أعلن المسؤول الأمني لكتائب "حزب الله العراقي" أبو مجاهد العساف، اليوم الخميس، عن إيقاف الفصائل العراقية المسلحة لاستهداف السفارة الأميركية في بغداد لمدة 5 أيام، وفقاً لشروط عدة منها: كف إسرائيل عن تهجير سكان الضاحية الجنوبية لبيروت، الالتزام بعدم قصف المناطق السكنية في بغداد، سحب العناصر الأميركية من محطاتهم.
ويُستثنى من هذه الشروط إقليم كردستان، مع ضرورة حماية البعثات الدبلوماسية والكيانات الاقتصادية للدول غير المشاركة في الحرب.
وجاء هذا الإعلان، عقب استهداف القوات الأميركية منزلاً لأحد قيادات الفصائل العراقية في حي الجادرية وسط بغداد فجر الثلاثاء الماضي، ما أدى إلى مقتل 4 وجرح 3 بينهم مستشارون إيرانيون وقادة فصائل عراقية مسلحة. بينما تزامن إعلان الهدنة مع تحركات لرئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان الذي وصف الهجمات على السفارة الأميركية في بغداد والقنصلية الأميركية في أربيل بجريمة حرب.
ورغم أنه لم يتم التصريح عن أسماء القتلى بالاستهداف الأميركي للجادرية، إلا أن وسائل إعلام عراقية تداولت أخباراً عن مقتل زعيم منظمة بدر هادي العامري، وزعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، ما وصفه مراقبون بأنه بداية الحرب الأميركية على الفصائل العراقية المسلحة. فهل تمثل الهدنة إعلان استسلام؟ أم أن العراق بدأ رحلة التغيير السياسي الذي ترسمه واشنطن لمنطقة الشرق الأوسط؟
الفصائل العراقية خسرت معركتها؟
وصرّح مصدر سياسي خاص لمنصة "المشهد"، أن إعلان "كتائب حزب الله العراقي" الهدنة لمدة 5 أيام، جاء بعد تراجع قوتها نتيجة تكثيف الضربات الأميركية على مواقعها في جرف الصخر والقائم وأخيراً في الجادرية، وخسارتها لعدد من القادة منهم المعاون الأمني لمنظمة بدر، ومسؤول المتابعة لكتائب "حزب الله العراقي". ما دفعها للتهدئة لاستعادة أنفاسها وحماية قادتها من الضربات الأميركية. أما مسألة اغتيال هادي العامري وقيس الخزعلي فلم يتم تأكيدها بعد، خصوصًا أن الجانب الإسرائيلي لم يُعلن عنها.
وفي سياق متصل، يقول اللواء في وزارة البيشمركة صلاح الفيلي لمنصة "المشهد"، إن إعلان الهدنة جاء بعد أن خسرت الفصائل العراقية معركتها العسكرية مع واشنطن وتل أبيب، لأنها لا تملك ما يكفي من الأسلحة لمواجهة القوة الأميركية، حتى الطائرات المسيّرة التي يستوردونها من إيران ليست متطورة، يربطونها بصاروخ على شكل هاون 120 أو 160، عندما يسقط على الأرض ينفجر، لكن إذا انتهت طاقته أو البنزين بداخله قبل سقوطه، يسقط على الأرض ولا ينفجر.
ويكمل الفيلي: "إذاً أسلحة هذه الفصائل شارفت على النفاذ، وفي الوقت ذاته هي عاجزة عن استيراد أسلحة من إيران، لأن الأخيرة بحاجة للأسلحة في هذه المرحلة، كما أن نسبة القصف الإيراني انخفضت خلال الأيام القليلة الماضية إلى أكثر من 70%، بالتالي المعركة العسكرية ستنتهي قريباً، لن تتمكن الفصائل العراقية المسلحة من الاستمرار في قصفها للمدن والبلدات بحجة استهداف القواعد الأميركية أو السفارات الدبلوماسية.
القضاء العراقي يجرّم الفصائل
ومنذ بداية الحرب الأميركية الإيرانية 28 فبراير الماضي، تتبنّى الفصائل العراقية المسلحة الموالية لطهران، الهجمات بالمسيّرات والصواريخ على القواعد الأميركية في العراق والمقرات الدبلوماسية الأميركية وحقول النفط، إضافة إلى استهداف مطاري بغداد وأربيل الدولي، تحت شعار "المقاومة الإسلامية ضد إسرائيل وأميركا".
