مع إصدار محكمة الجنايات الدولية مُذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، يعود الجدل في الأوساط السياسية الدولية، حيال موقف واشنطن من صلاحيات المحكمة الدولية وعلاقتها المُعقدة مع هذه الهيئة الدولية التي وقّعت الولايات المتحدة على قانون تأسيسها عام 2000، ولكنها لم تصادق عليه.
وقررت الولايات المتحدة ألّا تكون طرفًا في المحكمة الجنائية الدولية، استنادًا لمخاوف يُرجعها سياسيوها لاختصاص المحكمة، والقيود المحتملة على استقلال القضاء في الولايات المتحدة، والمخاوف من الملاحقة القضائية ذات الدوافع السياسية، لكنّ ذلك لم يمنعها من التعاطي مع الهيئة القضائية الدولية وفق ما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها.
الكيل بمكيالين
لعل موقف واشنطن من إصدار محكمة الجنايات الدولية مُذكرة توقيف في حق كل من نتانياهو ووزير دفاعه يوآف غالنت، إضافة لقائد الجناح العسكريّ لحركة "حماس"، محمد الضيف الذي أعلنت إسرائيل أنّه قُتل في غارة جوية على غزة في يوليو، ولم تؤكد "حماس" مقتله، دليل جديد على اصطفاف الولايات المتحدة إلى جانب حليفتها إسرائيل، على حساب القوانين الدولية، يقول المدير التنفيذيّ للمجلس الأميركيّ لحقوق الإنسان أو "American Human Rights Council" عماد حمد لمنصة "المشهد".
ويجري حمد مقارنة بين موقف الولايات المتحدة من إصدار مذكرة اعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بسبب جرائمه في غزة، وموقفها من إصدار مذكرة مماثلة في حق الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، بتهمة ارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا.
يتحدث المدير التنفيذيّ للمجلس الأميركيّ لحقوق الإنسان، عن "ازدواجية معايير واشنطن"، التي يقول إنها "تتنكر للإبادة الجماعية المرتكبة في حق الفلسطينيّين، وتنعت محكمة الجنايات الدولية بأقبح الأوصاف دعمًا لنتانياهو، بعد أن ثمّنت إقدامها على إصدار مذكرة توقيف في حق الرئيس الروسي، واعتبرته تماشيًا مع ما أسمته اعتداءات وحشية على الشعب الأوكراني".
على النقيض، يقول الدبلوماسيّ السابق بيتر همفري، لـ"المشهد"، إنّ تقييم الموقف الأميركيّ من إصدار مذكرات الإعتقال الصادرة في حق مسؤوليين إسرائيليّين، ومُقارنته بمواقف سابقة تتعلق بالرئيس الروسيّ وغيره من السياسيّين، غير مهم، بالنظر لغياب الالتزامات القانونية للولايات المتحدة، التي ورغم توقيعها على القانون الأساسيّ للمحكمة، فقد أبلغت الأمين العام للأمم المتحدة، رفقة إسرائيل في 6 مايو 2002، بأنهما لا ينويان أن يصبحا طرفين في المحكمة، وكذلك فعلت السودان في 26 أغسطس 2008، وروسيا في 30 نوفمبر 2016.
بناءً على المعطيات السابقة، يرى المتحدث أنّ متابعة ردود فعل واشنطن قد تكون مثيرة للمشاهدة، ولكن لا صلة لها بقرار إصدار مذكرة اعتقال المسؤولين الإسرائيليّين، وهو أمر يرى أنه سيبقى في إطار الاتهام، ولن يؤدي إلى اعتقال أو إحالة على المحكمة لأيٍّ من المعنيّين.
ماذا سيحدث بعد عودة ترامب؟
دعمت واشنطن جهود المحكمة الجنائية الدولية في مناسبات عدة.
ففي عام 2005، سمحت إدارة بوش لمجلس الأمن بإحالة قضية دارفور، ثم عرضت في وقت لاحق المساعدة في التحقيق الذي كانت تجريه المحكمة، وهو ما اعتبره خبراء قانونيون، آنذاك، تخفيفًا لموقف الولايات المتحدة تجاهها.
وفي عام 2011، صوتت إدارة باراك أوباما لصالح إحالة مجلس الأمن للتحقيق في ليبيا، كما ساعدت في تسليم العديد من الهاربين إلى لاهاي، وعرضت دفع ملايين الدولارات كمكافآت مقابل معلومات عن الأفراد المتهمين بارتكاب فظائع.
لكن مع وصول ترامب للحكم عام 2016، اتخذت واشنطن موقفًا أكثر تشددًا، ردًا على سعي المدعية العامة فاتو بنسودا للتحقيق مع القوات المسلحة الأميركية، وموظفي وكالة الاستخبارات المركزية بشأن جرائم حرب محتملة في أفغانستان، وكذلك تحقيقها الأوليّ في ما وصفته بجرائم إسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
في عام 2018، أعلن مستشار الأمن القوميّ آنذاك جون بولتون، أنّ البيت الأبيض لن يتعاون مُستقبلًا مع المحكمة الجنائية الدولية، وسيمنع أيّ جهود لملاحقة المواطنين الأميركيّين أو الإسرائيليّين. وفي العام التالي، وبعد أن هدد وزير الخارجية مايك بومبيو بإلغاء تأشيرات أيّ من موظفي المحكمة الجنائية الدولية الذين يحققون في الولايات المتحدة، تم إلغاء تأشيرة بنسودا إلى الولايات المتحدة.
وأطلقت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقًا في الجرائم المرتكبة في أفغانستان في عام 2020، لتتراجع عن قرارها في ما بعد، لكنّ ذلك لم يمنع ترامب من فرض عقوبات على الأفراد المرتبطين بالمحكمة الجنائية الدولية.
واشنطن أكثر تشددًا
وحين استلم الرئيس الحاليّ جو بايدن الحكم في يناير 2021، نهج طريقًا أكثر تعاونًا مع المحكمة، وبعد وقت قصير من توليه السلطة، رفع العقوبات والقيود المفروضة على التأشيرات في عهد ترامب، ومن جانبها تعاونت محكمة الجنايات الدولية، وأسقطت تحقيقاتها مع الموظفين الأميركيّين في أفغانستان.
لكن، ورغم إشادته علنًا باتهام المحكمة الجنائية الدولية لبوتين، وإصداره أمرًا للحكومة الأميركية بمشاركتها ما أسماه أدلة على جرائم الحرب الروسية في عام 2023، أعرب الرئيس الأميركيّ الحالي جو بايدن عن قلقه بشأن التحقيق في الأراضي الفلسطينية، ووصف أوامر اعتقال المسؤولين الإسرائيليّين بأنه "شائن"، مؤكدًا أنّ الولايات المتحدة "ستقف دائمًا إلى جانب إسرائيل ضد التهديدات التي يتعرض لها أمنها".
مع عودة الرئيس المنتخب دونالد ترامب إلى منصبه في يناير 2025، يتوقع الباحث في الشأن الأميركي والدولي، إيهاب عباس، أن تكون واشنطن أكثر تشددًا مع محكمة الجنيات الدولية.
ويقول عباس لـ"المشهد"، إنه لا يستبعد عودة ترامب لفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، خصوصًا في ضوء أوامر الاعتقال الإسرائيلية الجديدة، مُستدلًا بحديث مرشحه لمنصب مستشار الأمن القومي، النائب عن ولاية فلوريدا مايكل والتز، عن "رد قوي" على مذكرة اعتقال نتانياهو.
(المشهد - واشنطن)