطيني المتخصص في الشأن الإسرائيلي عادل شديد أن الذي عمّق تلك الشكوك ما حدث مع أجهزة البيجر مع الآلاف من عناصر وقادة "حزب الله" بعد مقتل الرئيس الإيراني بحوالي 4 شهور، "ولكن هذا الموضوع أصبح طي الكتمان ولا أظن أنه من مصلحة النظام كشف ما حدث إن كان فعلا عملية اغتيال مدبره.
أما فيما يتعلق بالتحقيقات الإيرانية، فقال المحلل السياسي وجدان عبد الرحمن أن ثقة المواطنين بها شبه منعدمة. "وهذا الانعدام في الثقة لم يقتصر على المواطنين فقط، بل امتد ليشمل أفرادًا داخل المؤسسات الحكومية العليا، حيث يُعبر العديد منهم عن عدم ثقتهم بمصداقية وفعالية هذه التحقيقات".
تفجيرات نطنز ورجائي
واعتبر وجدان أن هذا ليس أمرًا جديدًا، فهناك سوابق عديدة، مثل اغتيالات، وحرائق، وتفجيرات وقعت في البلاد، ولم تنجح التحقيقات الإيرانية في تقديم أي دلائل مقنعة بشأنها، معللا رأيه بأمثلة من قبيل:
- لا يزال مقتل هاشمي رفسنجاني يثير الشكوك، حتى بين أفراد أسرته، الذين يعتقد بعضهم أنه تم اغتياله، سواء بصفته رئيسًا سابقًا أو رئيسًا لمجمع تشخيص مصلحة النظام.
- تفجيرات منشآت نطنز وفوردو وغيرها من المواقع النووية، لم تُقدم بشأنها أي نتائج واضحة حتى الآن.
- وكذلك حادثة إسقاط الطائرة الأوكرانية، التي أنكرت إيران مسؤوليتها عنها في البداية، ولم تُعلن حتى اليوم عن الجهة التي تقف خلفها.
وأضاف وجدان أن الحال نفسه ينطبق على سلسلة الحرائق والتفجيرات الأخيرة، مثل تلك التي حدثت في ميناء رجائي، والتي تُعد كارثة بكل المقاييس، ومع ذلك لا تزال التحقيقات غامضة وغير شفافة.
واختتم وجدان حديثه: "لذا، فإن الشكوك حول التحقيقات الإيرانية تُعد منطقية ومبررة، ليس فقط من قِبل المواطن الإيراني، بل وحتى داخل مؤسسات النظام نفسه".
رئيسي ومفاوضات النووي
وعن إمكانية حدوث اختراق في مفاوضات النووي بين واشنطن وطهران في حال استمرار رئاسة إبراهيم رئيسي، قال عادل شديد لـ"المشهد":
- لا أظن ذلك لأن المسؤول الأعلى والذي يمتلك القرار هو المرشد الأعلى للثورة الإسلامية وليس الرئيس الإيراني.
- من مصلحة المحافظين في إيران أن يكون الرئيس الإيراني بهذه الفترة وفي ذروة المفاوضات التي يراد منها تجنيب إيران حربا مدمرة، وبالوقت نفسه رفع العقوبات والحصار المالي مع استكمال المشروع النووي السلمي.
- مصلحة النظام وإيران كما المحافظين كما مصلحة المرشد الأعلى أن يكون الرئيس من الإصلاحيين وذلك لخلق حالة من التوازن في الداخل الإيراني ثم لنزع الذريعة الأميركية والغربية أن هناك تصلبا بموقف المسؤولين الإيرانيين لذلك لا أظن أن هناك تغييرا كان من الممكن أن يحدث لو بقي رئيسي على رأس عمله كرئيس لإيران.
- وجود مسعود بزشكيان قد يكون أفضل من رئيسي.
(المشهد)