تهديدات ترامب
ذلك ما عبرت عنه تهديدات الرئيس الأميركي بأن "حضارة كاملة ستموت اليوم"، في إشارة إلى تنفيذ تهديداته العسكرية ضد إيران إذا لم يتم التوصل لاتفاق بنهاية المهلة التي حددها اليوم الساعة 8 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، والأمر ذاته لدى "الحرس الثوري" الذي حذر من انتهاء مرحلة "ضبط النفس".
وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن معادلة الصراع بين دونالد ترامب وإيران، تقوم على "توازن متناقض" بين سعي واشنطن لفرض تنازلات سياسية عبر الضغط، وإصرار طهران على المضي نحو التصعيد، ورفع كلفة الصراع، الأمر الذي يترتب عليه فتح المجال أمام مسارات تتراوح بين التفاوض أو التصعيد، بما في ذلك استهداف البنى التحتية وتهديد ممرات حيوية مثل مضيق هرمز في الحالة الأخيرة.
ورغم ترجيح كفة التصعيد في المدى القريب، بحسب المصادر ذاتها، إلا أن تعقيدات الوضع ميدانيًا واستحالة الحسم العسكري من دون تدخل بري واسع تجعل هذا التصعيد مرشحًا لأن يبلغ ذروته ثم يعيد الأطراف إلى المسار الدبلوماسي.
وفي ظل تعثر الوساطات الإقليمية، ومنها جهود باكستان، يبقى التفاوض في نهاية المطاف الخيار الأكثر واقعية، بوصفه المسار الأقل كلفة لضبط الصراع وحماية استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي.
وكان الرئيس الأميركي ترامب قد هدد إيران، أمس الاثنين، بتدمير البنى التحتية بما في ذلك الجسور ومحطات الطاقة، في غضون 4 ساعات، في حال لم يستجب النظام الإيراني للمفاوضات والتوصل لاتفاق.
مسارات متعددة
في حديثه لمنصة "المشهد" يقول المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة الدكتور كمال الزغول، إن المقاربة الحالية للصراع بين دونالد ترامب وإيران تقوم على "معادلة متضادة"؛ إذ تسعى الإدارة الأميركية إلى تحقيق إنجاز سياسي عبر انتزاع تنازلات من طهران، في حين ترفض الأخيرة تقديم هذه التنازلات، مؤكدة استعدادها للتصعيد والاستمرار في المواجهة.
هذه الثنائية، وفق ما يوضح الزغول، تضع الطرفين أمام مسارات متعددة، تتراوح بين العودة إلى طاولة المفاوضات، أو الانزلاق نحو خيارات تصعيدية، تشمل استهداف البنى التحتية ومصادر الطاقة، وصولًا إلى خطوات إستراتيجية حساسة قد تمسّ أمن الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.
ورغم تعدد هذه السيناريوهات، إلا أن كلفتها المرتفعة وتعقيداتها الميدانية تجعل من الصعب تحقيق حسم عسكري كامل. وعليه، يبقى أيّ تصعيد حتى وإن طال أمده مرشحًا للانتهاء إلى مسار دبلوماسي، بوصفه الخيار الأكثر واقعية، بحسب المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة. في حين لا تقتصر تداعيات هذا المسار على واشنطن وطهران فحسب، بل تمتد لتشمل استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي، فضلًا عن مصالح قوى دولية مثل الصين وروسيا.
ويردف: "تبدو الخيارات المتاحة أمام الإدارة الأميركية محصورة بين تكثيف الضغط ضمن حدود محسوبة، أو إفساح المجال أمام تسوية سياسية، خصوصًا في ظل إدراك متزايد لأهمية استقرار ممرات الطاقة العالمية. ومن ثمّ، قد نشهد تمديدًا للمهل السياسية وإعادة تنشيط الجهود الدبلوماسية، باعتبارها المسار الأقل كلفة والأكثر قابلية لتحقيق نتائج مستدامة".
عدم يقين
يتفق والرأي ذاته، الأكاديمي الأميركي المختص بالعلاقات الدولية في جامعة فلوريدا إرك لوب، موضحًا أن ترامب يسعى إلى إبقاء الأطراف كافة في حالة "عدم يقين"، بما يعزّز وفق تقديره "أوراق الضغط والنفوذ" في مسار التفاوض. ومع ذلك، يظل الغموض يحيط بمدى استعداده لتنفيذ تهديداته باستهداف مزيد من البنى التحتية المدنية في إيران، بما في ذلك الجسور ومحطات الكهرباء، في حال عدم استجابة طهران لشروطه وفتح مضيق هرمز.
