طاولة تفاوض في روما، وغارات على الجنوب اللبناني، 7 جولات لم تُنتج اختراقاً، وجولة ثامنة أُجّلت إلى ما بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي، و3 عقبات لا تزال تُبقي الملف معلقاً، النقاط الحدودية الست، وملف الأسرى والمفقودين، وشرط نزع سلاح "حزب الله" فهل المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية طريق إلى تسوية، أم غطاء لإدارة الصراع في الحسابات الإسرائيلية؟
في المنظور الإسرائيلي، لا يُنظر إلى هذا التعثّر كفشل بل كخيار، القناة "14" الإسرائيلية، نقلت أن رئيس الوفد الإسرائيلي طلب وقف إحدى الجلسات قبل 3 ساعات من موعد ختامها، احتجاجاً على "التسريبات اللبنانية"، بينما وصف موقع "واللا" الإسرائيلي اتفاق الإطار بأنه يقوم على "مهمة مستحيلة"، أما الشرط الإسرائيلي نزع سلاح "حزب الله"، الذي ربطت إسرائيل به انسحابها، لم يعد مجرد مطلب أمني، بل ورقة تُدار بها الانتخابات المقبلة وفق محللين وخبراء لمنصة "المشهد"، وبينما تتواصل الغارات على الجنوب اللبناني، يبقى السؤال، هل المفاوضات تُدار لحل الأزمة، أم لإبقائها مفتوحة؟
الانسحاب الإسرائيلي المشروط
من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن المفاوضات مع لبنان ليست تنازلاً، بل طريقة لفرض شروط، فنتانياهو أعلنها بوضوح: "المفاوضات ستجرى تحت النار"، أي أن الغارات على الجنوب وطاولة التفاوض أمران متكاملان، لا متناقضان، والمنطق بسيط، نزع سلاح "حزب الله" أولاً، ثم انسحاب تدريجي مقابل أداء فعلي، وتأجيل أي اختراق حتى تتضح نتائج الانتخابات المقبلة.
من جانبه، اعتبر الخبير والمحلل السياسي الإسرائيلي، د.موشيه كيدار خلال حديثه لمنصة "المشهد" أن شرط اسرائيل انسحابها من جنوب لبنان بنزع سلاح "حزب الله" بشكل كامل الضمانة الوحيدة لعدم تكرار ما جرى، وشدد بالقول، "لا يمكن أن تنسحب إسرائيل وتترك "حزب الله" يعيد بناء قدراته على حدودها، من ينظر إلى الاتفاق الإطاري يجد أنه يقوم على مبدأ الأداء مقابل الانسحاب، أي أن كل خطوة إسرائيلية تقابلها خطوة لبنانية فعلية على الأرض، نزع سلاح "حزب الله" ليس هدفاً إسرائيلياً فقط، بل التزام دولي بموجب القرار 1701 الذي فشل تطبيقه لعقدين، إسرائيل لا تتفاوض على أمنها، بل تتفاوض على آلية تنفيذ هذا الأمن".
نزع سلاح "حزب الله" أولاً
وبشأن تأجيل الحكومة الإسرائيلية الجولة الثامنة من المفاوضات مع لبنان إلى ما بعد انتخابات الكنيست، يعلق المحلل السياسي كيدار لـ"المشهد"، بالقول، "التأجيل ليس تأجيلاً، بل ضبط توقيت، المفاوضات مع لبنان ليست سباقاً زمنياً، بل مسار طويل يتطلب استقراراً داخلياً إسرائيلياً، من غير المنطقي أن تتفاوض حكومة انتقالية على قضايا أمنية مصيرية، نتانياهو أبلغ واشنطن أنه سيتجاوب بعد الانتخابات، وهذا موقف مسؤول، من يريد اتفاقاً حقيقياً يجب أن يمنح الحكومة المنتخبة تفويضاً شعبياً للتنفيذ، التأجيل يحمي الاتفاق من أن يصبح ورقة انتخابية".
