استبدال العملة.. هل تزيد الانقسام في السودان المنكوب؟

شاركنا:
التضخم يتخطى حاجز الـ200% في السودان (أ ف ب)
هايلايت
  • البنك المركزي السوداني يطرح عملات جديدة.
  • خبير: الخطوة تهدف إلى تجريد "الدعم السريع" من الأموال.
  • محللون منقسمون حول جدوى القرار. 

في خضم أزمة إنسانية كبيرة وحرب طاحنة تدور منذ منتصف أبريل من العام 2023، أعلن البنك المركزي السوداني الموالي للجيش، طرح أوراق نقدية جديدة لعملته المحلية الخاصة بفئتي 500 جنيه وألف جنيه.

وقال البنك المركزي السوداني في بيان له، إنّ القرار جاء لمعالجة الآثار الناجمة عن الحرب الدائرة، خصوصا عملية النهب الواسعة التي تعرضت لها المصارف في البلاد.

واندلعت حرب في السودان نتيجة صراع على السلطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية قبل انتقال مخطط له إلى الحكم المدني، مما تسبب في أكبر أزمة نزوح في العالم.

وتقول الأمم المتحدة إن نحو 25 مليون شخص، أيّ نصف عدد سكان السودان، يحتاجون إلى المساعدات مع انتشار المجاعة في مخيمات للنازحين وفرار 11 مليونًا من منازلهم. ولجأ نحو 3 ملايين من هؤلاء الفارين إلى بلدان أخرى.

التضخم يتخطى حاجز الـ200%

وفيما رأى محللون موالون للجيش السوداني، في حديث لمنصة "المشهد" أنّ القرار من شأنه حل أزمة السرقة والنهب التي تعرضت لها المصارف السودانية فضلًا عن تحجيم تحركات قوات الدعم السريع، اعتبر محللون تابعون لـ"الدعم السريع" أنّ القرار ليس له أيّ تأثير على تحركات قواتهم في البلاد، خصوصًا وأنهم لا يعترفون بالحكومة السودانية ولا بالعملة المحلية الواقعة تحت سيطرتها.

وكشفت بيانات رسمية، أنّ التضخم السنوي في السودان ظل فوق 200% في أكتوبر. وأظهرت البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء بالسودان أنّ التضخم السنوي بلغ 211.48 % في أكتوبر مقابل 215.52% في سبتمبر و218.18% في أغسطس.

وذكر الجهاز في بيان أن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين لشهر أكتوبر سجل ارتفاعًا بواقع 4.50% عن سبتمبر، لافتاً إلى أن التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المناطق الحضرية بلغ 175.17 % فيما بلغ 236.49 % في المناطق الريفية.

وفي التفاصيل، قال الخبير الاقتصاديّ، الدكتور كريم العمدة، إنّ الدول تلجأ إلى تغيير عملتها نتيجة عوامل عدة أبرزها:

  • وجود وقائع فساد كبيرة لا تستطيع أن تسيطر عليها، أو تعرض المصارف لعمليات نهب وسرقة واسعة.
  • ظهور أوراق عملة مزورة على نطاق واسع.
  • حالات التضخم الكبيرة التي تضرب البلاد.

وأضاف العمدة، في حديث لـ"المشهد" أنّ الخطوة التي أعلنت عنها الحكومة السودانية (تابعة للجيش السوداني) تهدف في الأساس إلى تجريد قوات الدعم السريع من الأموال التي يمتلكونها، لافتًا إلى أن الاقتصاد السوداني يعاني من آثار كارثية للحرب.

ولكن في الوقت نفسه، رأى الخبير الاقتصادي أنّ قرار تعديل الأوراق النقدية من شأنه أن يقلل من السيولة الموجودة لدى الأشخاص وبالتالي قد يساهم في تحسين وضع سعر صرف الجنيه السوداني أمام الدولار.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أنّ القرار قد تكون له بعض التداعيات الداخلية الخاصة بالمواطنين في السودان، ولكن هذا الإجراء تتخذه الدول في الحالات الاستثنائية كحالة السودان التي تعرضت مصارفها لعمليات نهب وسرقة.

