في هذه الأثناء لا صوت في مصر يعلو فوق الحديث عن أزمة شرائح الهواتف المحمولة في مصر، وذلك بعد اكتشاف الكثير من المواطنين وجود خطوط مسجلة بأسمائهم دون علمهم لدى شركات الهواتف المحمولة العاملة داخل البلاد مؤخراً، وهو ما أثار جدلاً واسعاً بين عموم المصريين.
وفي تطور جديد لتلك الأزمة التي انتشرت كالنار في الهشيم داخل البلاد، صعّد الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر إجراءاته لمواجهة تسجيل خطوط الهاتف المحمول بأسماء مواطنين من دون علمهم، وقرر إحالة شركات المحمول الـ4 العاملة في البلاد إلى النيابة العامة للتحقيق في مخالفات تسجيل الخطوط، معلناً اتخاذ ما سماه "إجراءات تنظيمية حاسمة" لحماية حقوق المواطنين.
وتصاعدت أزمة وجود خطوط جوالة مجهولة بأسماء مشتركين لدى شركات الهواتف المحمولة بمصر، في أعقاب قضية جنائية انتهت بسجن طالب جامعي يُدعى عمرو عمارة، والذي فوجئ بصدور حكم غيابي ضده بالسجن 25 عاماً في قضية اتجار بالمواد المخدرة، بعدما ورد رقم هاتف جوال مسجل باسمه ضمن تحقيقات القضية، قبل أن تنتقل حيازته إلى شخص آخر من دون علمه، وهو الأمر الذي أثار مخاوف عديدة لدى الكثير من المصريين.
شهاداتٌ لمتضررين
قضية الطالب الجامعي لم تمر مرور الكرام داخل مصر، حيث دفعت الكثير من المواطنين إلى الاستعلام عن خطوط المحمول المسجلة بأسمائهم، عبر تطبيق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات "My NTRA"، ووثقت منصة "المشهد" عدداً من شهادات هؤلاء المواطنين.
يصف نبيل فتحي صاحب الـ 62 عاماً قضية خطوط التليفون "بالخطيرة"، مستكملاً حديثه بأنه اضطر للدخول على تطبيق "My NTRA " من أجل معرفة عن ما إذا كانت هناك خطوط مسجلة باسمه من عدمه، في ظل حالة اللغط الدائرة في هذه الأيام حول هذا الموضوع، مشيراً إلى أنه تفاجأ بعد البحث على التطبيق بوجود عدد 2 خط لدى شركات الاتصالات مسجلين باسمه في يوم واحد.
وأوضح فتحي أنه ذهب إلى فروع هذه الشركات وأبلغهم بإنكاره وعدم معرفته لهذين الخطين، ولم يكتف بذلك فقط بل أكد أنه سيقوم باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة كافة ضد تلك الشركات؛ بسبب ما أطلق عليه "تزوير في التوقيع".
أما عمرو أحمد الطالب بالفرقة الـ4 بكلية التجارة، فيقول إنه لم يعط لهذه الأزمة أي اهتمام في البداية، ولم يكن يتوقع أن تكون هناك خطوط جوالة مسجلة باسمه خصوصاً وأنه يملك خطين لإحدى شركات المحمول، لكنه قرر أن يبحث عن هذا الأمر بعد تصاعد الموضوع خلال اليومين الماضيين.
وأوضح أنه شعر بالصدمة بعد اكتشافه وجود 3 خطوط مسجلين ببياناته الشخصية دون علمه، مؤكداً أنه سيقوم برفع دعوى أمام المحكمة الاقتصادية ضد الشركات التي قامت بذلك، من أجل الحصول على تعويض وسجن كل من ساهم في تزوير التوقيع الخاص به، وقام باستخراج أرقام بدون علمه.
أزمة قديمة
ومن جهتها كشفت وكيل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب المصري الدكتورة مها عبد الناصر، أن قضية الخطوط المسجلة بأسماء مواطنين دون معرفتهم تعود إلى وجود خطوط قديمة لم تكن بيانات أصحابها مسجلة بالطرق الصحيحة، حيث إنه في بعض الحالات تم تسجيل الخط باستخدام رقم قومي لا يخص حامل الخط الفعلي، إلى جانب بعض خطوط الشركات التي لم تكن بيانات مستخدميها مدققة بالشكل الكافي.
وأضافت عبد الناصر في تصريحات لـ"المشهد" أن مشكلة تشغيل أرقام موبايلات بدون رقم قومي تعود إلى عام 1996، أي منذ انطلاق المحمول في مصر، وعند تحديث البيانات قام بعض الموظفين بتسجيل الخطوط بأي بطاقة بدون علم أصحابها لتفادى إيقاف تلك الخطوط.
وأشارت إلى أن الدولة بذلت جهودا كبيرة خلال الأعوام الماضية في تقنين وتدقيق ملكية خطوط الهواتف المحمولة، إلا أن حل هذه القضية لم ينته بشكل كامل خصوصاً مع تسجيل بيانات غير صحيحة لدى أعداد كثيرة من الحالات.
وأوضحت مها عبد الناصر أنه في حال اكتشاف أي مواطن لأي خطوط موبايل مسجله باسمه وبياناته الشخصية دون معرفته بذلك، فيجب عليه التوجه بشكل عاجل إلى أي فرع لشركة المحمول التابع له الرقم، وتقديم إقرار بعدم حيازته لهذا الخط ولا يعرف عنه شيء، مبينةً ضرورة أن يقوم موظف الشركة بالتوقيع على الإقرار الذي قدمه المواطن، على أن يحتفظ الأخير بصورة ضوئية منه باعتباره سنداً له على عدم امتلاكه ومعرفته بهذا الخط.
