تحديات أمنية واقتصادية معقدة بدأت تتصاعد خلال الآونة الأخيرة عبر الحدود المصرية الجنوبية المتاخمة مع الجانب السوداني، في ظل استمرار محاولات ما بات يطلق عليهم ميليشيات "الدهابة" السودانية، عبور الأراضي المصرية والتنقيب غير الشرعي عن الذهب والمعادن.
وفي مواجهة هذه التحديات لم تقف مصر مكتوفة الأيدي، وقامت بحسب وسائل إعلام محلية بحملات أمنية موسعة وغير مسبوقة لمواجهة ظاهرة "الدهابة"، وذلك في إطار خطة شاملة تستهدف حماية الثروات التعدينية داخل الدولة، وأسفرت هذه الحملات عن إلقاء القبض على عدد كبير منهم، والتحفظ على كميات كبيرة من المعدات والأجهزة المستخدمة في أعمال البحث والتنقيب العشوائي، وذلك خلال مداهمات مكثفة استهدفت بؤر التعدين غير القانوني بمناطق جنوب البحر الأحمر.
وشملت التحركات الأمنية المصرية تمشيط آلاف الكيلومترات من الطرق والمدقات الصحراوية والمناطق الجبلية الوعرة، التي يقوم المنقبون باستخدامها من أجل الوصول إلى مواقع استخراج الخام، ونجح الأمن المصري في ضبط أعداد كبيرة من المخالفين، وتبين أن بعضهم يحمل جنسيات أجنبية، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم وإحالتهم إلى جهات التحقيق المختصة.
التنقيب يقع داخل الأراضي المصرية
وفي هذا السياق يقول مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق اللواء رضا يعقوب في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد": "كنت من أوائل الأشخاص الذين اكتشفوا عملية اختراق الدهابة السودانيين لحدود مصر الجنوبية منذ سنوات لسرقة ونهب الذهب، وذلك بحكم أن مسقط رأسه هي مدينة أسوان القريبة جداً من الحدود مع السودان".
وأوضح يعقوب أن "المنطقة التي يدور الحديث بشأنها ويطلق عليها السودانيون شمال الوادي، هي منطقة حدودية يقطعها خط العرض 22، وهو الخط الفاصل بين حدود مصر والسودان، حيث يقع في هذه المنطقة جبل إيقات، والموجود بالكامل في منطقة الصحراء الشرقية بمصر، وبالتحديد داخل منطقة امتياز شركة شلاتين للثروة المعدنية جنوبي البلاد".
وبالتالي فإن جبل إيقات يقع بالكامل داخل الأراضي المصرية وحدودها الجغرافية والإدارية في منطقة حلايب وشلاتين، نافياً وبشكل قاطع كل ما يتردد بشأن وقوع هذا الجبل ضمن الحدود السودانية.
وكشف يعقوب أن العصابات السودانية المتمرسة على استخراج الذهب من الجبال والمناجم قامت بالفعل بالتنقيب داخل الأراضي المصرية، واستطاعت الدخول إلى مصر بطرق غير قانونية مستغلة في ذلك أزمة الحرب التي تشهدها بلادهم واستمرار الفوضى هناك، مع تدفق ملايين السودانيين إلى مصر، موضحاً أن بلاده لم تسمح بدخول عصابات "الدهابة" السودانيين لأن مهنتهم غير شرعية.
وأوضح أن التنقيب عن الذهب والمعادن بالطرق غير الشرعية في مصر لم يقتصر على "الدهابة" السودانيين فقط، بل هناك عصابات متشابكة ومتداخلة مع بعضها تحمل جنسيات إفريقية تنشط داخل السودان تعمل في مجال التنقيب، استطاعت التسلل إلى مصر من الناحية الجنوبية في ظل استمرار الفوضى الأمنية من الناحية السودانية، ومن ثم كان لا بد من مواجهة مصر لهم بشكل حاسم، كاشفاً في الوقت نفسه عن قيام السلطات المصرية بترحيل المئات من السودانيين المخترقين للحدود المصرية، وذلك عبر معبر أرقين الحدودي الواقع بين مصر والسودان.
تحركات أمنية مصرية
ووفقاً لمساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، فإن ميليشيات "الدهابة" ورفاقهم من العصابات الأخرى، يتسللون الحدود المصرية لنهب الذهب والمعادن بأسلحة وسيارات دفع رباعي القادرة على التحرك في المناطق الجبلية الوعرة، ومن ثم فإن الأجهزة الأمنية المصرية تقوم بواجبها في التعامل مع تلك العصابات من خلال التصدي لها ومهاجمتها بشكلٍ حاسم لحماية ثروات الدولة من السرقة والنهب.
وأشار إلى أن "الأجهزة الأمنية كثفت من انتشارها في المناطق الجبلية والصحراوية الممتدة بين محافظة البحر الأحمر ومحافظات الصعيد، مع تنفيذ حملات تمشيط موسعة استهدفت البؤر التي تشهد تجمعات للمنقبين غير الشرعيين".
