بعد أكثر من 25 عامًا على انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، لا يزال ملف اللبنانيين المقيمين في إسرائيل واحدًا من أكثر الملفّات تعقيدًا وحساسيةً في المشهد اللبناني.
فبعضهم غادر خلال الانسحاب الإسرائيلي، ليجدوا أنفسهم يعيشون حياة جديدة خلف الحدود، بعيدًا عن أرض ما زالت حاضرة في ذاكرتهم رغم مرور السنوات. في الوقت عينه، يشمل الملف المذكور أيضًا جيلًا كاملًا وُلد ونشأ في إسرائيل.
هؤلاء لم يعرفوا لبنان عن كثب إلّا من روايات أهلهم والصور القديمة وما قد يجدوه على مواقع التواصل الاجتماعي. غير أنّهم يحملون جذورًا لبنانية واضحة.
ويعيش هؤلاء حياة مُغلقة بين البلدين، وحالة فريدة من التداخل بين الهويتين والانتماءين.
لبنانيو إسرائيل والصراع بين الهويتين
شكّل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان محطّة مفصلية في حياة آلاف العائلات اللبنانية. ففي الأيام الأخيرة التي سبقت الانسحاب، غادر عدد كبير من عناصر جيش لبنان الجنوبي (المعروف بـ"جيش لحد") وعائلاتهم إلى إسرائيل، وسط مخاوف أمنية وواقع سياسي متسارع فرض عليهم اتّخاذ قرارات مصيرية خلال فترة قصيرة جدًا من الوقت.
بالنسبة إلى كثيرين منهم، لم يكن الرحيل خيارًا سهلًا، بل نتيجة مباشرة للظروف التي رافقت انهيار المنظومة الأمنية والعسكرية التي سادت منذ ثمانينيات القرن الماضي. ومع مرور الوقت، تحوّلت الإقامة المؤقّتة إلى واقع دائم امتدّ لعقود، وذلك بالرغم من القانون الصادر عام 2011 الذي عالج جزئيًا مسألة التعامل مع إسرائيل والذي لم يدخل حيّز التنفيذ نتيجة عدم إصدار وزراء العدل المتعاقبين للمراسيم التطبيقية اللازمة، ما أدّى إلى بقائه حبرًا على ورق.
مع مرور السنوات، نشأ جيل كامل داخل إسرائيل لا يحمل أي ذكريات مباشرة عن لبنان. هذا الجيل تلقّى تعليمه هناك، وبنى حياته الاجتماعية والمهنية داخل المجتمع الإسرائيلي، لكنّه في الوقت نفسه كبر على روايات الأهل عن القرى الجنوبية والعائلات التي بقيت خلف الحدود. وبالرغم من اندماج كثيرين منهم في حياتهم الجديدة، لا تزال الثقافة اللبنانية حاضرة داخل منازلهم، سواء من خلال اللّهجة أو العادات الاجتماعية أو الذكريات التي ينقلها الآباء إلى الأبناء.
هذه الازدواجية خلقت شعورًا معقدًّا بالانتماء، حيث يجد كثيرون أنفسهم مرتبطين ببلدين في آن واحد، من دون أن يشعروا بالانتماء الكامل إلى أي منهما.
إشكالية قانون 2011 وتعليق الحلول القانونية
في هذا الإطار، يوضح المحامي والباحث الحقوقي أمين بشير، في حديث لمنصة "المشهد"، أنّ الإشكالية الأساسية لا تزال مرتبطة بالقانون الصادر عام 2011 الخاصّ بالمبعدين، والذي على الرغم من إقراره، لم تُصدر له حتى اليوم المراسيم التطبيقية، ما جعله غير قابل للتنفيذ عمليًا.
ويشير إلى أنّ القانون أتاح حينها عودة بعض العائلات غير المتورّطة بشكل مباشر مع "جيش لحد"، على أن يخضع العائدون لمحاكمات مخفّفة، إلّا أنّ الفئة التي تعتبرها السلطات "مشاركة" أو "متعاونة" مع الجيش المذكور لم يشملها القانون أساسًا. نتيجة لذلك، لا تزال الظروف السياسية تنعكس حتى اليوم على طريقة التعاطي مع القضية.
كما يلفت بشير إلى أنّ طرح "العفو العام" يُستخدم اليوم كمدخل لإعادة النقاش، رغم أنّ القانون الحالي لا يشمل جميع المبعدين. ويعتبر أنّ أي حلّ فعلي يحتاج إلى "مرحلة سياسية جديدة"، في ظلّ تناقض بين استمرار القوانين التي تجرّم التواصل مع إسرائيل وبين مضي الحكومة اللبنانية بالمفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع إسرائيل.
وقال إنّ أشخاصًا "دفعوا ثمن مرحلة سياسية معيّنة" لا يمكن أن يبقوا أسرى تلك المرحلة إلى ما لا نهاية، في ظلّ تغيّر الظروف السياسية في المنطقة.
مشروع العفو العام
بالإضافة إلى ذلك، انتقد بشير مشروع العفو العام المطروح حاليًا، معتبرًا أنّه "تسوية سياسية" أكثر منه معالجة قانونية عادلة، مشيرًا إلى أنّ المسيحيين المبعدين لن يستفيدوا فعليًا منه، لأنّ القانون الحالي لا يشمل الفئات المرتبطة بـ"جيش لحد"، فيما يرى أنّ بعض القوى السياسية تسعى من خلاله إلى معالجة ملفّات تخصّ جمهورها في ظلّ الظروف الأمنية والسياسية الراهنة. لذا، يؤكّد بشير أنّ التحوّلات الإقليمية، وخصوصا في سوريا، لم تنعكس بالكامل على الداخل اللبناني، فيما تبقى بعض الملفّات، ومنها المبعدون، رهينة التجاذبات السياسية والأمنية.
