في خطوة متوقعة للبعض ومفاجئة للبعض الآخر، أعلنت حركة "حماس" موافقتها على مقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن السلام في غزة، وذلك قبل انتهاء المهلة التي منحها الأخير للحركة الفلسطينية، والتي كان آخرها مساء الأحد المقبل للتوصل إلى اتفاق الفرصة الأخيرة والمتمثلة في خطته لمستقبل غزة، وإلا فسوف يندلع الجحيم ضد الحركة.
"حماس" أعلنت في بيان رسمي لها أمس الجمعة الموافقة على إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين أحياء وجثامين، ووقف الحرب المستعرة في قطاع غزة منذ عامين كاملين، كما أكدت استعدادها للانخراط على الفور في مفاوضات عبر الوسطاء لبحث تفاصيل خطة دونالد ترامب.
الحركة التي لطالما رفضت العديد من مقترحات الوساطة الرامية إلى إنهاء المقتلة في غزة طيلة العاميين الماضيين، لم تكتفِ بقبول الإفراج عن جميع الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لديها منذ شتاء عام 2023 فحسب، بل جددت موافقتها على تسليم إدارة قطاع غزة لهيئة فلسطينية من المستقلين (تكنوقراط) بناءً على التوافق الوطني الفلسطيني واستنادًا للدعم العربي والإسلامي كما جاء في بيانها، والذي أكدت خلاله على أن ما ورد في مقترح الرئيس الأميركي من قضايا أخرى تتعلق بمستقبل غزة وحقوق الشعب الفلسطيني، فهذا مرتبط بموقف وطني جامع واستناداً للقوانين والقرارات الدولية.
موافقة "حماس" على خطة ترامب
وسريعاً ما جاءت ردة الفعل العربية والدولية المرحبة بموافقة "حماس" والفصائل الفلسطينية الأخرى على مقترح الرئيس الأميركي، وعبرت العديد من الدول عن ارتياحها الشديد لهذه الخطوة التي ستعمل على إنهاء الحرب، وكتب ترامب عبر منصة تروث سوشيال:
- بناء على البيان الصادر عن "حماس" أعتقد أنهم مستعدون لسلام دائم، على إسرائيل أن تتوقف عن قصف غزة فوراً حتى نتمكن من إخراج الرهائن بأمان وبسرعة.
وتعقيباً على موافقة "حماس" لمقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أكد العضو القيادي بحركة فتح الفلسطينية ياسر أبو سيدو في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد"، أن:
- نتانياهو كان يراهن على رفض "حماس" لمقترح دونالد ترامب لكن القبول الحمساوي فاجأه، ومن ثم سيمثل هذا الأمر ضغطاً كبيراً على الحكومة الإسرائيلية.
- رد "حماس" الذكي جعل الكرة الآن في ملعب نتانياهو وحكومته غير الراغبين في وقف القتال، موضحاً أن دهاء "حماس" تمثل في قبول إطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين كما رغب الرئيس الأميركي ترامب، وذلك في مقابل إنهاء الحرب وانسحاب الجيش الإسرائيلي وإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، إضافة إلى البند الأهم والأبرز وهو منع تهجير سكان القطاع كما ورد في مسوّدة الاتفاق.
وأشار في الوقت ذاته، إلى أن "حماس" أحالت القضايا الوطنية الكبرى الواردة في الخطة إلى الشعب الفلسطيني وفصائله الوطنية، موضحاً أن الشعب الفلسطيني هو صاحب القرار، ويحتفظ بحقه في تقرير مصيره ورفض الوصاية الخارجية عليه.
نتانياهو في موقف ضعف
ويرى أبو سيدو أن موافقة "حماس" والفصائل الفلسطينية الأخرى، من شأنها أن تعمل على إضعاف موقف نتانياهو إذا رغب في التصعيد وعدم تنفيذ أي اتفاق متعلق بالمقترح الأميركي، وهو ما يجعل أي أفعال عسكرية إسرائيلية متهورة داخل القطاع غير مبررة من قبل الأطراف الدولية حتى تلك الداعمة لإسرائيل، إضافة إلى أن رد "حماس" جعل نتانياهو وبلا شك في موقف حرج للغاية أمام ذوي الأسرى الإسرائيليين، والذين يرغبون في إطلاق سراح أبنائهم في أسرع وقت.
ووفقاً للقيادي بحركة فتح فإن ما جاء في خطة ترامب بأن هناك إدارة دولية لقطاع غزة هو أمر غير وارد مطلقاً، مؤكداً أنه لن يقبل أحد بأي حال من الأحوال أن تكون هناك وصاية على القطاع، وأن غزة سيديرها الفلسطينيون بحكومة كوادر وكفاءات، وستكون هناك فرصة للإشراك في لحظة ما بعد فترة انتقالية لدعم مسار السلام.
