منذ أن بدأت إسرائيل عملياتها العسكرية ضد إيران بهدف منعها من استكمال برنامجها النووي في ساعة مبكرة من صباح 13 يونيو الحالي، لم تكتف فقط باستهداف المنشآت النووية ولكن تضمنت الضربات عمليات اغتيال واسعة لعلماء نوويين إيرانيين.
بالإضافة إلى استهداف المنشآت النووية، قصفت إسرائيل مناطق عسكرية وحيوية في إيران كما اغتالت عددًا كبيرًا من القادة العسكريين الإيرانيين.
ومع دخول الحرب أسبوعها الثاني، قالت وسائل إعلام إيرانية إن عالمًا نوويًا إيرانيًا قُتل رفقة زوجته صباح اليوم السبت، في إشارة إلى استمرار إسرائيل باستهداف العلماء النوويين بهدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
اغتيال علماء إيران
وقال محللون في حديث لمنصة "المشهد" إن استهداف العلماء النوويين في إيران جزء من إستراتيجية الاستهداف عالي القيمة التي تتبعها الاستخبارات الإسرائيلية بهدف إضعاف المشروع النووي الإيراني عبر تحييد الخبرات العلمية الوازنة التي لها دور في تطوير المشروع.
وقال الخبير في الشأن الإيراني، الدكتور محمد محسن أبو النور، إن إسرائيل تستهدف العلماء في إيران لأنها تعرف أن المشكلة في إيران تكمن في سباق الوصول للمعرفة وأن إيران عندما تصل إلى المعارف النووية فإنها بذلك تكون قد امتلكت ضمنيًا السلاح النووي.
وأضاف في حديث لمنصة "المشهد": "بغض النظر عن تمكن إسرائيل من تدمير المنشآت النووية وحتى لو تم إخراج المنشآت النووية من الخدمة فإن المعارف في العقول التي تستطيع إنشاء مفاعلات نووية أخرى ولكن في حال استهداف العلماء فمن الصعب تعويضهم".
وأشار إلى أن إيران لجأت في السنوات الأخيرة إلى تدريب كوادر من العلماء الصغار على يد العلماء الكبار لنقل المعارف والعلوم التقنية النووية، لافتاً إلى وجود بروتوكول لتدوين المعادلات النووية بشكل يسمح لهذه الدولة باستخدام هذه المعارف حال تعرض أحد العلماء إلى الاغتيال.
بدروه، قال المتخصص في الشأن الإيراني، أسامة الهتيمي، إن استهداف العلماء النوويين يعكس طبيعة الهدف الأساسي من الضربات الإسرائيلية الموجهة لإيران والتي كانت ولم تزل ورقة ضغط قصوى على النظام الإيراني للقبول بالإملاءات والشروط الأميركية المتعلقة بوقف تخصيب اليورانيوم".
تعطيل البرنامج النووي الإيراني
وأضاف في حديث لـ"المشهد" أن إسرائيل وأميركا تنظران إلى العلماء النوويين باعتبارهم جزءًا من البرنامج النووي ومن ثم فإن اغتيال أكبر عدد منهم يحجّم من نشاط إيران النووي أو على أقل تقدير يؤجل عملية التطوير في اتجاه ما يُعتقدُ أنه محاولة إيرانية لامتلاك سلاح نووي.
من جانبه، أوضح الباحث في الشؤون الإقليمية والدولية، أحمد سلطان، أن قتل العلماء النوويون يعطل بلا شك قدرات طهران على تطوير مشروعها.
وقال في حديث لـ"المشهد": "السؤال هنا حول مدى جدوى هذا التعطيل لأننا في هذه اللحظة تدرك إسرائيل أن طهران ليست بادئة حديثًا في مشروعها ولكن هي بدأت منذ عقود وهؤلاء العلماء دربوا أجيالًا جديدة ولديهم بدائل موجودين في طهران".
وأشار إلى أنه على الرغم من تأثر إيران بقتل علمائها النووين إلا أن هذه الاستهدافات تكشف عن أمر آخر وهو إدراك إسرائيل أنها لا تستطيع القضاء على المشروع النووي الإيراني تمامًا.
وأضاف سلطان "هناك حدود لقدرة السلاح والقوة مهما بلغت... أما فكرة التعطيل فهي واردة فقد يعطل المشروع الإيراني لشهور أو سنوات وسيتطلب ذلك بعض الإجراءات من الجانب الإيراني للوصول إلى الدرجة نفسها التي كانوا عليها قبل بدء الضربة".
