أزمة هرمز تعيد سوريا إلى واجهة ممرات التجارة والطاقة

آخر تحديث:

شاركنا:
مضيق هرمز يفتح نافذة لدمشق سياسية واقتصادية (رويترز)
هايلايت
  • الحرب بإيران واضطراب الملاحة عبر هرمز تفتح نافذة جديدة أمام سوريا.
  • الفرص المتاحة أمام الاستثمار الأجنبي في سوريا تتوسع.

فتحت الحرب في إيران واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز نافذة جديدة أمام سوريا لاستعادة دورها التاريخي كممر للتجارة والطاقة بين العراق وبلاد الشام والبحر المتوسط، بعدما ظلت لعقود ساحة للصراع وممراً لعمليات التهريب والنفوذ العسكري.

في أوائل أبريل، دخلت قافلة تضم 299 ناقلة وقود عراقية إلى الأراضي السورية في طريقها إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط، في أحد المسارات القليلة المتاحة للوصول إلى الأسواق الدولية بعد إغلاق مضيق هرمز.

ثم في أواخر الشهر ذاته، وسّع العراق هذا المسار بإعادة فتح معبر ربيعة شمالي سوريا، الذي ظل مغلقاً لأكثر من عقد بسبب الحرب الأهلية. وبين أبريل وأواخر يوليو، نقلت الطرق السورية أكثر من 2.1 مليون طن متري من الوقود العراقي إلى الساحل السوري.

قبل اندلاع الحرب السورية عام 2011، كانت سوريا تؤدي دور نقطة وصل تجارية رئيسية بين العراق والأردن ولبنان وتركيا والبحر المتوسط، وتربط دول الخليج بالأسواق الأوروبية.

ومع سقوط نظام الأسد، بدأت حركة التجارة الإقليمية في العودة تدريجياً. وبحلول أغسطس 2025، كانت نحو 327 ألف شاحنة تحمل أكثر من 7 ملايين طن من البضائع قد عبرت إلى سوريا، وفق تقديرات هيئة الجمارك السورية. كما بدأت قطر والسعودية والأردن وتركيا إعادة تطبيع العلاقات مع دمشق وتوسيع نشاطها التجاري في البلاد، بينما تحركت السلطات السورية الجديدة لإعادة بناء علاقاتها مع شركاء إقليميين ودوليين، في محاولة لإنهاء عزلة سوريا الاقتصادية.

العودة التجارية

لكن هذه العودة التجارية، رغم أهميتها، لا تزال بعيدة عن سد احتياجات إعادة الإعمار الهائلة. فقد قدّر البنك الدولي في عام 2025 تكلفة إعادة بناء سوريا بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقرب من 10 أمثال الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للبلاد في 2024.

منذ اندلاع الحرب مع إيران، اتسعت الفرص المتاحة أمام الاستثمار الأجنبي في سوريا. وتجد دول عديدة في سوريا بديلاً محتملاً بفضل موقعها الجغرافي وشبكة طرقها البرية والبحرية. فتسعى دول المنطقة منذ سنوات إلى تنويع طرق النقل والتجارة، لكن الحرب السورية عطلت هذه الجهود لنحو 15 عاماً.

وخلال الفترة بين 2010 و2021، تراجعت الصادرات السورية بنحو 90%، فيما أُغلقت طرق العبور الرئيسية مع تفكك البلاد إلى مناطق نفوذ متنافسة. واليوم، دفعت أزمة هرمز هذه المشاريع إلى واجهة الأولويات.

فيما اتفقت الأردن والسعودية وسوريا وتركيا مؤخراً على إعادة تطوير سكة حديد الحجاز خلال فترة تتراوح بين 3 و4 سنوات. وتشير تقديرات المجلس الأطلسي إلى أن الخط قد ينقل في البداية نحو 1.5 مليون حاوية سنوياً، مع إمكانية رفع هذا الرقم إلى 3 ملايين حاوية بعد تطوير السكك الحديدية والموانئ.

وينسجم المشروع مع رؤية الرئيس الانتقالي لسوريا أحمد الشرع بشأن إقامة شبكة "البحار الـ4 والممرات الـ9"، التي تضع سوريا في قلب شبكة تمتد من الخليج العربي إلى بحر قزوين والبحر الأسود والبحر المتوسط، وتتيح نقل السلع والكهرباء والنفط براً وبحراً.

وفي يوليو، اتفقت بغداد ودمشق على إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس، الذي دُمر عام 2003، بما يوفر منفذاً دائماً للنفط العراقي إلى البحر المتوسط.

وإذا دخل الخط الخدمة وفق الجدول الزمني المقدر بـ4 سنوات، فقد تصل قدرته إلى 2 مليون برميل يومياً بحلول عام 2030، وهو ما يعادل نحو 60% من صادرات العراق النفطية قبل الحرب مع إيران، ونحو 9% من إجمالي النفط الذي كان يمر عبر مضيق هرمز.

لا يتعلق مستقبل الممرات التجارية بالاقتصاد فقط، بل أيضاً بطبيعة الدولة السورية المقبلة. فعلى مدى سنوات الحرب، منح بشار الأسد حلفاءه الخارجيين امتيازات في الأراضي والأصول الاقتصادية السورية. وحصلت روسيا على قواعد عسكرية وامتيازات في قطاعات الفوسفات والنفط والغاز والموانئ، فيما استخدمت إيران سوريا بوصفها جسراً برياً إلى لبنان، ونشرت آلاف الجنود داخلها.

الممر العسكري الإيراني

وتحاول حكومة الشرع إنهاء هذا النموذج، وتفكيك الشبكات التي دعمت الممر العسكري الإيراني، واستعادة السيطرة على قواعد كانت روسيا تسيطر عليها سابقاً.

وفي محاولة لجذب الأموال، أقرت الحكومة في يونيو الماضي قواعد تسمح للمستثمرين الأجانب بملكية كاملة في معظم القطاعات، وحرية واسعة في تحويل الأرباح إلى الخارج، إلى جانب إعفاءات ضريبية وجمركية. لكن يبقى نجاح دمشق في تحويل الاستثمارات الأجنبية إلى مكاسب للسكان مرتبطاً بقدرتها على بناء نظام سياسي مستقر يمكن التنبؤ به.

كما تحتاج دمشق إلى تجنب التحول إلى اقتصاد ريعي يعتمد على رسوم العبور والامتيازات الأجنبية، عبر إعادة ضخ عوائد المشروعات في الاقتصادات المحلية.

(ترجمات)