ومع استمرار الغارات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني، بالتوازي مع الجولات التفاوضية، يرجح المحلل السياسي كيدار أن، "هذا ليس تناقضاً، بل إستراتيجية التفاوض تحت النار، الضغط العسكري هو ما أجبر "حزب الله" على الجلوس إلى الطاولة أصلا، لولا العمليات الإسرائيلية في الجنوب، لما كان هناك اتفاق إطاري، فالاتفاق مهم في المبادئ والاختبار في التنفيذ، والغارات هي جزء من هذا الاختبار، إسرائيل تختبر جدية لبنان في فرض سيطرته، فالتصعيد لا يعقد المفاوضات، بل يمنحها مصداقية".
التفاوض تحت النار
أورد الإعلام الإسرائيلي أن الاتفاق الإطاري الموقع بين إسرائيل ولبنان "يتضمن خارطة طريق لسلام مستقبلي، لكنه لا يحدد جدولا زمنيا للانسحاب"، ويعترف المحللون الإسرائيليون يعترفون بأن "المسار التفاوضي سيتقدم بشكل تدريجي، لا أن ينتج تسوية شاملة في المستقبل القريب"، فهل هذه الجولات طريق إلى تسوية، أم أداة لإدارة الصراع وإبقاء الملف معلقا؟
يوضح الخبير في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد لمنصة "المشهد"، بأن "ما يجري بين تل أبيب وبيروت ليس مفاوضات بالمعنى المتعارف عليه، بل إدارة صراع بغطاء دبلوماسي، إسرائيل لا تدخل قاعة التفاوض لإنهاء الملف، بل لترتيبه بما يخدم أمنها، والدليل أن كل جولة تنتهي بتفاهمات جزئية أو تقدم محدود، بينما تبقى القضايا الجوهرية، والنقاط الحدودية الـ6، والأسرى، ونزع سلاح "حزب الله" مكانها، والأخطر أن هذه الجولات تُعقد تحت النار، إسرائيل تريد أن تُبقي الملف مفتوحاً لأن إغلاقه يعني تقديم تنازلات، بينما يكون إبقاؤه معلقاً يمنحها شرعية دولية للاستمرار في العمليات العسكرية، والنتيجة أن المفاوضات تحوّلت إلى أداة لإدارة الأزمة لا لحلّها".
وأشار الخبير شديد إلى أن المفاوضات غطاء زمني لمواصلة العمليات العسكرية وفرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد، قائلاً، "إسرائيل لا تريد اتفاقاً يُنهي وجودها العسكري في الجنوب، بل تريد ترتيباً يشرع هذا الوجود، لهذا ربطت انسحابها بنزع سلاح "حزب الله"، وهو شرط تعلم أنه غير قابل للتحقيق، وكلما تأخر نزع السلاح تأخر الانسحاب، وهكذا يتحول الاتفاق إلى غطاء قانوني لاحتلال مفتوح، الإعلام العبري نفسه كشف هذا البعد، فبينما كان الإسرائيليون يتحدثون عن سلام عبر القوة كانت الغارات تتواصل على بلدات الجنوب، والمنطقة الأمنية تتوسع بعمق يصل إلى 10 كيلومترات".
واستقرأ الخبير شديد بأن إسرائيل تتفاوض بشروط تعلم مسبقاً أنها غير قابلة للتحقيق، قائلاً، "هذا ليس خطأً في التقدير بل إستراتيجية مدروسة، فالشرط المركزي نزع سلاح "حزب الله"هو في جوهره شرط تعجيزي ،"حزب الله" رفض نزع سلاحه بشكل قاطع، والحكومة اللبنانية لا تملك القوة لفرض ذلك، والمجتمع الدولي لا يملك آلية لتنفيذه، وإسرائيل تعلم هذا كله، لكنها تُبقي الشرط قائماً لأنه يمنحها مبرراً دائماً لعدم الانسحاب، وهكذا، فإن الشرط غير القابل للتحقيق يضمن استمرار الوضع الراهن، احتلال إسرائيلي مفتوح، ومفاوضات معلقة، وملف لبناني يُدار بانتظار الانتخابات".