وأشارت إلى أنه بعد اتخاذ هذه الإجراءات تقوم الشركة التابع لها الخط بإغلاقه خلال 24 ساعة من استكمال كافة الإجراءات المتعلقة بالموضوع، مبينة في الوقت ذاته أن الحديث عن تعويضات للمتضررين من قبل شركات المحمول سابق لأوانه، ولا يجب الخوض فيه إلا بعد انتهاء التحقيقات التي تجريها النيابة العامة.
أبرز أسباب المشكلة
ومن جهته يرى رئيس شعبة المحمول بالغرفة التجارية في مصر المهندس محمد طلعت في حديثه لمنصة "المشهد" أن مشكلة الخطوط مجهولة الهوية والتي تفاقمت مؤخراً، تعود إلى أسباب متعددة وذكر أن من أبرزها الآتي:
- بيع الخطوط قديماً بأسعار ضئيلة دون التدقيق في بيانات المشتري.
- قيام بعض موظفي المبيعات بشركات الاتصالات بتسجيل عدة خطوط برقم بطاقة لشخص واحد دون معرفته، من أجل تحقيق المستهدفات البيعية (Target) المفروضة عليهم من الشركات، وإعادة بيعها لمن يحتاجون خطوطًا بلا بيانات.
وأضاف أن الحكومة تدخلت لمنع هذه الممارسات، وقامت بالفعل في إيقاف التعامل مع التجار في بيع الخطوط، إلا أن الضغط على بعض الموزعين لتحقيق أرقام مبيعات معينة دفع البعض إلى ارتكاب ممارسات غير سليمة في تسجيل الخطوط.
ويبدو أن اكتشاف خطوط هواتف مسجلة بالرقم القومي لمواطنين دون علمهم تجاوز مجرد كونه خلل إداري، بل أصبح مصدر قلق قانوني للكثيرين، لأنه قد يجد صاحب الرقم نفسه مسؤولاً عن خط لا علاقة له به، بل وربما يواجه تبعات قانونية على أفعال ارتكبها شخص آخر، لذا طالب طلعت المواطنين بضرورة مراجعة الخطوط المسجلة بأسمائهم وبياناتهم الخاصة، بالإضافة إلى الشروع بشكلٍ فوري في إيقاف أي خطوط في غير حيازتهم الشخصية، وذلك من أجل الحفاظ على سلامتهم، وعدم تعرضهم لأي مساءلة قانونية.
وبحسب طلعت فإنه من السهل على المواطنين إثبات عدم حيازتهم للخط رغم أنه مسجل باسم شخص لا يستخدمه، وذلك من خلال تطبيق (My NTRA)، موضحاً أنه بمجرد اكتشاف خطوط لا يستخدمها يجب عليه إبلاغ الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة مع شركات المحمول، وإلغاء هذه الخطوط.
أكد رئيس شعبة المحمول أن صرامة العقوبات هي الضمانة الأساسية لانضباط سوق الاتصالات في مصر، مشدداً على ضرورة فرض عقوبات مالية رادعة بحق شركات الاتصالات المخالفة، ويثبت تورطها في تسجيل خطوط ببيانات غير حقيقية، والتي تصدر خطوطاً ببطاقات أشخاص دون علمهم، لمنع تكرار هذه الممارسات في المستقبل.
وطالب بأهمية استمرار العمل على تطوير منظومة تسجيل الخطوط ورفع كفاءة آليات التحقق والرقابة، بما يحمي بيانات المواطنين، ويحد من أي استخدام غير مشروع لخطوط المحمول.
خطوة ضرورية
وثمنت وكيل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب المصري الدكتورة مها عبد الناصر، القرار الصادر من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر، والمتضمن إحالة شركات المحمول إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيقات، واصفة القرار بالخطوة الهامة باتجاه ضبط منظومة الاتصالات وإحكام الرقابة عليها، كما أنه جاء استجابة لمطالب المواطنين المتضررين.
ولفتت إلى أنها سبق وأن طالبت بفتح تحقيقات موسعة داخل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وفي شركات المحمول نفسها، من أجل العمل على تعزيز الرقابة على منظومة الخطوط والتأكد من تطبيق قواعد الحوكمة المطلوبة.
ولفتت إلى أن حزمة الإجراءات التنظيمية العاجلة التي اتخذها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات عقب الأزمة، والتي كان من بينها وقف بيع أو تفعيل أي خطوط جديدة من خلال أنظمة الشركات للجهات والمؤسسات، من شأنها أن تعمل على تشديد الرقابة على إجراءات تسجيل خطوط المحمول وربطها بالمستخدمين الفعليين، ووصفت هذه الخطوة بالهامة لمنع وقوع أي تجاوزات أو استخدام غير مشروع لبيانات المواطنين.
وفي السياق نفسه طالبت مها عبد الناصر بضرورة استكمال جهود تطوير منظومة الاتصالات من خلال تطبيق الهوية الرقمية، باعتبارها إحدى الخطوات التي يمكن أن تدعم عمليات التحقق من هوية المستخدمين، كما أنها ستساعد على ربط الخدمات الرقمية بأصحابها الحقيقيين.
وأوضحت أن إجراءات الهوية الرقمية للتأكد من مالك خط المحمول ستتم من خلال الهاتف الذي يمتلكه الشخص ويقع بحوزته، وذلك من خلال صورة بطاقة الرقم القومي، واستخدام كاميرا الموبايل، بينما يتوجب على المواطنين الذين يمتلكون هواتف لا تحتوي على كاميرا إلى فروع شركات الاتصالات لإنهاء تلك الإجراءات، وتوقعت أن الانتهاء من صياغة الهوية الرقمية وإخراجها إلى النور ستكون قبل بدء دور الانعقاد المقبل، أي خلال شهر من الآن.
(المشهد)
