في ظل التصعيد العسكري المتسارع في اليمن، برز الموقف الأميركي بوصفه تطورا سياسيا لافتا، وقد حمّلت واشنطن "الحوثيين" مسؤولية إشعال الصراع وعواقب تصعيدهم الأخير، مؤكدة على ضرورة إنهاء قدرة الميلشيا المدعومة من إيران على تنفيذ أعمال إرهابية.
التطورات الميدانية في اليمن
ويأتي هذا الموقف بالتزامن مع اتساع المواجهات، خصوصا في الساحل الغربي والطرق المتاخمة إلى باب المندب، حيث تشير التطورات الميدانية إلى سعي "الحوثيين" لتعزيز نفوذهم في مناطق ذات أهمية إستراتيجية، ما يهدد بتوسيع نطاق الحرب إقليميًا، وفق مراقبين لـ"المشهد".
وبحسب المصادر ذاتها، فإن الموقف الأميركي الأخير، يمثل دعما سياسيا مهما للتحركات التي تستهدف التصدي إلى "إرهاب الحوثي"، حيث إن معركة الساحل الغربي ستكون حاسمة في تحديد مسار الحرب، وأن هزيمة "الحوثيين" فيها قد تفتح الباب أمام تراجع مشروعهم في بقية الجبهات.
وكانت الولايات المتحدة قد حمّلت الأربعاء ميلشيا "الحوثي" مسؤولية التصعيد العسكري الأخير في اليمن والمنطقة، كما شددت على حق الحكومة اليمنية في الدفاع عن شعبها، ثم إنهاء قدرة الجماعة الميلشياوية على تنفيذ أعمال إرهابية، وحق السعودية في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها.
وقالت سفارة واشنطن لدى اليمن، في بيان، أن "الحوثيين" بدأوا هذا الصراع وعليهم تحمل عواقب عدوانهم"، مؤكدًا أن "حكومة الجمهورية اليمنية هي الحكومة الشرعية الوحيدة، وأن لها كامل الحق في الدفاع عن شعبها والعمل على إنهاء قدرة "الحوثيين" على ممارسة الإرهاب".
معركة "كسر العظم"
وفي حديثه لمنصة "المشهد"، قال الباحث اليمني المتخصص في الشؤون السياسية والإقليمية توفيق السامع، إن التطورات الميدانية الأخيرة في اليمن تمثل واحدة من أكبر موجات التصعيد التي شهدتها الجبهات المختلفة منذ فترة طويلة، مشيرًا إلى أن قوات الجيش حققت تقدمًا متسارعًا في عدد من المحاور، خصوصًا في محافظات الجوف ومأرب وتعز والبيضاء.
وأوضح السامع أن وتيرة التحركات العسكرية الحالية تبدو أسرع بكثير مقارنة بالمراحل السابقة، معتبرًا أن استمرار القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها بهذا الزخم قد يقود إلى "نهاية مشروع الحوثيين" على مستوى اليمن.
وأشار إلى وجود ما وصفه بحالة من التوافق الداخلي بين القوى والمكونات اليمنية المختلفة على مواجهة "الحوثيين"، في ظل اتساع المخاوف من المشروع الذي تتبناه الجماعة الميلشياوية وتدعمه إيران، معتبرا أن المعركة الحالية اتخذت طابع "كسر العظم"، خصوصًا في جبهات الساحل الغربي لمحافظة تعز.
هدف إستراتيجي
فيما ذكر الباحث اليمني المختص في الشؤون السياسية والإقليمية، أن "الحوثيين" ركزوا خلال الفترة الأخيرة ثقلهم العسكري في الجبهات الغربية، خصوصا في مناطق مقبنة وجبل حبشي والكدحة، في محاولة لفتح الطريق باتجاه الساحل الغربي والبحر الأحمر، مؤكدًا أن السيطرة على هذه المناطق تمثل هدفا إستراتيجيا للميلشيا في إطار مساعيها للوصول إلى موطئ قدم أوسع على الساحل.
وأضاف أن "الحوثيين" خففوا من حجم انتشارهم وتحركاتهم في بعض جبهات البيضاء ومأرب والجوف، مقابل حشد قواتهم وقدراتهم في الجبهة الغربية لتعز، ودفعوا بآلاف المقاتلين وعدد من القيادات الميدانية، إلى جانب استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في محاولة لاختراق خطوط الدفاع والوصول إلى الساحل الغربي.
وتابع: "المعركة في الساحل الغربي باتت تمثل المحور الأكثر أهمية وخطورة في المرحلة الراهنة، حيث إن "الحوثيين" ألقوا فيها بثقل عسكري كبير بعد أعوام من الإعداد والتدريب، وذلك في محاولة لتحقيق اختراق ميداني يمكن أن ينعكس على موازين القوى في بقية الجبهات اليمنية".