ولفت إلى وجود تحركات أمنية تتم على أعلى المستويات من أجل تأمين حدود مصر الجنوبية ومناطق التنقيب غير الشرعية، عبر حملات أمنية من الأجهزة الأمنية المصرية المختلفة، من خلال عمليات مستمرة لقوات حرس الحدود والمنطقة الجنوبية العسكرية، إضافة إلى القوات البحرية والداخلية المصرية لتمشيط الممرات الجبلية مع الملاحقة البرية للمتسللين من السودان.
وفي ظل تزايد عمليات التنقيب غير المشروعة على الحدود المصرية الجنوبية المتاخمة للسودان، أبدى الخبير الجيولوجي الدكتور محمد الجزار، تخوفه من ظاهرة التنقيب العشوائي التي تتم داخل مصر، مشيراً إلى أن هذا الأمر يمثل تهديداً مباشراً للثروات التعدينية داخل الدولة، لا سيما وأن عمليات الاستخراج غير المنظمة تساهم في إهدار الكثير من الكميات الخام، كما تتسبب في أضرار بيئية بالمناطق الصحراوية.
وأشار الجزار إلى أن ثروات مصر التعدينية يتم استنزافها بشكل متواصل، بسبب أعمال التنقيب العشوائي وغير المشروع من قبل الخارجين عن القانون.
خسائر اقتصادية
وأكد الجزار أن التنقيب العشوائي عن الذهب لا يعدو كونه مجرد مخالفة قانونية وغير شرعية فحسب، بل يهدد فرص الاستثمار والاستفادة من الاحتياطات التي تمتلكها مصر في هذا المعدن النفيس، كما يمثل تهديداً مباشراً لا عوج فيه للاقتصاد المصري، حيث يؤدي إلى إهدار كميات من الخام دون رقابة أو إشراف فني، فضلاً عن فقدان الدولة عوائد اقتصادية كبيرة كان يمكن تحقيقها من خلال الاستغلال المنظم للثروات المعدنية.
وأوضح أن مصر تعد من أقدم مناطق تعدين الذهب في العالم، لا سيما في الصحراء الشرقية، منوهاً إلى أن الدراسات الجيولوجية تشير إلى وجود موارد كبيرة تُقدّر بعشرات الملايين من الأوقيات، مع تركز النشاط في مناطق محافظة البحر الأحمر ومحافظات الصعيد.
حملة للجيش المصري
وأكدت القوات المسلحة المصرية في بيان أن قواتها، بالتعاون مع عناصر من وزارة الداخلية، نفذت حملة موسعة في نطاق المنطقة الجنوبية العسكرية ضد عدد من البؤر الإجرامية التي تستغلها التنظيمات والشبكات الإجرامية لممارسة أنشطة غير مشروعة تشمل الاتجار بالمواد المخدرة والسلاح والتنقيب غير المشروع عن الذهب والهجرة غير الشرعية.
وأضافت أن الحملة تأتي في إطار جهود حماية الأمن القومي والحفاظ على مقدرات الدولة، ومواجهة الأنشطة التي تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي وتؤثر سلبا على الاستقرار الاقتصادي ومناخ الاستثمار وجهود التنمية المستدامة.
وأوضح البيان أن الحملة أسفرت عن ضبط عدد من الأفراد المتورطين في تلك الأنشطة غير المشروعة من بينهم 87 مصريا و136 أجنبيا و14 عربة وأجهزة اتصال لاسلكية ومبالغ مالية بالجنيه المصري والعملات الأجنبية بالإضافة إلى كميات من الأسلحة والذخائر غير المرخصة.
وأشار البيان إلى مصادرة أعداد كبيرة من المعدات والأجهزة المستخدمة في عمليات التنقيب العشوائي عن الثروات التعدينية بالإضافة إلى ضبط عدد من العناصر المتسللة والتي لا تحمل مستندات إقامة رسمية بالدولة وتمت إحالة الأشخاص والمضبوطات للجهات القضائية المختصة لاتخاذ كافة الإجراءات القانونية حيالها وفق المواثيق الدولية ومعايير القانون الدولي الإنساني .
وذكر البيان أنه بالتزامن مع بدء الحملة، سلم عدد من الأشخاص الذين دخلوا الأراضي المصرية بطرق غير شرعية أنفسهم للنقاط والتمركزات الأمنية حيث تم ترحيلهم إلى بلادهم مع مراعاة كافة احتياجاتهم الإنسانية .
وأكدت القوات المسلحة المصرية استمرار قوات إنفاذ القانون في تنفيذ مهامها الميدانية المكثفة لتطهير البؤر الإجرامية وملاحقة العناصر الخارجة عن القانون في إطار جهودها المستمرة لتأمين حدود الدولة وترسيخ دعائم الأمن والاستقرار .
وشدد البيان على أن مصر تحتفظ بكافة الخيارات المتاحة للتعامل مع كافة التهديدات كما أنها تمتلك القدرة على حماية أراضيها ومقدرات شعبها في ظل كافة الظروف .
(المشهد)