"لا عودة إلى الوراء مهما كان الثمن".. أغرب طرق الهجرة إلى أوروبا

شاركنا:
إيطاليا تخشى تدفقات هجرة جديدة من ليبيا (رويترز)
هايلايت
  • عادة ما تثير الغرائب الكثير من السخرية لكن في قضية الهجرة غير النظامية هي موضوع مآسي لا تنتهي.
  • ناشطة في شؤون الهجرة: المهاجرون يائسون فابتكروا طرقا غريبة.. من رحم المعاناة يولد الإبداع.
  • مهاجرون عرب وأجانب هُرّبوا من فرنسا إلى بريطانيا داخل شاحنة تبريد محملة بالشوكولاتة.

مطوقاً بالأمواج ومحيطاً نفسه بعبوات بلاستيكية خوفا من الغرق، كان الطفل المغربي أشرف يحاول بلوغ شواطئ مدينة سبتة الخاضعة لحكم إسبانيا وعينيه اختلطت فيها الدموع بمياه البحر.

ورغم رغبته الشديدة في الوصول إلى أرض الأحلام، إلا أن كل شيء بدا منتهيا قبل أن يلمس حتى الخرسانة التي تفصل مياه البحر عن شاطئ سبتة، ولم يجد في مواجهة الجنود الإسبان الذين كانوا ينتظرونه تحت عدسات الكاميرا إلا الصراخ والرجاء بأقصى ما يستطيع: "حاولوا تفهمونا، الله يرحم الوالدين!".

قصة أشرف تتكرر منذ بداية العام لكننا لم نسمع أصوات الحالمين بـ"الفردوس الأوروبي" لأنهم لم يحالفهم الحظ ليشاركونا مآلاتهم، كان البحر أرحم من أوطانهم.

ما يطلبه المهاجرون اليوم جميعا هو فهمهم كما طالب بذلك الطفل المغربي، فالهجرة فُرضت عليهم وإلا مالذي يفسر رؤيتهم لجثث أصحابهم متناثرة على شواطئ أوروبية ومغاربية دون إعلان الاستسلام عن المحاولة؟

الإجابة تتمثل في آخر مآسي المتوسط: عشرات المفقودين الذي لقوا حتفهم الأحد وسط البحر بعد أن انقلب قارب كانوا يسافرون على متنه من ليبيا نحو إيطاليا في طقس سيء.

منظمة ألارم فون الخيرية تقول إنها تتلقى اتصالات كثير من قوارب مهاجرين في خطر، مضيفة على حسابها في "تويتر": نحن مصدومون.. غرق عشرات الأشخاص من هذا القارب المنكوب".

السلطات الإيطالية التي أقرت أنها تخشى موجات هجرة جديدة من ليبيا استقبلت العام بمآسي مقتل مهاجرين في عرض البحر تكاد تسجل حصيلة قتلى ومفقودين كل أسبوع.

الحصيلة الأكبر سُجلت في 26 فبراير قرب منطقة كالابريا الجنوبية، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 79 شخصا وعشرات المفقودين.

طفل القوارير

قبل عام ونصف، حاول أشرف ذي الـ 16 عاماً أن ينجح في خطته التي كانت واحدة من أغرب محاولات الهجرة غير القانونية، وجال مقطع فيديو العالم ظهر فيه بعد أن استطاع أن ينفد من الماء محاولا تسلق الجدار الذي يفصل جيب سبتة عن باقي أراضي المغرب قبل أن يمسك به جندي إسباني.

لم تكن هذه المحاولة الأولى للطفل خلال ذلك اليوم، حاول 3 مرات في منتصف مايو عام 2021 أن يدخل المدينة التي يرفرف فوقها علم مدريد.

وفي كل مرة يتمكن الجنود الإسبان من إعادته إلى الطرف الآخر من البحر، بلده المغرب، حيث يحظى اليوم بحياة كريمة بعد تلقيه مساعدات من جمعيات خيرية.