وعليه، اعتبر الباحث اليمني أن الموقف الأميركي الأخير يحمل دلالات سياسية مهمة، خصوصًا في ضوء تأكيد واشنطن أن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا هي السلطة الشرعية الوحيدة في البلاد، وحقها في الدفاع عن شعبها واتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة الهجمات "الحوثية".
"بداية النهاية" للمشروع "الحوثي"؟
وقال إن التصريحات الأميركية تمثل، من وجهة نظره، دعمًا سياسيًا واضحًا للقيادة الشرعية اليمنية، وتمنحها هامشًا أوسع للتحرك العسكري لمواجهة "الحوثيين" وتهديداتهم، سواء على الأرض أو ضد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وأضاف أن هذا الموقف يتزامن مع اتساع العمليات العسكرية على أكثر من جبهة، من البيضاء ومأرب والجوف إلى تعز والضالع، غير أنه أكد أن المعركة الأثقل والأكثر حساسية ستظل في الجبهة الغربية لمحافظة تعز والساحل الغربي.
وختم حديثه قائلًا إن نتائج هذه المواجهة ستكون لها انعكاسات مباشرة على مسار الحرب في اليمن، موضحًا أن نجاح "الحوثيين" في تحقيق اختراق واسع في هذه الجبهة قد يؤثر في توازنات بقية المحاور، بينما قد يؤدي تعرضهم لهزيمة كبيرة فيها إلى إضعاف قدراتهم العسكرية وفتح الطريق أمام تحولات أوسع في مسار الصراع، معتبرًا أن ما يجري في الساحل الغربي قد يشكل "بداية النهاية" للمشروع "الحوثي" إذا فقدت الجماعة قدرتها على الحفاظ على ثقلها العسكري في هذه الجبهة.
ومن جهته، قال المحلل السياسي اليمني حسن الفقيه إن التطورات الميدانية الأخيرة في اليمن تعكس تصعيدًا متسارعًا يرتبط، في جانب منه، بمحاولات جماعة "الحوثي" تعزيز حضورها العسكري باتجاه المناطق المؤدية إلى مضيق باب المندب، في إطار ما وصفه بحرب إقليمية بالوكالة تتداخل فيها الحسابات اليمنية مع الصراع الإقليمي والدولي.
الممرات البحرية
وأوضح الفقيه، في تصريحات لـ"المشهد"، أن "الجماعة المدعومة من إيران كثفت، خلال الفترة الأخيرة، حشودها العسكرية في ريف الساحل الغربي، خصوصًا في محاور الوازعية والمناطق المحيطة بها، في محاولة للتقدم باتجاه المناطق الإستراتيجية المؤدية إلى الممرات البحرية الدولية، مشيرًا إلى أن السيطرة على الساحل الغربي والاقتراب من باب المندب تمثل هدفًا ذا أهمية كبيرة للحوثيين".
في المقابل، لفت إلى أن معارك برية عنيفة تتواصل في عدد من الجبهات، وفي مقدمتها مأرب والجوف والبيضاء، إلى جانب جبهات أخرى تشهد مواجهات بين القوات الحكومية والقوات الشعبية من جهة، وجماعة "الحوثي" من جهة أخرى.
وعن الموقف الأميركي، اعتبر الفقيه أن تصريحات واشنطن الأخيرة تمثل دعمًا سياسيًا واضحًا للحكومة والقوى المناهضة "للحوثيين"، مؤكدًا أن الموقف الأميركي الرسمي يعزز حق القوات الحكومية والقوى القبلية في مواجهة الجماعة، وإنهاء تهديداتها للأمن اليمني والإقليمي والملاحة الدولية.
الدعم الإقليمي والدولي
ورأى أن تطور العمليات العسكرية بوتيرتها الحالية، بالتزامن مع الدعم الإقليمي والقدرات العسكرية المتاحة للقوات المناهضة "للحوثيين"، قد يضع الجماعة أمام ضغوط ميدانية متزايدة، خصوصًا إذا استمرت المواجهات على عدة جبهات في وقت واحد.
وأشار إلى أن "الحوثيين" يعتمدون، وفق تقديره، على تركيز ثقلهم العسكري في جبهة محددة لتحقيق اختراق ميداني، غير أن اتساع نطاق المواجهات وامتدادها إلى عدد كبير من الجبهات والمحاور قد يؤدي إلى تشتيت قدراتهم واستنزاف قواتهم.
وختم الفقيه بالقول إن استمرار الضغط العسكري المتزامن على "الحوثيين" في مختلف الجبهات، بالتوازي مع التحولات السياسية والدعم الدولي لمواجهتهم، قد يغير موازين القوى ميدانيًا ويدفع نحو إلحاق هزيمة كبيرة بالجماعة، إذا لم تتمكن من الحفاظ على قدرتها على إدارة القتال على أكثر من محور في الوقت نفسه.
(المشهد)
