فرضت الولايات المتحدة الأميركية، عقوبات جديدة على السودان، بسبب استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية خلال الحرب المندلعة هناك، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية.
ومن المقرر أن تدخل العقوبات الجديدة حيز التنفيذ في 6 يونيو المقبل، حيث تتضمن العقوبات وضع حدود للإقراض المالي للسودان فضلًا عن تقييد الصادرات الأميركية.
وتفتح العقوبات الأميركية الجديدة الباب أمام الانتهاكات الكبيرة التي يقوم بها الجيش السوداني في البلاد، حيث كشفت تقارير سابقة عن ممارسات تتعلق بإعدامات جماعية فضلًا عن انتهاكات خطيرة تجاه المدنيين السودانيين.
وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" قد كشفت في شهر يناير الماضي، نقلًا عن 4 مسؤولين أميركيين كبار، قولهم إنّ الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية في مناسبتين على الأقل.
تمّ نشر الأسلحة في مناطق نائية من السودان، واستهدفت أعضاء من قوات الدعم السريع، لكنّ المسؤولين الأميركيين قلقون من إمكانية استخدام هذه الأسلحة قريبًا في المناطق المكتظّة بالسكان في العاصمة الخرطوم.
فظائع موثقة
جاء تقرير الصحيفة الأميركية بالتزامن مع إعلان الولايات المتحدة فرض عقوبات على القائد العسكري السوداني، عبد الفتاح البرهان، بسبب الفظائع الموثقة التي ارتكبتها قواته، بما في ذلك القصف العشوائي للمدنيين واستخدام التجويع كسلاح حرب.
يتجاوز استخدام الأسلحة الكيميائية حدودًا أخرى في الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. بمقاييس عديدة، فقد خلق الصراع في السودان أسوأ أزمة إنسانية في العالم، إذ قُتل ما يصل إلى 150 ألف شخص، وشُرد أكثر من 11 مليونًا، كما تسببت الحرب في أسوأ مجاعة يشهدها العالم منذ عقود.
تعليقًا على ذلك، كشف مستشار قائد قوات الدعم السريع محمد المختار، أن الجيش السوداني استخدم الأسلحة الكيميائية أكثر من مناسبة في السودان سواء في الخرطوم أو درافور.
وقال المختار في حديث لمنصة "المشهد" إنه تم رصد استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في منطقة المقرن بالخرطوم وفي أكثر من منطقة في دارفور خصوصًا في الضعين وكتم وغرير.
وبحسب تقارير صحفية، فإن الأسلحة الكيميائية استخدمت على ما يبدو غاز الكلور. عند استخدامه كسلاح، ويُمكن أن يُسبب الكلور ضررًا دائمًا للأنسجة البشرية. وفي الأماكن الضيقة، يُمكن أن يُسبب تهويةً للهواء، مما يؤدي إلى الاختناق والوفاة.وذكرت أن معرفة برنامج الأسلحة الكيميائية في السودان اقتصرت على مجموعة صغيرة داخل الجيش السوداني. ومن الواضح أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قد أذن باستخدامها.
على الرغم من عدم ذكر الأسلحة الكيميائية في إشعار العقوبات الرسمي الصادر ضد البرهان وقتها، إلا أن العديد من المسؤولين الأميركيين قالوا إنها كانت عاملًا رئيسيًا في قرار التحرك ضد البرهان.
وقال المتحدث باسم قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي شهاب إبراهيم الطيب، إن التحالف لديه عشرات الأدلة على استخدام الجيش السوداني الأسلحة الكيميائية في الحرب.
تأثيرات خطيرة
وأشار الطيب في حديثه مع منصة "المشهد" إلى أن بعض عناصر الجماعة الإسلامية نشروا مقاطع لأسلحة وذخائر كيميائية وهم يرتدون أقنعة واقية. وأضاف أنه تم رصد عدد من حالات التسمم في بعض المناطق مثل منطقة الهلالية بولاية الجزيرة وأم ضوا في شرق النيل وكذلك مناطق بدارفور.
وقال "وهو سلك ليس غريب عن الجماعات الإسلامية التي تقاتل كانت مع الجيش في جبال النوبة وغيرها استخدم فيها أسلحة محرمة دوليا".