من هنا، أشار بشير إلى ما وصفه بصعوبات قانونية وإدارية تواجه بعض العائلات المبعدة، حتى أولئك الذين لا يملكون أيّ ملفّات أمنية. فتحدّث عن حالات جرى فيها، بحسب قوله، "تركيب ملفّات" أو توجيه اتّهامات مرتبطة بالعمالة أو التواصل مع إسرائيل، ما يزيد من تعقيد إمكانية العودة والاستفادة من القوانين القائمة.
بيار دياب: نطالب بحقّ زيارة وطننا
بعد 25 عامًا على مغادرته لبنان، لا يزال المبعد اللبناني بيار دياب يرى أنّ قضية اللبنانيين الموجودين في إسرائيل تُقارب من زاوية سياسية أكثر منها إنسانية.
ويؤكّد دياب لمنصّة "المشهد" أنّ مطلب كثيرين لا يتمثّل بالعودة النهائية بقدر ما يتمثّل بالحصول على حقّ زيارة لبنان بحرّية، معتبرًا أنّ أبناء هذه العائلات يجب أن يتمكّنوا من رؤية الأرض التي وُلد فيها أهلهم وأجدادهم.
وقال دياب "من حقّنا الطبيعي أن نزور أرضنا وبلادنا ووطننا الذي دافعنا عنه وقدّمنا التضحيات من أجله. لولا وجودنا وصمودنا في جنوب لبنان خلال فترات الاحتلال، لما كان من الممكن الحفاظ على هذه الأرض أو التمهيد لعودة أبنائها إليها". وأضاف: "لقد شكّل حضورنا عاملًا أساسيًا في مواجهة الاحتلال ومنع ترسيخ سيطرته على الجنوب".
بالإضافة إلى ذلك، يرفض دياب وصفهم بالمجرمين أو التعامل معهم على أساس أنّهم بحاجة إلى عفو، متسائلًا عن طبيعة الجرم الذي ارتكبوه من وجهة نظره قائلًا: "يُطرح أحيانًا موضوع قانون العفو في ما يتعلّق بنا، لكن السؤال الأساسي هو: عن أي فعل أو جريمة يُفترض أن يشملنا هذا العفو؟ نطالب بتحديد ما يُعتبر مخالفة أو جرمًا في هذا السياق".
من هنا، يستعيد دياب ذكريات قريته الجنوبية التي لا تزال حاضرة في وجدانه رغم السنوات الطويلة، مشيرًا إلى أنّ الحنين إلى الأرض لم يتراجع، وأنّ الأمل بالعودة إلى زيارتها لا يزال قائمًا مهما طال الزمن.
مريم يونس: حافظنا على هويتنا اللبنانية
من جهّتها، ترى المبعدة اللبنانية مريم يونس، وذلك في حديث مع منصّة "المشهد"، أنّ اللبنانيين الذين يعيشون في إسرائيل تمكّنوا من بناء حياة مستقرّة ومستقبل جديد لأنفسهم، من دون التخلّي عن جذورهم اللبنانية.
وتقول إنّ أبناء هذه العائلات نجحوا في الجمع بين هويتين مختلفتين، الأمر الذي جعلهم، بحسب رأيها، يحملون رسالة تدعو إلى السلام والتواصل بين الشعوب. لكنّها تؤكّد في الوقت نفسه أنّ الحنين إلى لبنان لا يزال جزءًا أساسيًا من حياتهم اليومية. مشدّدة على أنّه " لا يزال الحنين إلى الوطن راسخًا في نفوسنا، وما زلنا نتمسّك بالأمل في تحقيق السلام. واليوم، يبدو هذا السلام أقرب من أي وقت مضى، في ظلّ التطوّرات التي تدفعنا إلى التطلّع بثقة أكبر نحو مستقبل أكثر استقرارًا وطمأنينة".
لذا، تشير يونس إلى أنّ الأجيال الجديدة كبرت على قصص الأهل عن الوطن والقرى والعائلات التي حُرموا من رؤيتها، معتبرةً أنّ هذا الاشتياق لم يتلاشَ رغم مرور السنوات، بل ما زال حاضرًا في وجدان الكثيرين منهم.
في كلّ مرّة تتصاعد فيها المواجهات على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية، يعود ملف اللبنانيين الموجودين في إسرائيل إلى الواجهة. فالحروب والتوتّرات الأمنية تعيد طرح الأسئلة نفسها حول مصير هؤلاء وإمكانية إيجاد حلول تسمح بمعالجة هذا الملف من منظور إنساني وقانوني بعيدًا عن التجاذبات السياسية.
بالإضافة إلى ذلك، ساهمت مسألة العفو العام اليوم في إعادة إحياء هذا الملف مجدّدًا، في ظلّ صراع حادّ بين المؤيّدين لعودتهم الآمنة والكريمة وبين المعارضين لها من منطلق كونهم "عملاء"، على حدّ تعبيرهم.
رغم المبادرات التي طُرحت خلال الأعوام الماضية، لا تزال القضية عالقة بين الحسابات السياسية والاعتبارات الأمنية، ما يجعل مستقبلها مفتوحاً على احتمالات متعددة.
أخيرًا، بين روايات الحرب والتهجير والحنين، تستمرّ قصّتهم كواحدة من القضايا الإنسانية المفتوحة على أسئلة الهوية والانتماء والعودة، في بلد لم ينجح حتى اليوم في إغلاق صفحات ماضيه بشكل نهائي ولا تحقيق المصارحة والمصالحة الوطنيين.
(المشهد - لبنان)