وشملت الحملة بحسب التحقيق الذي استند إلى وثائق مصرفية داخلية، ومراسلات ومقابلات مع مسؤولين لبنانيين وأميركيين وإسرائيليين وأشخاص مطلعين على شؤون "حزب الله" المالية، ضرب مؤسسات مالية ومكاتب صرافة ومحطات وقود مرتبطة بالتنظيم، إلى جانب تشديد الرقابة اللبنانية على حركة الأموال والتحويلات النقدية.
مؤسسة "القرض الحسن"
وفي بداية الحرب الأخيرة بين إسرائيل و"حزب الله" شهر مارس، استهدفت الغارات الإسرائيلية أكثر من عشرة فروع لمؤسسة "القرض الحسن"، التي تعتبر الذراع المالية غير الرسمية للحزب، إضافة إلى مكاتب صرافة اتهمت باستخدامها في نقل أموال إيرانية إلى التنظيم، ومحطات وقود قالت إسرائيل إنها تدر إيرادات للحزب.
وتزامنت الضربات بحسب التحقيق، مع تحرك أميركي للضغط على الحكومة اللبنانية بهدف إغلاق قنوات التمويل التي يعتمد عليها الحزب، خصوصا تلك المرتبطة بإيران، وتشديد الرقابة على الاقتصاد النقدي الذي كان يوفر للتنظيم مساحة واسعة للتحرك خارج النظام المالي الرسمي.
وبدأت الضغوط تتصاعد بحسب التحقيق منذ أواخر عام 2024، بعد وقف إطلاق النار الذي أنهى جولة سابقة من الحرب بين إسرائيل و"حزب الله"، ثم سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، ما أدى إلى فقدان الحزب طريقا بريا رئيسيا، كان يستخدم في نقل الأموال والإمدادات من إيران إلى لبنان.
دولارات في حقائب دبلوماسية
وأجبر إغلاق الطريق السوري إيران على البحث عن مسارات بديلة لتمويل "حزب الله"، بينها مطار بيروت الدولي بحسب التحقيقي، ووفقا لمسؤولين لبنانيين وإسرائيليين، أرسلت إيران حقائب تحتوي على دولارات أميركية إلى بيروت عبر رحلات مدنية، وفي بعض الحالات حملها دبلوماسيون إيرانيون.
وبعد تحذير إسرائيلي نقلته واشنطن إلى الحكومة اللبنانية، علقت بيروت بحسب التحقيق الرحلات الجوية القادمة من إيران، وهو إجراء لا يزال ساريا، كما أبعدت موظفين مرتبطين بالحزب، عن مواقعهم في المطار، ونشرت عناصر أمنية لبنانية تعمل بالتنسيق مع مسؤولين أميركيين.
وعكس ذلك تحولا في موقف الدولة اللبنانية تجاه النفوذ الإيراني بحسب التحقيق، وقال رئيس الوزراء نواف سلام، في مقابلة مع "نيويورك تايمز"، إن بيروت أبلغت المسؤولين الإيرانيين، بأنها لن تسمح لطهران بالتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية.
وانتقلت الضغوط بعد ذلك إلى مصرف لبنان المركزي بحسب التحقيق، في ظل اعتماد الاقتصاد اللبناني بدرجة كبيرة على التعاملات النقدية، وترى وزارة الخزانة الأميركية أن هذا النظام وفر لـ "حزب الله" مجالا لغسل الأموال، ونقل الأموال الإيرانية بعيدا عن الرقابة الرسمية.
تشديد الرقابة المالية
وفي العام الماضي، تولى كريم سويد منصب حاكم مصرف لبنان، وبدأ بحسب التحقيق، باتخاذ إجراءات ضد مسؤولين مصرفيين يشتبه في ارتباطهم بالحزب، كما أطلق المصرف تحقيقا في نشاط شركات تحويل الأموال الكبرى، واحتمال استخدامها من قبل التنظيم لنقل الأموال.
وأدت التحقيقات إلى تشديد الرقابة على عمليات تحويل الأموال، بينما بدأ "حزب الله" يعتمد حسب التحقيق، بصورة أكبر على شبكة أقل تنظيما من شركات الصرافة، أصبحت، بحسب مسؤول دفاع إسرائيلي وشخص مطلع على الشؤون المالية للحزب، قناة رئيسية لنقل الأموال الإيرانية إليه.
