لا يُتوقع أن تُحدث الانتخابات الإسرائيلية تغييرا جوهريا في سياسات تل أبيب أو علاقاتها الدولية، رغم اختلاف أساليب ومواقف أبرز المتنافسين على رئاسة الحكومة، بنيامين نتانياهو وغادي آيزنكوت، إذ يتبنى كلاهما مواقف متقاربة بشأن أمن إسرائيل ورفض إقامة دولة فلسطينية.
مساران مختلفان
ورغم أن الإسرائيليين ينظرون إلى المتنافسين باعتبارهما يمثلان مسارين مختلفين لمستقبل البلاد، فإن الفوارق بينهما تبدو محدودة من منظور المجتمع الدولي، خصوصا في القضايا الأمنية والموقف من الدولة الفلسطينية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
وفي حال تعذر تشكيل حكومة جديدة، قد يستمر نتانياهو في منصبه رئيسا لحكومة تصريف الأعمال لأسابيع أو أشهر، وسط مخاوف من تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، أو دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استئناف الهجمات على إيران.
أما وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، فلا يُتوقع أن يقود إلى تحول كبير في السياسة الخارجية الإسرائيلية، رغم احتمال إبدائه مرونة أكبر في بعض الملفات. كما لا يُرجح أن يتبنى حل الدولتين أو يوقف المواجهة مع "حماس" في غزة و"حزب الله" في لبنان وإيران.
وتعزز هذه المعطيات التوقعات باستمرار عزلة إسرائيل الدولية، واتساع نطاقها، في ظل اعتبار أن السياسات الإسرائيلية الحالية لا ترتبط بنتانياهو وحده، بل تعكس توجهات أوسع داخل المجتمع الإسرائيلي.
وقالت الدبلوماسية الأميركية السابقة جينا أبيركرومبي-وينستانلي، العاملة في المجلس الأطلسي، إن المشكلة "لا تتعلق بنتانياهو وحده، بل تعكس إسرائيل اليوم بصورة عامة".
مرحلة بالغة الخطورة
وأثارت الحرب على إيران، التي شجعت إسرائيل واشنطن على الانضمام إليها، رفضا دوليا واسعا، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة، وأسهمت في ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم.
وقال الخبير في الشؤون السياسية الإسرائيلية بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن ناتان ساكس، إن إسرائيل دخلت "مرحلة بالغة الخطورة في علاقاتها الرسمية مع الدول الأخرى"، مشيرا إلى تصاعد المشاعر المناهضة لإسرائيل والصهيونية ومعاداة السامية في الغرب، إلى جانب تحركات أوروبية لفرض عقوبات على منتجات وشركات إسرائيلية تعمل في الضفة الغربية.
من جانبها، رأت مديرة مكتب منتدى السياسة الإسرائيلية في واشنطن راشيل براندنبورغ، أن إصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة سيكون أكثر صعوبة إذا بقي نتانياهو في السلطة، من دون مؤشرات على تغيير السياسة الإسرائيلية.
كما أشار المدير السابق لمعهد تشاتام هاوس والعميد الحالي لكلية نيو كوليدج بجامعة أكسفورد روبن نيبلت، إلى أن الخلافات المتراكمة بين نتانياهو والقادة الأوروبيين على مدى عقد على الأقل جعلت مساهمة أوروبا في جهود السلام أكثر صعوبة وحساسية سياسيا.
ورغم تشدد آيزنكوت في القضايا الأمنية، فقد يتيح أسلوبه مجالا أوسع للتعاون مع الأوروبيين بشأن الاستقرار والسلام، بدلا من التعامل معهم باعتبارهم خصوما.
دوافع التصعيد
ولا يُتوقع أن يقدم نتانياهو تنازلات كبيرة خلال فترة تصريف الأعمال، سواء بشأن غزة أو أنشطة المستوطنين غير القانونية في الضفة الغربية، تجنبا لإغضاب شركائه من اليمين المتطرف.
وقد تدفعه نتائج الانتخابات، التي شكلت انتكاسة لائتلافه، إلى محاولة إثبات أنه وحده، بالتعاون مع ترامب، قادر على "إنجاز المهمة" في إيران.
وقالت مديرة برنامج الشرق الأوسط في معهد تشاتام هاوس سانام وكيل، إن نتانياهو قد يشعر بثقة أكبر في تقديم نفسه باعتباره "رجل الأمن"، محذرة من تسارع احتمالات اندلاع حرب جديدة مع إيران، وما قد تحمله من تداعيات إقليمية.
وأضافت أن التصعيد قد لا يحقق نتائج، لكنه ربما يدفع الأطراف المعنية في نهاية المطاف إلى الاقتناع بضرورة التوصل إلى اتفاق.
وفي السياق، حذرت الباحثة في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية بيث أوبنهايم، من أسابيع مضطربة في ظل استمرار حكومة نتانياهو اليمينية لتصريف الأعمال، مرجحة أن تتزايد دوافعه للتصعيد مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر، وكذلك في الضفة الغربية وغزة.
في المقابل، يحتاج آيزنكوت إلى دعم الأحزاب العربية لتشكيل الحكومة، وهو خيار يرفضه بعض حلفائه المحتملين. وقد أسهم تشكيك نتانياهو في ولاء هذه الأحزاب في تعميق الانقسام داخل المعارضة بين الأحزاب اليهودية والعربية، رغم المشاركة القياسية للناخبين العرب الراغبين في الإطاحة به وبحلفائه من اليمين المتطرف.
ويثير هذا الانقسام مخاوف من تهميش المواطنين العرب، الذين يشكلون نحو 21% من سكان إسرائيل، ومن تصاعد الانتقادات المتعلقة بطبيعة النظام الديمقراطي الإسرائيلي.
(ترجمات)