قصة أشرف ليست الوحيدة لشباب قرروا أن يصلوا إلى الضفة الأخرى من المتوسطي، مهما تطلب الأمر من مغامرة وغرابة أحياناً.

داخل الشاحنات.. فوقها وتحتها

قصة أخرى تدور أحداثها في بداية يناير من عام 2019، سيارة قادمة من المغرب إلى مدينة مليلية الواقعة شمال المملكة، والخاضعة هي الأخرى للسيطرة الإسبانية، تحمل فوقها مرتبتين مثيرتين للشكوك.

أوقف رجال الأمن السيارة وفتحا المرتبتين بسكين فخرج منهما مهاجران إفريقيان من جنوب الصحراء.

فرّ سائق السيارة هارباً ولم تستطع السلطات القبض عليه للحصول على مزيد من المعلومات حول عملية التهريب، كانت المرة الأولى التي يتم فيها ضبط مهاجرين غير نظاميين بهذا الشكل، حسب إفادة حرس الحدود.

في شهر ديسمبر عام 2017، 11 مهاجراً من العراق وأفغانستان نجوا من الموت بأعجوبة. بعدما هُربوا من فرنسا إلى بريطانيا داخل شاحنة تبريد محملة بالشوكولاتة البلجيكية.

كادوا يهلكون داخلها رغم محاولاتهم فتحها حينما استشعروا قرب النهاية إذ كانت مقفلة بالصمغ.

لجأ المهاجرون إلى تناول الشوكولاتة من أجل الحصول على الطاقة اللازمة لمقاومة ساعات الاحتجاز الطويلة، لكنها لم تكن كافية لصمودهم، فكان لابد من المحاولة الأخيرة.

في محطة استراحة تعالت أصوات صراخهم وسمع الناس قرعاً من داخل الشاحنة، ثم تم استدعاء الشرطة التي استعانت بفرق الإطفاء لفتحها.

جثث مُجمدة

الحادثة نفسها تكررت في عام 2019 لكن نهايتها كانت مأساوية. لم يكف المهاجرون الصينيون الـ39 الذين كانوا محتجزين داخل حاوية شحن شديدة البرودة، عن الصراخ طلباً للمساعدة، لكن جميع محاولاتهم باءت بالفشل، إذ وصلوا في النهاية إلى بريطانيا كجثث مجمدة.

قد يبدو الاختباء داخل الشاحنات المحملة بالسلع مشهداً مألوفا، لكن الاختباء داخل محركاتها أو الاندساس بين عجلاتها هي مشاهد صادمة وخطيرة تتكرر على الطريق البحرية الفاصلة بين ميناء باتراس غرب اليونان والسواحل الشرقية الإيطالية.

في شتاء عام 2020 عبر الشاب السوري تيم الحدود التركية قادماً من ضواحي دمشق، ثم غادر إلى اليونان عبر قوارب الموت برفقة عدد من أبناء بلده ومهاجرين أفغان وأفارقة. كانت الرحلة البحرية محفوفة بالمخاطر لكنها لم تكن رادعة لعدم خوض تجارب أخرى قد تكون مميتة. 

Watch on YouTube

يقول الشاب السوري في تصريح لمنصة "المشهد": "وصلنا ميناء باتراس، وانتظرنا لساعات لحظة تغفل فيها أعين السلطات الأمنية ليتمكن بعضنا من الاختباء داخل محركات الشاحنات أو التمسك بهياكلها".

استطاع تيم وآخرون الإفلات من حرس الميناء والتسلل بخفة لإحدى الشاحنات المتجهة إلى إيطاليا عن طريق البواخر. فيما لا يزال مئات المهاجرين يحاولون الهروب مرات عدة في اليوم، بعضهم يتم اعتقاله من طرف الشرطة، وبعضهم يجرح أو يموت اختناقاً داخل المحركات.