ووفق تقارير غربية فإن تل أبيب وضعت خططًا للهجوم على إيران منذ أشهر، حيث لعبت التكنولوجيا دورًا كبيرًا في تحديد الأهداف بدقة خصوصًا فيما يتعلق باغتيال الشخصيات المهمة في طهران.
وبحسب تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" الأميركية، استخدمت إسرائيل أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، وفقًا لما ذكره ضابط مخابرات مشارك في اختيار الأفراد والمواقع المستهدفة. وقال إنّ الذكاء الاصطناعي استُخدم لمساعدة الإسرائيليين على غربلة كميات هائلة من البيانات التي حصلوا عليها بسرعة.
ومنذ بداية الصراع، كشفت تقارير أن إسرائيل اغتالت أكثر من 14 عالمًا نوويًا كانوا على صلة بتطوير البرنامج النووي في إيران.
وقالت صحيفة "جيرزواليم بوست" الإسرائيلية إن مسؤولي الاستخبارات الإسرائيلية صنفوا علماء إيران النوويين إلى 4 مستويات للقضاء عليهم، مُرتّبين إياهم من الأعلى إلى الأدنى أولوية.
ووفق الصحيفة "صُنِّف العلماء الأكثر خبرةً عسكريةً والذين يصعب استبدالهم في أعلى المراتب. ثم أعدَّت إسرائيل قائمةً للاغتيالات، جاهزةً للتنفيذ فورًا، وعلى رأسها أخطر العلماء".
أب البرنامج النووي الإيراني
أشارت الصحيفة إلى أن الضربات الإسرائيلية تمكنت من قتل جميع العلماء المستهدفين في بداية الضربة، لافتة إلى أنّ العلماء والخبراء القتلى شخصيات محورية في البرنامج النووي الإيراني، بخبرةٍ تراكميةٍ تمتد لعقودٍ في تطوير الأسلحة النووية. وكان العديد منهم خلفاء مباشرين لمحسن فخري زادة، الذي يُعتبر غالبًا أب البرنامج النووي الإيراني.
وأوضح أحمد سلطان أن الإستراتيجية الإسرائيلية ليست وليدة اللحظة الراهنة، فالمؤسسات الأمنية الإستراتيجية في إسرائيل ترى أن أي أحد يمكن أن يطور أو يساهم في تطوير سلاح قد يتصدى لإسرائيل فيجب قتله وهو جزء من عقيدة تلك المؤسسات على اختلاف مسمياتها وتخصصاتها.
وأشار سلطان إلى اغتيال بعض العلماء العرب خلال القرن الماضي خصوصًا مع سعي العراق وقتها إلى امتلاك برنامج نووي، لافتا إلى أن إسرائيل على مدار تاريخها تستهدف الكوادر والعلماء الذين قد يشكلوا أي تهديد مستقبلي للمصالح الإسرائيلية.
من جانبه، أوضح الدكتور محمد محسن أبو النور، أن التاريخ بين إسرائيل وإيران مليئ باستهدافات شبيهة، مضيفا "ليس أقل من 50 عالمًا جرى استهدافهم خلال العقود الماضية، سواء في المجال النووي أو الصاروخي أو كبار الضباط الخبراء أو أي عالم له علاقة بهذه التكنولوجيا، ما يعكس أن الصراع في جوهره هو صراع حول العلم والمعارف التقنية".
واتفق أسامة الهتيمي مع الطرح السابق بقوله "ليس ما تقوم به إسرائيل في الوقت الحالي من استهداف العلماء النوويين سابقة بل شهدت إيران وعلى مدار سنوات من تصاعد الصراع بينها وبين إسرائيل اغتيال العديد من العلماء النوويين".
وأضاف "ربما كان أهمهم وأشهرهم محسن فخري زادة الذي تم اغتياله بطريقة دراماتيكية كشفت عن حجم الاختراق المخابراتي لإيران والذي كان جرس إنذار لإيران غير أنه على ما يبدو لم تنتبه له بوعي أو أن حجم الاختراق فاق القدرات الإيرانية على الرصد والمتابعة وفك شبكات التجسس الإسرائيلية في الداخل الإيراني".
(المشهد)