هل اتفاق أميركا وإيران نهاية حروب المنطقة منذ 7 أكتوبر؟

آخر تحديث:

شاركنا:
اتفاق واشنطن وطهران بين خفض التصعيد واحتمالات عودة الصراع (أ ف ب)
هايلايت
  • الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران يكشف عن معضلات جمّة، ويقع بين رهانات واختبارات عديدة.
  • مراقبون: الاتفاق مع إيران أقرب إلى اتفاق إطاري لإدارة التصعيد منه إلى تسوية نهائية.
  • المرحلة المقبلة مفتوحة على سيناريوهات متفاوتة تحدد مدى صمود التفاهمات المحتملة.
رغم الإعلان عن نجاح التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران والذي من المفترض إنهاء الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي، ثم ضمان الملاحة في مضيق هرمز، إلا أن هذا الإعلان الذي وصفه الرئيس دونالد ترامب بـ"اتفاق عظيم" وسيحقق "السلام والأمن بالمنطقة"، يكشف عن معضلات جمّة ويقع بين رهانات واختبارات عديدة.

نقطة الحسم

وثمّة جوانب عديدة ضمن الاتفاق لم تصل لنقطة الحسم، بداية من آليات إعادة فتح المضيق الذي تمر من خلاله خُمس إمدادات الطاقة والغاز الطبيعي المسال عالميًا، مرورًا بمستقبل الحصار البحري الأميركي، وحتى الملف النووي.

غير أن الاتفاق الذي من شأنه خفض درجة التوتر القصوى التي سادت الفترة الماضي، وبدت وكأنها موجة تصعيد جديدة إقليميًا هي الأكبر بعد حرب غزة، يشي باحتمالات عديدة حول قدرته على تحقيق أفق سلام دائم ومستدام، خصوصًا مع موقف إسرائيل من استمرار التصعيد في لبنان وتقويض بنية "حزب الله" العسكرية والأمنية.

وكان نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي قد ثمّن، مؤخرًا، التوصل لاتفاق، وعزا ذلك إلى ما وصفه بنجاحات بلاده العسكرية.

اتفاق إطاري

وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن أي اتفاق مرتقب بين الولايات المتحدة وإيران يظل، في جوهره، أقرب إلى "اتفاق إطاري" لإدارة التصعيد منه إلى تسوية نهائية للصراع، وقد ألمحوا إلى أن هذا المسار الدبلوماسي قد يفتح نافذة لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا.

كما تشير المصادر ذاتها إلى أن تعقّد الملفات العالقة وتشابكها مع ساحات إقليمية مثل لبنان وغزة يجعل من الصعب التعويل على تحول سريع أو جذري في بنية الصراع.

إذ إن استمرار التباينات حول الأهداف النهائية لكل من واشنطن وطهران وتل أبيب، يجعل الاتفاق المطروح بين طهران وواشنطن أقرب إلى هدنة سياسية لديها القابلية للاهتزاز أو الاختراق، أكثر من كونه نهاية لمسار طويل من التوترات.

عليه، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات وسيناريوهات متفاوتة، تحدد مدى صمود أي تفاهمات محتملة.

القضايا الخلافية

وفي حديثه لمنصة "المشهد"، قال الباحث المتخصص في الشؤون السياسية والإقليمية الدكتور هاني سليمان، إن الاتفاق الإطاري المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران يمثل "نقلة نوعية وخطوة بالغة الأهمية" ليس فقط على صعيد العلاقات الأميركية الإيرانية أو مسار المواجهة بين البلدين، وإنما بالنسبة إلى مجمل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط.

وأوضح سليمان أن الاتفاق، رغم كونه لا يرقى إلى مستوى تسوية شاملة لكافة الملفات العالقة، فهو يؤسس لمرحلة جديدة قد تمهد لانتقال المنطقة نحو قدر أكبر من الاستقرار، إذا ما جرى استكمال التفاهمات بشأن القضايا الخلافية الأخرى خلال المرحلة المقبلة.