هبوط اضطراري

مغامرة جريئة أخرى لكنها أقل تعقيدا وخطورة من سابقاتها، أما أبطالها فهم 19 مغربياً وفلسطيني فرّوا من طائرة ركاب أُجبرت على الهبوط مضطرة في جزر إسبانية.

في 5 من نوفمبر من عام 2021، أقلعت طائرة تابعة لشركة العربية للطيران من الدار البيضاء متجهة إلى تركيا. لم يمض وقت طويل على الرحلة التي استغرقت 6 ساعات، حتى بدا أن رجلاً كان على متن الطائرة يعاني من نوبة السكري.

طلبت الطائرة الإذن بالهبوط في مطار سون سانت جوان، بجزيرة مايوركا الإسبانية، حتى يتمكن من تلقي الرعاية الطبية، ثم نقل الرجل في سيارة إسعاف إلى مستشفى برفقة حراس مدنيين، وفي الأثناء، حاولت مجموعة من الركاب مغادرة الطائرة. 

أوضحت لقطات صورها أحد الركاب أن العديد من الرجال تدافعوا للنزول، بينما ركض آخرون تجاه الأسلاك الشائكة المحيطة بالمطار، مما تسبب في إغلاقه لحوالى 3 ساعات مع تعطيل حوالى 30 رحلة جوية.

تمكنت السلطات الإسبانية من اعتقال المهاجرين ووجهت لهم تهما ثقيلة من بينها: تعريض حياة مواطنين للخطر، اختراق السلامة الجوية والإخلال بالنظام العام.

حقيبة سفر

عادة ما تثير الغرائب الكثير من السخرية لكن في قضية الهجرة غير النظامية قد تكون موضوع مآسي لا تنتهي.

الأزمات التي توالت على الحالمين بوطن أفضل دفعتهم إلى الهجرة خلسة نحو أوروبا بأي وسيلة وإن كانت حقيبة سفر.

في شهر سبتمبر عام 2015، اندلعت اشتباكات عنيفة بين المهاجرين ورجال الشرطة في محطة قطارات العاصمة الهنغارية بودابست، كان طالب اللجوء السوري حسن في مسرح الأحداث، إذ كان يحاول مع رفاقه صعود القطار المتجه إلى النمسا بأي ثمن من أجل الوصول إلى ألمانيا.

الاختباء في حقيبة سفر أحد المواطنين المسافرين، كانت الحيلة الأمثل للشاب السوري الذي ساعده جسده النحيف في الاندساس بداخلها. دفع حسن للمهرب، صاحب الفكرة، كل ما يملك للعبور بسلام.

"بدا الصعود إلى القطار بطريقة نظامية مهمة مستحيلا"، يقول حسن لـمنصة "المشهد"، ويضيف: "قطعنا أكثر من نصف الطريق، رحلتنا استمرت 6 أشهر في سبيل دخول ألمانيا، لا عودة إلى الوراء مهما كان الثمن".

قوارب الموت سترتفع

ياسمين بوشفار الباحثة في مجال الهجرة بالمعهد الجامعي للبحث العلمي بالرباط ورئيسة جمعية الثقافات والهجرات، رصدت خلال عملها الميداني مع المهاجرين الكثير من الأسباب التي تدفعهم لابتكار طرق غريبة لبلوغ الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط.

وتقول ياسمين في حديث لمنصة "المشهد":

  • الفقر، غلاء الأسعار، الحروب، التغير المناخي، الزلازل والكوارث الطبيعية كل هذه الأمور زادت من أعداد المهاجرين غير النظاميين.
  • من رحم المعاناة يولد الإبداع وهؤلاء المهاجرون وصلوا لمرحلة متقدمة من اليأس جعلتهم يفكرون في أي شيء للعبور أو كل ما يمثل لهم 1% من أمل العبور.
  • أغلب دول الانطلاق ليس لديها إمكانيات لتوفر ظروفا ليهاجر مواطنوها بطريقة تحترم الذات الإنسانية.
  • ولا يجب أن ترضى دولة على نفسها أن يموت مواطنوها بهذه الطرق البشعة.