وأضاف أن اجتماع ترامب بالقوى العربية والإسلامية الأخير في نيويورك، أكد أن هناك تعديلات أُدخلت على الخطة التي عُرضت عليهم فيما يخص هذه النقطة، كما أن رد "حماس" يؤكد بأنه سيتم التباحث في كثير من القضايا التي وردت في الخطة بعد إتمام الجزء الأول والمتعلق بالأسرى، وستكون هناك مباحثات مفصلة ستتم بالتشاور مع الوسطاء مصر وقطر وتركيا، بالإضافة إلى باكستان التي دخلت هي الأخرى على الخط والتي أكد وزير خارجيتها أن هناك تعديلات في الخطة التي عرضت عليهم أثناء اجتماع نيويورك.
وعبر أبو سيدو عن ارتياحه لبيان "حماس" الذي أوضحت خلاله أنها أشركت جميع مكونات الشعب الفلسطيني في تقرير مستقبل غزة ومصير القضية، مبيناً أن هذا النهج يحترم التعددية السياسية الفلسطينية، ويضمن عدم الانفراد بالقرارات المصيرية.
متى ستنتهي حرب غزة؟
تساؤلات عديدة رافقت موافقة "حماس" على مقترح ترامب الرامي إلى إنهاء الحرب داخل قطاع غزة، ولعل من أبرز هذه التساؤلات هل ستوقف إسرائيل وقف إطلاق النار وعملياتها العسكرية في القطاع بشكلٍ فوري كما طالب الرئيس الأميركي؟، وفي هذا الصدد يقول مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير جمال بيومي لمنصة "المشهد":
- هذا الأمر متوقف بشكل كبير على الضغط الأميركي على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو، والذي لا يرغب في وقف الحرب نتيجة للضغوط التي تمارس عليه من قبل اليمين المتطرف.
- موافقة "حماس" على مقترح ترامب تدحض الادعاءات الإسرائيلية التي كانت تحاول تصدير أن الحركة تقف عائقًا أمام وقف إطلاق النار عبر تمسكها بشروطها.
- رغبة الحركة في تسليم إدارة غزة لهيئة فلسطينية من التكنوقراط، بناء على التوافق الوطني الفلسطيني والدعم العربي والإسلامي، تعكس تغليباً واضحاً للمصلحة العليا للشعب الفلسطيني، ورغبة صادقة في وقف حرب الإبادة التي يتعرض لها سكان القطاع.
- هذا النهج يتماشى مع مبدأ حق تقرير المصير الذي يعطي الشعب الفلسطيني وحده الحق في اختيار من يمثله ويدير شؤونه.
وقف المعاناة الإنسانية في غزة
من جهته، أوضح أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد مهران، أن موافقة حركة "حماس" ستضع أسساً صحيحة لأي تسوية عادلة، من خلال الموافقة على ما يوقف المعاناة الإنسانية بشكل عاجل والتحفظ على ما يمس الحقوق الأساسية لحين التوصل لموقف وطني جامع يستند للقانون الدولي، موضحاً أن هذا هو النهج الصحيح الذي يحقق التوازن بين الضرورات الإنسانية العاجلة والحقوق السياسية الأصيلة.
وحول عدم موافقة الحركة على بعض بنود المقترح والمتعلقة بمستقبل غزة والحقوق الفلسطينية الأصيلة، أشار مهران إلى أن هذا الأمر يتوافق مع القانون الدولي ويعكس وعياً كبيراً بخطورة التنازل عن الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، مشيراً إلى أن ربط "حماس" لهذه القضايا بموقف وطني جامع واستنادها للقوانين والقرارات الدولية ذات الصلة، يعكس نضجاً سياسياً وقانونياً عالياً، مؤكدا أن القانون الدولي يحمي حق الشعوب في تقرير مصيرها ولا يسمح لأيّ طرف خارجي بفرض ترتيبات سياسية أو أمنية دون موافقة الشعب المعني وممثليه الشرعيين.
وأكد مهران أن تمسك "حماس" بالثوابت الوطنية والحقوق الفلسطينية الأصيلة يتوافق مع القانون الدولي الذي يحمي الحقوق غير القابلة للتصرف للشعوب، موضحا أن هذه الحقوق تشمل حق تقرير المصير وحق العودة والسيادة الكاملة على الأراضي الفلسطينية ورفض الاحتلال والاستيطان.
(المشهد - القاهرة)