ورجح الباحث المتخصص في الشؤون السياسية والإقليمية، أن أي اتفاق واسع ومستدام بين واشنطن وطهران يُفترض أن تكون له انعكاسات مباشرة على عدد من الملفات الإقليمية، منها ملف "حزب الله"، مشيرًا إلى أن المؤشرات الحالية توحي بأن هذه القضايا تحظى بحضور واضح ضمن التفاهمات الجارية.

وتابع: "إنهاء المواجهة الأميركية الإيرانية والوصول إلى تفاهم سياسي يمثلان نقطة ارتكاز أساسية ستنعكس، بدرجات متفاوتة، على الجبهة اللبنانية من خلال مسارات سياسية وأمنية موازية، كما ستؤثر بصورة ملموسة على ملف قطاع غزة وفرص إنهاء الحرب التي اندلعت عقب 7 أكتوبر".

التفاعلات الإقليمية

وأشار سليمان إلى أن التطورات التي شهدتها المنطقة منذ حرب غزة لا يمكن فصلها عن الدور الإيراني وتأثيراته الإقليمية، سواء في الساحة الفلسطينية أو اللبنانية، لافتًا إلى أن لبنان، بوصفه "جبهة إسناد" رئيسة خلال مرحلة التصعيد، كان ضمن شبكة التفاعلات الإقليمية المرتبطة بالأزمة، مؤكدًا أن الملف الإيراني استحوذ خلال الفترة الماضية على جانب كبير من الاهتمام السياسي والدبلوماسي الأميركي والإقليمي، ما جعل العديد من الملفات الأخرى، وفي قمتها غزة ولبنان، مرتبطة بمآلات التفاهمات بين واشنطن وطهران.

وختم حديثه قائلًا إن نجاح الاتفاق الأميركي الإيراني واستكماله بصورة نهائية يدشن لمرحلة جديدة من التركيز على ترتيبات ما بعد الحرب في غزة ومعالجة الملفات الإقليمية العالقة، وعدّ هذا الاتفاق قد يشكل الإطار العام الذي يؤسس لإنهاء موجة الصراعات التي تفاقمت منذ 7 أكتوبر، على أن تتولى التفاهمات اللاحقة معالجة التفاصيل والقضايا التنفيذية المرتبطة بذلك.

إنهاء الحرب

وفي حين جاء الاتفاق لإنهاء الحرب بين واشنطن وطهران، فإنه من غير المتوقع أن يكون اتفاقًا طويل الأمد، بحسب ما يوضح الباحث في مركز لندن للدراسات السياسية والإستراتيجية مايكل مورغان، مرجحًا أن يمتد الاتفاق أو بالأحرى الهدنة إما حتى انتخابات الكونغرس الأميركي في نوفمبر 2026 أو حتى انتهاء ولاية الرئيس ترامب في عام 2028.

وأوضح مورغان لمنصة "المشهد"، أن ترامب كان حريصًا على التوصل إلى هذا الاتفاق لعدة اعتبارات، أبرزها الانتخابات النصفية المقبلة للكونغرس في نوفمبر، مشيرًا إلى أن استمرار الحرب حتى ذلك الموعد كان سيؤدي إلى خسائر سياسية كبيرة للحزب الجمهوري، بفعل التداعيات الاقتصادية التي تكبدها المواطن الأميركي خلال فترة الحرب.

وألمّح الباحث السياسي في مركز لندن للدراسات السياسية والاستراتيجية إلى أن الإدارة الأميركية أدركت بعد اندلاع الحرب أن تقديراتها لم تكن دقيقة، تحديدًا في ما يتصل بإمكانية إحداث تغيير سريع ومباغت على مستوى تغيير طبيعة الحكم الذي يقوده "الولي الفقيه"، إلا أن التطورات الميدانية أظهرت أن الواقع أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا.

وقال مورغان إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو كان من أبرز الداعمين لاستمرار التصعيد، ويتبنى فرضية التغيير السريع داخل نظام الملالي، فضلًا عن تقييمه أن "بقاء المنطقة في حالة توتر وصراع يخدم حساباته السياسية الداخلية، ويؤجل الضغوط المرتبطة بملفات أخرى، مثل قضية الفساد والأزمة في غزة، إلا أن ترامب بدا يميل إلى تجنب الانزلاق لحرب شاملة مع إيران، وهو ما انعكس مع رغبته المتكررة في احتواء التصعيد".