لن يؤثر على "الدعم السريع"

سياسيًا، قال المحلل السياسي السوداني، مصطفى محمد إبراهيم، إنّ قرار استبدال العملة ليس له أيّ تأثير على قوات الدعم السريع ولا على المواطنين المتواجدين في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.

وأضاف في حديث لـ"المشهد": "نحن لا نعترف بهذه العملة ولن نسمح بتداولها في مناطق سيطرة الدعم السريع لأننا لا نرى أنّ هناك حكومة شرعية في البلاد لها الحق في إصدار عملة جديدة".

ورأى المحلل السياسي السوداني، أنّ هذا الإصدار من العملة يزيد من الأزمة السياسية والاقتصادية في السودان مما سيؤدي إلى رفع معدلات التضخم لأنّ طباعة هذه العملة ليس لها غطاء ماليّ.

وأشار إلى أنّ هذه القرارات لن تؤثر على قوات الدعم السريع في السودان بل ستكون دافعًا لاستمرار حربهم ضد قوات الجيش السوداني، بحسب قوله.

أمر ضروري

على الجانب الآخر، رأى المحلل السياسي السودانيّ، مكي مغربي، أنّ تغيير العملة أمر ضروريّ بسبب تعرض بنوك كثيرة للسطو والنهب الكامل، حيث تم تخزين الأموال في مناطق محددة.

وقال في حديث لـ"المشهد": "السودان من الدول التي لا تختفي فيها الأسرار كثيرًا.. الأموال المخزنة والقنوات التي يتحركون بها ومحاولات تبديل هذه الكميات الضخمة من النقود مرصودة".

وأشار مغربي إلى أنّ هناك خطة أمنية واقتصادية لمتابعة استبدال العملات القديمة بالعملات الجديدة، لافتًا إلى أن السودان لديه خبرة سابقة في هذا الأمر وجرى استبدال العملة حينما انفصل جنوب السودان.

وأضاف "الخطوة تهدف إلى تحسين الاقتصاد ومنع من سرقوا الأموال من التعامل بها.. هناك خطة واضحة لهذا الأمر ولن يستفيد أيّ شخص سرق الأموال بها".

إجراءات فنية واقتصادية

من جانبه، قال الباحث في مركز الخرطوم للحوار، رشيد معتصم، إنّ إعلان الحكومة السودانية طرحها لعملة جديدة يبدو أن الدافع خلفه يتلخص في عدة نقاط:

  • جذب مدخرات المواطنين من داخل وخارج السودان والحد من الكتلة النقدية الكبيرة المتداولة خارج النظام المصرفي.
  • معالجة مشكلة انتشار العملة المزورة الناتجة من الأوضاع الاستثنائية التي أفرزتها الحرب.
  • الأوراق التي تم نهبها من البنوك ومطابع العملة.

ورأى في حديث لـ"المشهد" أنّ الخطوة ستكون ناجعة في رأي المراقبين إذا تبعتها خطوات وحزم إجرائية ووقائية أخرى بعضها اقتصادي وآخر فني يتعلق بأمور منها:

  • تحسين جودة الخدمات البنكية ورفع كفاءة التعاملات المصرفية.
  • توسيع دائرة التعاملات الرقمية عبر نشر وسائل الدفع الإلكتروني والتطبيقات المختلفة التي تعمل في المجال، حتى يتمكن المواطن من إكمال كافة معاملاته بالسرعة والكفاءة اللازمتين.
  • المراقبة المستمرة عبر هذه الآليات والعمل على فتح القنوات المشروعة لهزيمة المافيات التي تنشط في مثل هذه الظروف.

أما فيما يخص الخطوات الاقتصادية فتتمثل في:

  • دعم القطاعات الإنتاجية لتعزيز الإنتاج الداخلي في المجالات الحية ذات العائد السريع مثل الذهب والزراعة، خصوصًا وأنّ هناك مساحات واسعة من البلاد خارج دائرة الحرب المباشرة.
  • تنويع مصادر الدخل وسيطرة الدولة على الموارد والرقابة على عائدات الصادرات مع تقوية مؤسسات الدولة وعملها بالتناغم المطلوب.

(المشهد)