عاود السجال العنيف والمحتدم بين التيارين الإصلاحي والمتشدد في إيران، بعدما اتهمت الأخيرة الإصلاحيين بأنهم مجرد "أصول سياسية لإسرائيل والولايات المتحدة"، الكشف عن حجم الانقسام داخل نظام "الولي الفقيه" والذي بلغ حدودًا قصوى، بينما انتقل من مربع التنافس السياسي إلى الاتهام بـ"العمالة". ولطالما كانت هذه التهمة بداية صعود خصوم النظام لمنصة الإعدام.
تغييب المرشد
وفي ما يبدو أن غياب أو بالأحرى تغييب المرشد الإيراني مجتبى خامنئي يساهم في حالة الانسداد السياسي المتزايدة، الأمر الذي له تداعيات جمّة على مسار الحرب والمفاوضات.
فيما يرى مراقبون تحدثوا لمنصة"المشهد" أن التطورات الأخيرة تعكس صراعًا، غير مسبوق، داخل مؤسسات وأجهزة الحكم التي يتمفصل فيها "الحرس الثوري"، ويباشر في حلحلة القوى المنافسة، بهدف أن يتسيّد سلطة ومركز القرار.
وكانت صحيفة "كيهان"، التي يعيّن رئيس تحريرها من قبل المرشد الإيراني، قد شنّت هجومًا حادًا على الإصلاحيين والداعين إلى التفاوض، ووصفتهم بأنهم يخدمون المصالح الأميركية والإسرائيلية، فيما حذرت صحف مقربة من التيار الإصلاحي بينها "إيران" و"هم ميهن" و"آرمان ملي"، من كلفة استمرار المواجهة العسكرية، مطالبة بضرورة تبني مقاربة توازن بين الردع والدبلوماسية لتجنب تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
وعليه، فإن المصادر ذاتها، ترى أن ما يجري في إيران يتجاوز مشهدية الانقسام أو التنافس التقليدي بين أجنحة النظام، بل يؤكد حقيقة سياسية مفادها أن "الحرس الثوري" يمثل الفاعل الأكثر تأثيرًا في صناعة القرار الإستراتيجي، وأن الخلاف الدائر يتعلق بإدارة النظام وآليات الحفاظ عليه أكثر من كونه خلافًا حول تغيير بنيته أو توجهاته الأساسية.
توازنات السلطة
وبين هاتين المقاربتين، يبرز تساؤل رئيس حول ما إذا كان الانقسام الراهن يعكس أزمة عرضية مؤقتة فرضتها تداعيات الحرب، أم أنه يمثل تحولًا بنيويًا قد ينعكس على مسار المفاوضات، وتوازنات السلطة داخل إيران، وطريقة تعاطي النظام مع الضغوط الداخلية والخارجية في المرحلة المقبلة.
وفي صحيفة "كيهان" قبل أيام، ألمحت إلى تقرير زعمت أنه صادر عن "معهد دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي (INSS)، بينما جاء فيه أن الإصلاحيين هم الخيار الأكثر استعدادًا للعب دور في إقامة نظام سياسي جديد تدعمه الدول الغربية، وأن شخصيات إصلاحية تدعو إلى استئناف المفاوضات من دون شروط، وتعليق تخصيب اليورانيوم، والإفراج عن محكومين في قضايا أمنية، وإلغاء مؤسسات مثل "الحرس الثوري".
وضمن محاولات إدراج أو تطويق التيار الإصلاحي بالاتهام الذي أصدرته الصحيفة المقربة من المرشد الإيراني، قالت إن الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة يشتركان في هدف إضعاف إيران، لكنهما يختلفان في الوسائل، إذ يعتمد الجمهوريون على الضغوط العسكرية، بينما يراهن الديمقراطيون على أدوات سياسية مثل الاتفاق النووي، وهو ما يستدعي "وجود تيار إصلاحي" داخل إيران التي تؤدي، بالتبعية، دورًا وظيفيًا لخدمة هذا الاتجاه.
العمالة لإسرائيل
وفي حديثه لمنصة "المشهد"، قال الكاتب الإيراني المتخص في شؤون الشرق الأوسط مهدي رضا، إن الهجوم المتبادل بين أجنحة النظام الحاكم في إيران لم يعد مجرد سجال إعلامي بين تيارين، بل أصبح تعبيرًا عن صراع حاد حول الطرف الذي يبحث عن إدارة مرحلة ما بعد الحرب بالكلية وفرضت سيطرته على مراكز القرار، ومن ثم الطرف الذي سيتحمل مسؤولية نتائج الحرب العسكرية والاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح رضا أن اللهجة "العدائية التخوينية" التي تستخدمها "كيهان" ضد الأصوات القوى المطالبة بالتفاوض تكشف خطورة هذا التحول، إذ لم تعد الصحيفة المحافظة والمتشددة تكتفي باتهام خصومها بالضعف، وإنما تتهمهم بـ"العمالة لإسرائيل".