وربط أطباء انتشار عدد من الأمراض الجلدية والإسهال والحميات في مناطق مختلفة من السودان وبين استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية في الحرب.
وأظهرت مقاطع فيديو حصلت عليها منصة "المشهد" تغير مياه الشرب في بعض المناطق نتيجة استخدام أسلحة كيميائية، بالإضافة إلى فيديويهات إلى براميل فارغة لهذه الأسلحة المحرمة دوليا.
وفي أحد الفيديوهات، تباهي أحد عناصر الجيش وهو يحمل سلاح كيماوي باستخدمه في الحرب.
وذكر مختصون أن عناصر الجيش يستخدمون عبوات من الغاز السامة مثل الكلور والفنك يطلقونها من بندقية تعرف باسم "قاذف القرنيت الاتومتيكي" أو "الكلب الأميركي".
وأكد الخبراء أن هذه الغازات لها تأثيرات خطيرة على الأعصاب، ولها أضرار في المستقبل.
وتخشى منظمات الإغاثة من أن ينتقم الجيش السوداني من العقوبات بتقييد عمليات الإغاثة في المناطق التي تعاني من المجاعة أو تتجه نحوها. كما قد يُعيد القرار تشكيل العلاقات الأوسع بين السودان والولايات المتحدة، التي كان مبعوثها إلى السودان، توم بيرييلو، شخصيةً بارزةً في الجهود المتعثرة للتوصل إلى اتفاق سلام، وفق "نيويورك تايمز".
"تغيير مسار الحرب"
بالنسبة لتداعيات العقوبات الأميركية على الجيش السوداني، يرى مستشار الدعم السريع أن هذه العقوبات سيكون لها تأثير كبير على الجيش السوداني على الرغم من أنها جاءت متأخرة.
وأضاف "العقوبات ستسهم بشكل كبير في تحديد تحركات الجيش السوداني ومحاصرته وهي تؤكد أيضا توجه الإدارة الأميركية الجديدة تجاه الممارسات التي يقوم بها الجيش السوداني وأنصاره من المجموعات الإسلامية المسلحة المتحالفة معه".
من جانبه، قال المحلل السياسي السوداني، عثمان ميرغني، إن العقوبات الأميركية الأخيرة موجهة مباشرة للمؤسسات وليس الأفراد كما هو الحال في العقوبات السابقة الصادرة خلال العامين الأخيرين بموجب القرار التنفيذي للرئيس بايدن الصادر في يوم 4 مايو 2023. والتي تركزت على الكيانات والأشخاص من الجانبين الجيش والدعم السريع.
وأضاف في حديث لمنصة "المشهد": "الآن العقوبة تمسّ الاقتصاد السوداني وقدرة الدولة على التواصل الطبيعي في التجارة الخارجية أو التحويلات المالية حتى للأفراد السودانيين".
وأشار إلى أن الجيش سيتأثر بها في كون الحظر التقني والمالي يتسبب في ارتفاع تكلفة الحصول على الأسلحة والذخائر والصيانة وقطع الغيار، حيث سيلجأ إلى أطراف وسيطة لتجاوز العقوبات.
وتوقع ميرغني ألا تكون هناك عقوبات أخرى على السودان ولكن قد يحدث بعض التشدد في تطبيق العقوبات المفروضة بالفعل، لافتًا إلى أن الهدف من تلك العقوبات هو إجبار الجيش السوداني على الجلوس إلى طاولة التفاوض والتوصل إلى حل سلمي للصراع.
من جانبه، قال محمد المختار إن العقوبات الأخيرة تتعلق بإجراءات مالية وبالتالي يجب مضاعفة الضغوط الأميركية على الجيش السوداني من أجل الجلوس إلى التفاوض لأنهم غير راغبين في إنهاء الحرب وإنهاء معاناة الشعب السوداني.
بدوره قال عثمان ميرغني إن الأمر يتطلب تغييرًا حقيقيًا في نمط وعقلية الحكم في السودان، مضيفًا "لا يكترثون كثيرًا لتأثير العقوبات الدولية على المواطن السوداني وبالتالي يجب على القوى السياسية السودانية ممارسة ضغوط من أجل التوصل إلى حل سلمي للصراع".
(المشهد)