تواجه فرنسا اختبارا سياسيا وأمنيا مع تصاعد أعمال العنف والتخريب المصاحبة للاحتجاجات، التي تجاوزت المطالب الاجتماعية لتتحول إلى قضية مؤثرة في المشهد السياسي ومستقبل إدارة البلاد.
احتجاجات فرنسا
وفي أول رد على التطورات، توعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمحاسبة من يرفعون شعارات تستهدف إسقاط الجمهورية فيما رفض استقالة وزير الداخلية لوران نونيز، داعيا إلى اعتماد أساليب أمنية جديدة للتعامل مع الاضطرابات.
وأقر نونيز بوجود إخفاقات في الاستعداد للاحتجاجات، مشيرا إلى أن الانتشار الأمني لم يكن كافيا في بعض المناطق، وأن الشرطة فقدت السيطرة على الأوضاع في مدن عدة. كما انتقد ما اعتبره عدم إدانة بعض السياسيين من اليسار أعمال العنف بالقدر الكافي.
من جانبه، تحدث وزير العدل جيرالد دارمانان عن ثغرات في التعامل مع الأحداث وفي المعلومات الاستخباراتية، محذرا من تهديدات محتملة مرتبطة بعناصر من أقصى اليسار، وفق توصيفه.
وشملت الإجراءات الأمنية توقيف مئات الأشخاص في باريس، إلى جانب فرض قيود على التجمعات في مرسيليا، فيما طُرحت خيارات إضافية بينها حظر التجول في مناطق محددة، مع إبقاء احتمال إعلان حالة الطوارئ قائما عند الضرورة.
وفي المقابل، أعلنت تنسيقية "السترات الصفراء" نيتها تنظيم تحرك جديد احتجاجا على غلاء المعيشة، ما يثير مخاوف من تجدد التوتر.
الأزمة تتجاوز المطالب الاجتماعية
ومن هنا، يرى الكاتب والباحث السياسي الدكتور جان مسيحة في تصريحات لبرنامج "المشهد الليلة" مع الإعلامية كاترين دياب، أن فرنسا تواجه أزمة أعمق من الاحتجاجات الراهنة، محذرا من أن استمرارها قد يقود إلى اضطرابات خطيرة تمس استقرار النظام الجمهوري والديمقراطية.
وقال مسيحة إن المشهد يتضمن 3 أبعاد، أولها المطالب الاجتماعية المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وظروف التعليم، وهي قضايا تحظى بتأييد قطاعات واسعة من الفرنسيين.
أما البعد الثاني، فيتعلق بالتوترات المرتبطة بالهوية والهجرة والاندماج، حيث اعتبر أن السياسات المتبعة خلال العقود الماضية لم تنجح في تحقيق الاندماج الكامل لبعض أبناء المهاجرين، مستشهدا بظهور أعلام دول أخرى خلال الاحتجاجات.
وفي المقابل، أقرّ مسيحة بأن اليمين الفرنسي قد يستفيد سياسيا من مشاهد العنف والتخريب، لكنه شدد على أن الاستفادة من الأحداث لا تعني بالضرورة الوقوف وراءها أو التسبب فيها، مؤكدا أن الناخبين قد يعبرون عن مواقفهم من خلال صناديق الاقتراع.
كما طرح فرضية وجود تقاطع مصالح بين اليسار الراديكالي وجماعات من "الإسلام السياسي"، معتبرا أن هذا التقاطع قد يؤثر في المشهد الفرنسي.
غير أن هذه الطروحات تبقى تقديرات سياسية عرضها خلال النقاش، وليست حقائق مثبتة بحد ذاتها.
(المشهد)