وفي حال المضي نحو هذا المسار التصعيدي، فإن التداعيات لا تقتصر على الجدل القانوني المرتبط بإمكانية اعتباره انتهاكًا لقواعد القانون الدولي، وفق ما يقول لوب لـ"المشهد"، بل تمتد إلى مخاطر تصعيد متبادل، قد يشمل ردودًا إيرانية عبر اعتداءاتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، الأمر الذي يفاقم بالتبعية مستويات الخسائر والدمار في المنطقة، وكذلك تضاعف أسعار النفط والطاقة، بينما ستمتد الآثار السلبية على الاقتصاد الأميركي والعالمي.
تحديات الحل والحرب
ومن جهته يقول الباحث بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة) الدكتور محمود أبو القاسم، إن مسار الوساطة الذي تقوده قوى إقليمية، في مقدمتها باكستان، يواجه تحديات بنيوية على مستوى السعي إلى بلورة تسوية للصراع بين الولايات المتحدة وإيران، ومن ثم طي صفحة الحرب بالكلية. فالفجوة بين الطرفين لا تزال واسعة، إذ يقف كل منهما على ضفة مغايرة، في ظل قناعة مفادها امتلاك مزيد من أوراق الضغط القادرة على تحسين شروط التفاوض وتعظيم المكاسب السياسية والإستراتيجية.
من ثم، تحكم مقاربة دونالد ترامب "اعتبارات شخصية وسياسية" متشابكة، في قمتها نزعة واضحة لرفض أنصاف الحلول أو القبول بانتصار جزئي، كما يوضح أبو القاسم لـ"المشهد". ويضيف: "يتعزز هذا التوجه تحت وطأة ضغوط إسرائيلية مباشرة، فضلًا عن تأثير تيارات متشددة داخل إدارة ترامب تدفع نحو تبني خيارات أكثر صرامة".
وبناءً عليه، يواصل الرئيس ترامب الرهان على توظيف القوة العسكرية بوصفها أداة لفرض شروطه على طهران، مستندًا إلى معطيات ميدانية، أبرزها التفوق الجوي لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وإمكانية استثمار هذا التفوق في إضعاف قدرة النظام الإيراني على ضبط الداخل مع مرور الوقت، وفق ما يوضح الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة).
ذروة التصعيد
وفي المقابل، تبدو هناك خيارات عسكرية لدى طهران تتمثل في مواصلة اعتداءاتها الإقليمية لتوسيع نطاق الصراع وكلفته، كما يبقى خيار تعطيل الملاحة في مضيق هرمز أحد أبرز أوراق الضغط الإستراتيجية، نظرًا لما يحمله من تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، وعلى هذا الأساس، يشير أبو القاسم إلى أن المعطيات الراهنة تميل إلى "التصعيد لغياب أي أفق تسوية. بل إن تسريع وتيرة العمليات العسكرية، خصوصًا في ضوء شروع ترامب بتنفيذ تهديداته قبل انقضاء المهل المعلنة، ينذر بالدخول في مرحلة أكثر حدة، قد تمثل ذروة التصعيد المتبادل بين الجانبين".
ومع ذلك، فإن هذا التصعيد، رغم خطورته، لا يبدو مرشحًا لإحداث حسم نهائي، بحسب المصدر ذاته، خصوصًا في غياب خيار التدخل البري واسع النطاق، وهو السيناريو الأكثر كلفة وتعقيدًا. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الضربات الجوية، مهما بلغت كثافتها، تظل محدودة الأثر في إسقاط الأنظمة أو تغيير بنيتها الصلبة. خصوصًا في حالة دولة مثل إيران.
مواجهة شاملة
إلى ذلك، ترجح الباحثة الأميركية المختصة في شؤون الشرق الأوسط إيرينا تسوكرمان أن يُقدم ترامب على تنفيذ جزء من تهديداته ضد إيران، لكن ضمن "سقف محسوب" على حد توصيفها، عبر توجيه ضربات عسكرية محدودة بينما تستهدف قدرات عسكرية نوعية، ومن دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وتقول تسوكرمان لـ"المشهد" إن ترامب لن يستبعد الخيارات الدبلوماسية حيث إنه يواصل تهديداته وتنفيذ بعضها بـ"دقة" في ظل مهل محددة وحاسمه، مشيرة إلى أن نمط إدارته للأزمة يكاد لم يتغير وهو "قائم على المراوحة بين الضغط العسكري والرسائل الدبلوماسية، حيث يسعى إلى فرض وقائع ميدانية تدفع طهران نحو تقديم تنازلات، مع الإبقاء دومًا على هامش للمفاوضات".
بالمحصلة، تبدو الضربة المحتملة أقرب إلى "إجراء عقابي منضبط" لتعزيز أوراق التفاوض، أكثر من كونها ضربة عسكرية حاسمة ونهائية، كما تشير الباحثة الأميركية المختصة في شؤون الشرق الأوسط.
(المشهد)