استنزاف بلا أفق
تدرك الأوساط الإسرائيلية بأن شرط نزع سلاح "حزب الله" غير قابل للتحقيق، ومع ذلك تصر عليه الحكومة الإسرائيلية، وهو ما يفسره الأكاديمي والمحلل السياسي الإسرائيلي، د.روني شاكيد لمنصة "المشهد"، بأنه غطاء لبقاء مفتوح قائلاً، "هذا الشرط ليس مطلباً أمنياً فحسب، بل فخ بنيوي لضمان استمرار العملية العسكرية في الجنوب اللبناني، لكن من يريد تسوية حقيقية يبحث عن شرط قابل للتنفيذ، لا شرط يعلم أنه مستحيل، بالفعل يجب على "حزب الله" تسليم سلاحه، لكنه يرفض، والحكومة اللبنانية عاجزة، والمجتمع الدولي لا يملك آلية إزاء ذلك، هذا يدلل على أن الحكومة لا تفاوض بل تبحث عن ذريعة للبقاء، وهذا يتسبب بخسائر للجانب الإسرائيلي في ظل المخاطر المحدقة".
وفي السياق ذاته، نقلت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، أن نتانياهو مستعد لإطالة الجبهات حتى الانتخابات، وكشفت وسائل إعلامية إسرائيلية، أن مسؤولين أمنيين يعتبرون تصريحاته عن جنوب لبنان "انتخابية لا عملياتية" وقد تعرض القوات الإسرائيلية للخطر، يشير المحلل السياسي شاكيد إلى أن، "ما يجري في لبنان ليس إدارة أمنية، بل إدارة انتخابية بامتياز، نتانياهو يعرف أن إنهاء الملف يتطلب تنازلات، والتنازلات تفقد أصواتاً، لذلك يُبقي الجبهة مفتوحة، والملف معلقاً، ويبيع للإسرائيليين وهم الضغط المستمر على "حزب الله" كل غارة على الجنوب هي رسالة انتخابية قبل أن تكون عملية عسكرية في الوقت الحاضر، وكل تأجيل لجولة تفاوضية هو قرار حملة انتخابية قبل أن يكون قراراً إستراتيجياً، المشكلة أن سكان الشمال يدفعون الثمن، ينامون في الملاجئ، ويرون أبناءهم في وحدات القتال، بينما نتانياهو يدير حملة انتخابية من مكتبه، من يريد اتفاقاً لا يُبقي الملف معلقاً لأشهر، ومن يريد أمن الشمال لا يتاجر بالدم في الصندوق".
وبعد أشهر من العمليات في جنوب لبنان، لا يزال سكان الشمال ينامون في الملاجئ، والجيش يدرس تقليص قواته وإنشاء "منطقة أمنية" بعمق 2 إلى 4 كيلومترات فقط، في ما يسمى خطة "الخط الرمادي"، وهنا يخلص المحلل السياسي كيدار قائلاً، "سياسة الحكومة الإسرائيلية ليست إستراتيجية بل وهم انتصار يغطي فشلاً سياسياً، نحن نسمع عن إنجازات وضربات قاسية وتغيير المعادلة، لكن على الأرض لا شيء تغير، "حزب الله" لا يزال في الجنوب، والجيش الإسرائيلي يواصل القتال، والمستوطنات تحت التهديد، ما أخشاه ليس الانسحاب أو البقاء، بل الاستنزاف، جيش يقاتل بلا هدف سياسي، وحكومة تدير صراعاً بلا أفق، وشعب يدفع الثمن، نحن لا نحتاج إلى صورة انتصار، بل قيادة تُنهي الصراع لا تديره، والحقيقة أن الحكومة لا تريد إنهاء الصراع، لأن ذلك يستوجب تقديم تنازلات، وهذا يعني خسارة الانتخابات، تدار الحرب لأجل الصندوق، ويدفع الجنود الثمن".
(المشهد)
