لا يعدو الغضب المتراكم الذي صعد على متن الفضاء الرقمي بين مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي في إيران، إثر العودة الجزئية للإنترنت قبل أسبوع، بعد انقطاع شبه كامل دام لنحو 20 يومًا، كونه أمرًا مباغتًا، بل إنّ الانفراجة المحدودة كشفت عن تململ قطاعات واسعة تجاه الوضع الاقتصادي الهشّ، وقد بلغ أدنى مستوياته، خصوصًا في ظل الحرب.
القمع والاعتقال
وتتفاقم الأزمات التي يعانيها المواطنون بفعل الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية في مضيق هرمز، وكذلك قبضة النظام الخشنة على المجال العام واستمرار وتيرة العنف والقمع والاعتقال.
يتخطى الإنترنت مجرد كونه وسيلة للتواصل أو المعرفة، إنما هو بنية حيوية تماثل المجال العام الذي تتدفق المعلومات في مساحاته المختلفة، وتتسع بين زواياه المواقف أو بالأحرى تتشكل، إذ يمكن للأفراد والجماعات التعبير عن اصطفافاتهم.
بالتالي، فإنّ القمع الرقمي في إيران هو أداة ضبط احتماعي وسياسي لمنع الاحتجاجات المحتملة وتفادي الضغوط على النظام، والتعمية عن خروقات "الولي الفقيه" الحقوقية.
وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإنّ استمرار الوضع بإيران من دون حلحلة أو تسوية سياسية، يبعث باحتمالات قصوى تجاه انبعاث الاحتجاجات الشعبية التي تتوافر شروطها كافة، مع وصول الريال الإيراني لأدنى مستوى له على الإطلاق أمام الدولار، بفعل التضخم وتنامي معدلات البطالة، وقد تضاعفت الأوضاع مع حجب الإنترنت الذي يمثل أداة اقتصادية في عمليات التداول بالأسواق الإلكترونية.
الفجوات الاقتصادية
وثمّة ضغوط اقتصادية عديدة على إيران بفعل تراجع الإيرادات وارتفاع تكاليف الاستيراد، إلى جانب استمرار القيود المفروضة على صادراتها النفطية، التي تعدّ أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد.
وبحسب المصادر ذاتها، فهذه الفجوات الاقتصادية تعكس حالة أوسع من الضغوط التضخمية على خلفية اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، بالإضافة إلى استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي في ظل الحرب وعدم التوصل إلى تسوية نهائية.
وفي ما يبدو أنّ العودة الجزئية للإنترنت هي بمثابة لحظة اختبار، ربما، مؤقتة تقوم بها السلطات الإيرانية، لجهة تفادي خروج الأمور عن نطاق سيطرتها، وإحداث انفراجة محدودة تحدّ من احتمالات تحركات احتجاجية أوسع. فالإجراءات الأمنية العنيفة وفرض رقابة على المجالين العام والرقمي، لم ينجح أيٌّ منهما في خفض مستوى الامتعاض والغضب الشعبي، ما حدا بالسلطات إلى إنهاء 2000 ساعة من انقطاع الإنترنت.
وتباشر ميليشيا "الباسيج" التابعة لـ"الحرس الثوري"، مهامها الأمنية القمعية والمتزايدة، من خلال نقاط تفتيش داخل المدن وعلى مداخلها الرئيسية، في إطار إجراءات تهدف إلى ضبط الأمن ومنع أيّ تحركات احتجاجية محتملة.
ورغم تعرّض بعض نقاط التفتيش لضربات خلال الحرب منذ نهاية فبراير الماضي، فإنّ هذه الإجراءات ما تزال قائمة، وسط تقارير تكشف عن نقص في العناصر البشرية، ما دفع بعض القيادات بطهران إلى خفض السن الأدنى للمشاركة في الدوريات إلى 12 عامًا، وفق ما نقلته وسائل إعلام رسمية.
كما ألمحت تقارير حقوقية، محلية وأممية، عن تشديد الإجراءات الأمنية في مناطق تقطنها القوميات الكردية والعربية والبلوشية، وهي المناطق ذاتها التي اندلعت منها الاحتجاجات في فترات متفاوتة بفعل سياسات التهميش و"التفريس".
نذر احتجاجات
وفي حديثه لمنصة "المشهد"، يقول المحلل السياسي والمعارض الإيراني علي رضا، إنّ الأوضاع الاقتصادية في إيران بلغت مستويات غير مسبوقة، للدرجة التي جعلت قطاعات عديدة حكومية وخصوصا، في إيران، إلى تسريح مئات العاملين، بما يفرض أعباءً إضافية على المواطنين، مضيفًا أنّ عودة الإنترنت كشفت عن حجم "الغضب المكتوب ونذر احتجاجات علانية قد تنفجر في الشوارع بأيّ لحظة، لولا التحشيد الأمني الهائل من قبل ميلشيا "الحرس الثوري"، وتوسيع دائرة الاشتباه بين المعارضين والأقليات القومية والدينية لتعميم الخوف".