وتابع: "هذا يعني أن جناح "الحرس" الإرهابي يمهد لنقل الخلاف السياسي إلى مستوى التخوين والملاحقة، حتى لا يتمكن أي طرف داخل السلطة من مسائلته عن قرار استمرار الحرب أو عن الكلفة التي يتحملها الشعب".
وأضاف الكاتب الإيراني المختص في شؤون الشرق الأوسط، أن الجناح الحكومي يرد، بصورة غير مباشرة، عبر التحذير من حرب استنزافية تلتهم الاحتياطيات العسكرية، وتزيد التضخم والبطالة، بينما تدفع الاستثمار والإنتاج إلى مزيد من التراجع. كما بدأت صحف محسوبة على هذا التيار تسأل علنًا عن أولئك الذين يدعون إلى التصعيد، بينما يستعدون للاختباء في الملاجئ، ويتركون المواطنين يواجهون نتائج قراراتهم.
إسقاط النظام
وأشار رضا إلى أن جوهر النزاع ليس الاختلاف حول السلام أو الحرب، بل حول كيفية الحفاظ على النظام، موضحًا أن "الحرس" يرى في استمرار حالة الطوارئ وسيلة لتوسيع سلطته على الدولة والاقتصاد والإعلام، بينما تتخوف الحكومة أن تؤدي هذه السياسة إلى انفجار اجتماعي تتحمل هي وحدها مسؤوليته أمام الناس.
غير أن هذا الانقسام لا يفتح طريقًا للإصلاح، وفق المصدر ذاته، حيث إن الطرفين هما "جزء من بنية ولاية الفقيه"، بالتالي فـ"الحل يكمن في إسقاطه بإرادة الشعب والمقاومة المنظمة وإقامة جمهورية ديمقراطية تفصل الدين عن الدولة".
يتفق والرأي ذاته، المعارض الإيراني مهدي عقبائي، والذي يرى أن ما تشهده إيران لا يقتصر على خلاف سياسي بين تيارين، بل يعكس أزمة بنيوية داخل النظام برزت بوضوح عقب الحرب الأخيرة، مشيرًا إلى أن الانقسام انتقل للمرة الأولى من دوائر صنع القرار المغلقة إلى صفحات الصحف الرسمية.
وتابع: "الخلاف لم يعد يقتصر على كيفية التعامل مع الولايات المتحدة، بل امتد إلى مستقبل النظام نفسه، إذ إن "الحرس الثوري" يرى في أي تراجع سياسي تهديدًا لنفوذه داخل بنية الحكم، فيما تخشى الحكومة من أن يؤدي استمرار النهج الحالي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية واتساع حالة الاحتقان الشعبي".
الدولة العميقة
اعتبر الباحث المتخصص في الشؤون السياسية والدبلوماسي السعودي السابق سالم عسكر اليامي أن توصيف المشهد السياسي الإيراني باعتباره صراعًا بين "إصلاحيين" و"متشددين" لا يعكس حقيقة مراكز القوة داخل النظام، مشيرًا إلى أن "الحرس الثوري" يمثل، بعد المرشد، مركز الثقل الحقيقي في صناعة القرار، ويمسك بمفاصل الدولة العميقة.
وقال اليامي لـ"المشهد"، إن الانقسام داخل النظام الإيراني ليس جديدًا، إذ يعود إلى قيام "الجمهورية الإسلامية"، لكنه يطفو على السطح خلال الأزمات الكبرى، كما يحدث في ظل المواجهة الحالية مع الولايات المتحدة، مرجحًا أن تتصاعد حدته إذا أخفقت الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق.
وأضاف أن الهجمات التي يشنّها "الحرس الثوري" على شخصيات سياسية ليست سابقة من نوعها، مستشهدًا بحملات التخوين التي طالت الرئيس الإيراني ووزير الخارجية، إلى جانب وقف بث مقابلة مسجلة للرئيس على التلفزيون الرسمي. ورأى أن اتهام الخصوم بـ"العمالة" للولايات المتحدة وإسرائيل يمثل إحدى أبرز أدوات "الحرس الثوري" في مواجهة خصومه السياسيين، بدعم من وسائل إعلام مقربة منه.
وأشار الباحث المتخصص في الشؤون السياسية والدبلوماسي السعودي السابق إلى أن مؤشرات الانقسام بين دوائر صنع القرار باتت أكثر وضوحًا لدى الأطراف المنخرطة في جهود الوساطة، خصوصًا باكستان وقطر وسلطنة عُمان، موضحًا أن هذه الأطراف أصبحت تحرص على التحقق ميدانيًا من المواقف الإيرانية عبر لقاء المسؤولين الذين يسمح "الحرس الثوري" بالتواصل معهم، في ظل تباين واضح داخل مؤسسات الحكم.
(المشهد)