وتشير الناشطة في شؤون الهجرة واللجوء أن زلزال تركيا وسوريا الأخير سيؤدي إلى موجة نزوح جديدة، "كل من فقد منزله وأهله ومدخراته وذكرياته سيتجه نحو بلدان أكثر استقرار بحثا عن بداية جديدة".

وتتابع المتحدثة: "لذا قد نشهد طرقا هوليودية للفرار وسنشهد تزايدا لهذه الظاهرة أكثر من قبل لأن الأوضاع المسببة لها في الماضي تتسارع وتتزايد".

تقييد الهجرة وتقوية الحدود

أمام أزمة الهجرة المتصاعد، تقترح حكومة المحافظين في المملكة المتحدة تبني سياسة جديدة وأكثر صرامة للتعامل مع طالبي اللجوء الذين يصلون إلى جزرها عن طريق القوارب.

اتخذت الحكومة هذه الخطوة للوفاء بالوعد الذي قطعه في يناير 2023 رئيس الوزراء ريشي سوناك "إيقاف القوارب"، هذا الوعد كان من بين أولويات السياسة الرئيسية الخمس التي حددها في ذلك الوقت.

تعرضت الخطة المقترحة لترحيل طالبي اللجوء الذين يصلون إلى المملكة المتحدة أو إبعادهم عن طريق القوارب إلى دولة ثالثة لانتقادات شديدة من قبل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وقادة الاتحاد الأوروبي.

لقد اعتبروا أن سياسة المملكة المتحدة الجديدة لا تتوافق مع القانون الدولي، وتحديداً اتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR). 

ولعل سوناك ليس وحده الذي يتبنى هذه السياسة صدّ المهاجرين غير النظاميين، لقد استجابت العديد من الحكومات للأزمة من خلال تعزيز حرس حدودها واستخدام العنف إن لزم الأمر.

فلجأت دول مثل بولندا وبلغاريا وفنلندا والنمسا إلى إقامة حواجز وحتى إقرار بناء جدران عازلة، فيما تحولت دول أخرى، مثل إيطاليا واليونان، إلى عمليات "منع" تراها الأمم المتحدة غير قانونية، لأنها أدت إلى وفيات.

حتى في الولايات المتحدة، أفادت الأنباء أن جو بايدن يفكر في عمليات احتجاز على غرار ترامب لأسر مهاجرة على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، وهي ممارسة كان يندد بها سابقًا. 

ويُشير مراقبون إلى أن سياسة المحافظين وأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا تجاه أزمة الهجرة غذت خطابات الكراهية ضد مهاجري جنوب الصحراء في بعض دول الهجرة والعبور مثل المغرب والجزائر وتونس.

لطالما سارعت الدول الأوروبية لعقد اتفاقيات وتفاهمات عدة مع دول مغاربية لمنع وصول المهاجرين إلى أراضيها أو ما يعرف بسياسة "توسيع الحدود" Externalization of borders، أي أن هذه الدول الأوروبية تجعل بعض الدول المغاربية مثل "دركي" أو حارس لحدودها. 

ورغم أن بريطانيا وإيطاليا وتونس وغيرهم من الدول تحاول تقييد الهجرة غير النظامية عبر تقوية حدودها لمنع الكثير من "المآسي الإنسانية"، إلا أن الناشطة المغربية ياسمين بوشفار ترى أن مثل هذه الإجراءات أثبت منذ عقدين عدم نجاعتها.

"يخاطرون بأرواحهم، يرمون أطفالهم في البحر، يؤمنون مسبقا بمقولة البحر أمامكم والعدو وراءكم، ما يحتاجونه اليوم هو تحسين ظروفهم في بلدانهم وتوعيتهم بمخاطر ما يقدمون عليه في لحظة يأس، وليس صدّهم بعنف لأن العنف يولد التطرف"، تختم ياسمين تصريحها لـ"المشهد".


(المشهد)