ويقول الباحث في الشأن السياسي عائد الهلالي لمنصة "المشهد"، إن إعلان الهدنة من قبل "كتائب حزب الله العراقي"، جاءت نتيجة تفاهمات سياسية مع رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، خصوصًا بعد خسارة عدد من مقاتلي الحشد الشعبي ومستشاريين إيرانيين بالضربات الأميركية، إضافة إلى دور رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان الذي تحرك لإيقاف هذه الفوضى، وجرّم القضاء العراقي كل من يهاجم المصالح الدبلوماسية والدولية في العراق ووصفه بأنه عمل إرهابي يستحق الإعدام.
ويوضح الهلالي، أن تفجير الجادرية كان مركزاً، تم استهداف قيادات بعينها، خصوصًا أن قادة الفصائل تجمّعت كلها في مجمّع سكني داخل حي الجادرية وهي منطقة بساتين راقية في بغداد، كما أن جميع مكاتبهم معروفة ومكشوفة مما يسهّل عملية استهدافهم من قبل الجانب الأميركي، مادفعهم لإعلان الهدنة خلال هذه الفترة.
نيران الحرب تقترب من العراق
وعن مستقبل العراق في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية، يجيب مدير مركز قراءات للإعلام والتنمية الدكتور أثير الشرع بأنه: "خلال الأيام الماضية، كان هناك اجتماعات متتالية بين قادة الإطار التنسيقي وقادة الفصائل، ويبدو أنه أصبح لديهم يقين بأنه لا يمكن للعراق أن ينخرط في هذه الحرب، لذلك أعلنوا الهدنة، لكن نرى أن هذه الهدنة هي بداية حرب جديدة سيشهدها العراق بعد انتهاء مدتها، وتطورات عسكرية وسياسية واستهدافات لمواقع حساسة منها سجن الكرخ، مما سيؤدي لتغيير الواقع السياسي الحالي".
ويرى الشرع، أن الفصائل العراقية المسلحة من الصعب أن تستسلم بسهولة، لأنها تعتبر حربها مع واشنطن حربًا وجودية، لكن هناك ضغوطات حكومية تدفعها لتخفيف هجماتها، ومحاولة لاحتوائها وعدم مشاركتها في الحرب، لا يمكن للحكومة أن تضمن هدوء الفصائل خصوصًا بعد أن تحوّلت الحرب الأميركية الإيرانية إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
ويتفق المحلل السياسي مكرم القيسي مع فكرة أن شدة الهجمات الجوية انخفضت في الأيام الماضية، ومن الطبيعي أن نشهد فتورًا عسكريًا خلال فترة عيد الفطر، لكن نرى أنه على الحكومة العراقية أن تتحرك بسرعة خلال فترة الهدنة لاتخاذ الإجراءات اللازمة بحق "كتائب حزب الله العراقي" واعتقال قادتهم والمسؤولين منهم، إضافة إلى تشكيل قوة ردع ضد هذه المليشيات الخارجة عن القانون.
ويوضح القيسي، أن العراق خلال الفترة المقبلة سيتخلص من كافة المجموعات المسلحة الموالية لإيران الخارجة عن القانون، لأن واشنطن بدأت فعلاً باستهداف مواقع الفصائل وقادتهم، وقتلت أحد المقربين من زعيم منظمة بدر هادي العامري، وهناك العديد من القيادات التي ستستهدفها واشنطن خلال المرحلة المقبلة، سنشهد أيامًا صعبة لكنها سترسم بداية بناء دولة العراق الجديدة.
أربيل تتعامل بمنطق الدولة
ورغم أن "كتائب حزب الله العراقي" أعلنت الهدنة، إلا أنها استثنت إقليم كردستان، مما يعني استمرار الضربات الجوية على الإقليم خلال الـ5 أيام المقبلة.
عن ذلك يقول المحلل السياسي محمد زنكنة لمنصة "المشهد": "إقليم كردستان هو آخر نقطة آمنة في العراق ونشطة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، لأنه ملتزم بالدستور العراقي والدولة العراقية لم تضمه لفصائل الهدنة، إنهم مصرّون على استهدافه بالصواريخ والمسيّرات، لأنه يتعامل بمنطق الدولة وليس بمنطق الميليشات، كما أنهم يرفضون التعاون العسكري بين أربيل وواشنطن وإعادة هيكلة قوات البيشمركة، لذلك يصروّن على الفوضى وقصف المدن الآمنة وتعطيل مصالح البلاد".
(المشهد)