يتحول البحر الأسود إلى ساحة متصاعدة للهجمات البحرية، مع استهداف سفن تجارية بطائرات مسيّرة وسقوط قتلى ومفقودين من البحارة، في تصعيد يثير مخاوف من اقتراب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية من حدود حلف شمال الأطلسي "الناتو"، ويهدد أمن الملاحة وإمدادات الغذاء العالمية.
وأشار تقرير لصحيفة "الغارديان" إلى أنه في الساعات الأولى من يوم 6 أكتوبر، لم يدرك طاقم العبّارة البلغارية "ديوسكوريا" وقوع هجوم على سفينة شحن في المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلادهم في البحر الأسود، إلا بعد سماع دوي انفجار بعيد على بعد 70 ميلاً من بلدة "بيالا" الساحلية.
وكانت السفينة "ألفا وطن" -التي يملكها طرف تركي- في طريقها إلى ميناء "سولينا" الروماني، حين تعرضت لهجوم يُشتبه في أن مسيرات روسية -جوية وبحرية- قد نفذته.
وعند وصول طاقم "ديوسكوريا" إلى الموقع، عثروا على قارب نجاة مقلوب وسترات نجاة تطفو في المياه، لكن لم يظهر أي أثر لأفراد طاقم "ألفا وطن" الـ10.
وبعد 6 أيام، استهدفت طائرات مسيرة سفينة أخرى قبالة السواحل البلغارية تُدعى "إتش إس ديغنيتي"، ما أسفر عن مقتل 11 من أفراد طاقمها.
وبحلول يوم الخميس، امتدت الهجمات لتطال المجال الجوي والمياه الإقليمية لرومانيا؛ حيث تعرضت ناقلتان للمواد الكيميائية، هما "واين تريدر" و"يارا جي"، لهجوم تركهما مشتعلتين، بينما فُقد 7 بحارة آخرون.
ومثّلت الهجمات التي استهدفت 6 سفن خلال 10 أيام -بما في ذلك السفينتان "إيبل" و"تشيلسي-3" - تصعيداً حاداً في صراع بحري يضغط على حدود حلف شمال الأطلسي "الناتو".
ارتفاع تكاليف التأمين
وحذرت شركة "أمبري" -المتخصصة في التأمين البحري وتحليل المخاطر- من أنه لا تلوح في الأفق نهاية للتهديدات التي تواجه حركة الشحن التجاري في البحر الأسود، بما في ذلك شحنات الحبوب والنفط، مشيرة إلى أن تكاليف التأمين لعبور هذه المياه قد ارتفعت بشكل هائل.
وأشار توماس أليكسا، وهو محلل أول في شركة "أمبري"، إلى زيادة حادة في وتيرة الهجمات منذ شهر يوليو، حيث تُقدَّر مسؤولية القوات الروسية عن 80% منها.
وقال أليكسا: "على الرغم من أن الهجمات ضد السفن التجارية في البحر الأسود ليست بالأمر الجديد، فإننا نشهد تصعيداً سواء من حيث عدد الهجمات أم من حيث النطاق الجغرافي".
كانت النتيجة انخفاضاً حاداً في عدد السفن التي تزور أوكرانيا. فقد ارتفعت معدلات التأمين بشكل كبير، وأصبح البحارة ومشغلو السفن أكثر تردداً في العمل داخل حوض البحر الأسود، حتى فيما يتعلق بالسفن التي لا تربطها أي صلة بشحنات أوكرانية.
وقد وقعت الغالبية العظمى من حالات الوفاة بين البحارة في البحر الأسود -والتي تجاوزت 60 حالة منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022- خلال العام الماضي.
وفي سبتمبر، قررت "اللجنة المشتركة للحرب" -التي تمثل سوق التأمين في لندن- توسيع نطاق المناطق عالية المخاطر في البحر الأسود ليشمل الحوض بأكمله، باستثناء المياه الإقليمية لكل من تركيا ورومانيا وبلغاريا وجورجيا.
ولا يقتصر التهديد على البحر الأسود بحد ذاته؛ إذ شهد العام الماضي أيضاً تصاعداً حاداً في الهجمات التي تستهدف الموانئ الأوكرانية المطلة على البحر الأسود.
يرى خبراء أن ثمة عوامل عدة تدفع نحو توسع الصراع وتصاعد حدته ليقترب من سواحل دول حلف الناتو. فقد ردت روسيا على توسيع نطاق الهجمات الأوكرانية -التي تستهدف "أسطول الظل" التابع لها من ناقلات النفط- بتكثيف ضرباتها على الشحنات الزراعية الأوكرانية، وهي ركيزة أساسية في اقتصاد كييف.
ومع سعي السفن لإيجاد مسارات أكثر أماناً بعيداً عن السواحل، تغيرت طبيعة التهديد؛ إذ تحول من الألغام البحرية إلى الطائرات المسيرة ذات المدى المتزايد باستمرار.
وفي أعقاب غرق السفينة "ألفا وطن"، صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين قائلة: "تتعرض السفن التجارية -وطواقمها الأبرياء- للاستهداف، وقد فُقدت أرواح بالفعل في عرض البحر".
ومع اقتراب الضربات الروسية التي تستهدف الملاحة البحرية أكثر فأكثر من حدود دول حلف "الناتو"، فإنها تفرض تحديات أمنية متزايدة على هذا التحالف الدفاعي المشترك، الذي يواجه بالفعل "الحرب الهجينة" التي تشنها موسكو بشكل متصاعد في أنحاء أوروبا.
تفعيل المادة الـ4
وهناك تكهنات بأن دول "الناتو" المتضررة قد تضطر إلى تفعيل المادة الـ4 من معاهدة الحلف، وهي خطوة تسبق تفعيل المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع المشترك.
وتجدر الإشارة إلى أن المادة الـ4 -التي تم تفعيلها مرتين سابقاً في سياق الحرب في أوكرانيا؛ الأولى في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، والـ2 من قبل بولندا عام 2025 بعد انتهاك طائرات مسيرة روسية للمجال الجوي البولندي- تدعو إلى إجراء مشاورات رسمية بشأن الأزمات المتعلقة بتهديد أمني ما.
(ترجمات )