كما شدد على أن أي مواجهة واسعة كانت ستعني استنزافًا كبيرًا للقدرات الأميركية، حتى مع امتلاك واشنطن تفوقًا عسكريًا واضحًا.

وأردف: "الحروب في المنطقة عادة ما تتحول إلى صراعات طويلة ومكلفة، وهو ما تدركه الإدارة الأميركية جيدًا، بخلاف ما جرى في فنزويلا، لذلك؛ فضلت الانتقال إلى مسار التفاهمات السياسية بدلاً من توسيع دائرة المواجهة العسكرية".

وعليه، لا يرجح الباحث في مركز لندن للدراسات السياسية والإستراتيجية أن الاتفاق بين واشنطن وطهران سيصمد لفترة طويلة، في ظل استمرار الاعتراضات الإسرائيلية عليه، وقال إن من المحتمل أن تشهد المرحلة المقبلة محاولات للتأثير على مساره أو إعادة النظر في بعض بنوده، خصوصًا بعد انتهاء الاستحقاقات السياسية الأميركية المقررة في نوفمبر 2026.

تباين الرأي العام الأميركي

من جهته، يرى المحلل السياسي الأميركي والذي سبق أن عمل ضابطًا بجهاز الخدمة السرية باري دوناديو، أن تقييم إدارة ترامب بشأن الاتفاق يقوم على فكرة إنهاء الحروب التي اندلعت بالمنطقة منذ 7 أكتوبر 2023، لافتًا لـ"المشهد" إلى أن هذا التقييم لا يعكس حقيقة الموقف بالكلية داخل الولايات المتحدة.

وأوضح دوناديو أن الحرب في إيران و"اغتيال المرشد الإيراني"، ستجعل هناك تداعيات حتمية بغض النظر عن أي اتفاق سياسي يتم التوصل إليه، مؤكدًا أن التطورات لن تتوقف عند حدود التفاهمات الدبلوماسية.

وتابع أن "شريحة واسعة من الرأي العام الأميركي لن تنظر إلى أي اتفاق سلام مع إيران على أنه كافٍ في حال استمرار القيادة الإيرانية الحالية في السلطة؛ حيث إن كثيرين قد يعتبرون العمليات العسكرية الأخيرة بلا جدوى طالما لم تُفضِ إلى تغيير جذري في النظام. فالمطلب الرئيس لدى قطاعات من الأميركيين يتمثل في إنهاء النظام السياسي القائم في إيران، ومن ثم، أي تسوية لا تتضمن هذا الهدف قد تُفسَّر داخليًا على أنها فشل في تحقيق الغايات التي انطلقت من أجلها العمليات العسكرية".

لذلك، يتشكك أستاذ العلاقات الدولية في جامعة فلوريدا إريك لوب، من قدرة الاتفاق على إنهاء الصراع الإقليمي أو تحقيق سلام مستدام ودائم في المنطقة.

يتفق لوب في حديثه لـ"المشهد" مع فكرة أن الاتفاق المطروح لا يزال عند مستوى "اتفاق إطاري" وليس تسوية نهائية، نظرًا لوجود مجموعة من القضايا المعقدة والخلافية التي لم يتم حسمها بعد بين الأطراف المعنية.

وقال: "إيران لا تزال تنظر إلى نفسها في حالة حرب، وهو ما سينعكس على موقفها من أي ترتيبات لوقف التصعيد. كما أن المخاوف الأمنية الإسرائيلية تجاه إيران، وكذلك تجاه حلفائها أو وكلائها الإقليميين، ما تزال قائمة رغم ما قد يكون قد طرأ من إضعاف لقدراتهم خلال الفترة الأخيرة".

وبالمحصلة، فإن هذه العوامل كافة تجعل فرص التوصل إلى سلام دائم ومستقر في المدى القريب محدودة، حتى في حال التوصل إلى اتفاق لخفض التصعيد أو وقف إطلاق النار، بحسب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة فلوريدا. 

(المشهد)