ويقول المحلل السياسي والمعارض الإيراني، إنّ قرار النظام بإنهاء انقطاع الإنترنت، قد بعث بتوترات بين أطراف داخل القوى السياسية ودوائر الحكم، لدرجة التهديد باستجواب وزير الاتصالات في البرلمان، وتحديدًا بين الكتل الصلبة التي تتخوف من الاحتجاجات المحتملة، فضلًا عن ميلها لفرض سياساتها المتشددة، حيث قاد العضو السابق في المجلس الأعلى للفضاء السيبراني بإيران رسول جليلي، حملة ضد القرار المتخذ من قبل هيئة إدارة الفضاء الإلكتروني التابعة للحكومة ودشنتها مؤسسة الرئاسة، ووصف قرارها بـ"غير القانوني".
ومن جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي الدكتور جاسم خلفان، إنّ احتمالات اندلاع احتجاجات شعبية واسعة في إيران تبقى قائمة في ظل الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة التي يواجهها الإيرانيون منذ أعوام، معتبرًا أنّ حالة السخط الشعبي مرشحة للتصاعد في حال استمرت الأوضاع على ما هي عليه.
وأوضح خلفان لمنصة "المشهد"، أنّ الإيرانيين أظهروا قدرًا من التماسك مع بداية الحرب، ولم يتجهوا إلى مواجهة النظام، إلا أنّ الضغوط الاقتصادية المتراكمة لا تزال تشكل عاملًا رئيسًا في ابتعاث الغضب الشعبي.
وأشار إلى أنّ إيران تعاني تراجعا حادا في قيمة العملة المحلية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد معدلات البطالة، فضلًا عن محدودية الفرص الاقتصادية، بما ضاعف الأعباء الثقيلة على مختلف الشرائح الاجتماعية.
وأضاف الكاتب والمحلل السياسي، أنّ شريحة واسعة من الإيرانيين تشعر بأنّ الموارد المالية للبلاد تُوجَّه إلى الإنفاق العسكري والأنشطة الإقليمية، في وقت يواجه فيه المواطنون تحديات معيشية متزايدة، تشمل ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات الأساسية.
تغيير جذري
ولفت المصدر ذاته إلى أنّ الأزمات الأخيرة، ومنها انقطاع الكهرباء والضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، ساهمت في زيادة درجة الاستياء داخل المجتمع الإيراني بين قوى وفئات عديدة ومتباينة، وقال خلفان إنّ تراكم هذه العوامل قد ينقل عدوى الاحتجاجات إلى شرائح وقطاعات أوسع للمطالبة بتغيير سياسي وإصلاحات جوهرية.
ورأى خلفان أنّ عودة خدمات الإنترنت والاتصالات بصورة كاملة، قد تسهم في تعزيز التواصل بين المحتجين وتوسيع نطاق التعبئة الشعبية، إذا ما شهدت البلاد موجة احتجاجات جديدة.
وختم حديثه قائلًا، إنّ أيّ تحوّل سياسي مستقبلي في إيران، ينبغي أن يقود إلى "نظام ديمقراطي يعبّر عن إرادة المواطنين ويستجيب لمطالبهم، حيث إنّ مستقبل البلاد يجب أن يُحدد عبر خيارات الشعب الإيراني نفسه، وبما يحقق الاستقرار والتنمية والعدالة السياسية".
عامل ضغط
إلى ذلك، قال الباحث المختص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية سالم بن عسكر اليامي، إنّ الأوضاع الاقتصادية داخل إيران تمثل "عاملًا ضاغطًا" قد يسهم في خلق بيئة اجتماعية مواتية للاحتجاج، في حال استمرار تعطل الحلول الاقتصادية وتفاقم الأزمات المعيشية.
وأوضح اليامي لمنصة "المشهد"، أنّ الولايات المتحدة قد تسعى إلى توظيف حالة الاحتقان الداخلي في إيران ضمن أدوات الضغط السياسي، من خلال محاولة دعم أو استثمار حالة الغضب الشعبي، والضائقة الاقتصادية، بما يساهم في زيادة الضغط على مؤسسات الدولة الإيرانية.
في المقابل، أشار الباحث المختص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، إلى أنّ أيّ حراك شعبي محتمل يظل مقيّدًا بعوامل ردّع داخلية، في مقدمتها الذاكرة المرتبطة بأساليب القمع الوحشية التي تنتهجها الأجهزة الأمنية الإيرانية تجاه الاحتجاجات، والتي تشمل استخدام القوة المفرطة وتوجيه اتهامات بـ"التخوين" و"العمالة" ضد المعارضين أو المنتقدين، ما يحدّ من قابلية الشارع للانخراط في تحركات واسعة ضد النظام.
(المشهد)