وتتحرك هذه الأموال عبر إيران والإمارات وتركيا والعراق باستخدام نظام "الحوالة"، الذي يقوم على تحويل القيمة بين الوسطاء، من دون ضرورة انتقال الأموال النقدية فعليا عبر الحدود.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد فرضت في نوفمبر الماضي عقوبات على صرافين لبنانيين، وقالت حينها إن إيران حولت نحو مليار دولار إلى "حزب الله" خلال ذلك العام، معظمها عبر نظام الحوالة.
وقال حسن مقلد وهو صراف فرضت عليه الخزانة الأميركية عقوبات ووصفته بأنه مستشار مالي رئيسي للحزب بحسب التحقيق، إن الضغوط الدولية جعلت نقل الأموال أكثر صعوبة، لكن التنظيم يتكيف مع القيود الجديدة.
تراجع مالية الحزب
وبدأت آثار التضييق المالي تظهر بحسب "نيويورك تايمز"، بصورة أكبر في شبكة الخدمات الاجتماعية التابعة لـ "حزب الله"، والتي شكلت لعقود أحد ركائز نفوذه داخل البيئة الشيعية في لبنان.
وبحسب مسؤولين في الحزب ومستفيدين من خدماته، لا تزال رواتب عشرات الآلاف من المقاتلين تدفع إلى حد كبير، لكن بعض الخدمات الاجتماعية تراجعت مع اضطرار التنظيم إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.
وقال المتحدث باسم حزب الله يوسف الزين للصحيفة في مايو، إن التنظيم أوقف تعويضات كان قد تعهد بدفعها لمؤيديه، في ظل صعوبة تلبية احتياجات مئات الآلاف من الأشخاص الذين نزحوا بسبب الحرب.
وقدرت وزارة الخارجية الأميركية قبل الحرب أن التمويل الإيراني للحزب، يبلغ نحو 700 مليون دولار سنويا، وهو ما يمثل الجزء الأكبر من ميزانية التنظيم السنوية المقدرة بنحو مليار دولار.
الأسر تأثرت
وقال مسؤولون لبنانيون وأميركيون وإسرائيليون إن إيران رفعت دعمها المالي للحزب خلال العام الماضي، لكن الأموال المتاحة لم تعد كافية لتغطية نفقاته العسكرية وتكاليف الحرب والنزوح.
واتجه الحزب كذلك إلى الذهب لتوفير السيولة بحسب التحقيق، وقالت وزارة الخزانة الأميركية في فبراير إن مسؤولين كبارا في "القرض الحسن"، أنشأوا سلسلة من شركات تجارة الذهب لجمع الأموال، بينما أظهرت سجلات وتحليلات اطلعت عليها الصحيفة، ارتفاع نشاط بيع الذهب خلال العام الماضي.
وتعتقد مصادر أميركية وإسرائيلية أن جزءا من احتياطات الحزب من العملات الأجنبية والذهب تعرض للتدمير خلال الغارات الإسرائيلية، ما دفعه إلى تحويل المزيد من الأصول إلى سيولة نقدية.
وأصبحت الضغوط المالية تنعكس مباشرة على الأسر المرتبطة بالحزب حسب التحقيق، وقال أحد المستفيدين، الذي قتل صهره المنتمي إلى "حزب الله" خلال الحروب الأخيرة، إن الأسرة لا تزال تتلقى مخصصات عائلات القتلى، لكن الحزب لم يعد يغطي بعض الإجراءات الطبية، فيما ينتظر آلاف الأشخاص الذين دمرت منازلهم الحصول على مساعدات مالية تعهد بها الحزب.
وكان حزب الله قد أعلن بعد حرب 2024 أن "القرض الحسن" سيقدم بين 12 ألفا و14 ألف دولار لكل أسرة دمر منزلها، لكن هذه التعويضات تأخرت مرارا قبل أن تتوقف بشكل كامل، وفقا للمتحدث باسم الحزب.
وتشير هذه التطورات بحسب تحقيق "نيويورك تايمز"، إلى أن الحملة المالية لم تعد تركز فقط على منع وصول الأموال الإيرانية إلى "حزب الله"، بل امتدت إلى البنية الاقتصادية التي يعتمد عليها التنظيم داخل لبنان، بما في ذلك مؤسسات الإقراض والصرافة والاقتصاد النقدي، وشبكة الخدمات التي ساعدته لعقود على الحفاظ على نفوذه الاجتماعي والعسكري.
(ترجمات)
