لعقود.. مطامع إيران في شمال إفريقيا تصطدم بجدار مغربي صلب

آخر تحديث:

شاركنا:
اتهامات رسمية للنظام الإيراني بدعم "البوليساريو" في الصحراء المغربية بالسلاح والتدريب (رويترز)
هايلايت
  • الرباط تندد بتوظيف إيران المضائق والممرات البحرية الدولية كأداة للابتزاز.
  • اتهامات رسمية مغربية لطهران بالانخراط في أنشطة تمس بأمن المملكة.
  • العلاقات بين البلدين انتقلت من تمثيل دبلوماسي محدود إلى قطيعة كاملة.
  • إيران اعتمدت تصدير نموذجي "حزب الله" و"الحوثيين" إلى شمال إفريقيا.
  • سياسة الرباط ضد خطط طهران تجمع بين الحزم الدبلوماسي واليقظة الأمنية.

أكد الممثل الدائم للمغرب لدى منظمة الأمم المتحدة عمر هلال خلال النقاش المفتوح المخصص للأمن البحري بنيويورك الاثنين الماضي، أن المملكة ترفض تحويل الممرات البحرية إلى أسلحة في يد دول "جعلت من زعزعة الاستقرار والتدخل في شؤون الغير، ودعم الميليشيات المسلحة سياسة إقليمية لها على مدى عقود"، في إشارة إلى مخططات النظام الإيراني التخريبية وحرص الرباط على إحباطها.

وتندد الرباط بتوظيف إيران المضائق والممرات البحرية الدولية كأداة للابتزاز، إذ وصف السفير عمر هلال الوضع الحالي في مضيق هرمز بـ"المثير للقلق العميق"، باعتبار المضيق "شريان الطاقة العالمي".

"حوثي" شمال إفريقيا

وشهدت العلاقات بين المغرب وإيران تحولات متسارعة خلال العقدين الأخيرين، انتقلت من تمثيل دبلوماسي محدود إلى قطيعة كاملة، في سياق اتهامات رسمية مغربية لطهران بالانخراط في أنشطة تمس بالأمن القومي للمملكة.

وتضع الرباط دعم إيران لجبهة البوليساريو في صدارة أسباب هذا التوتر، معتبرة أن هذا الدعم يندرج ضمن تحركات تؤثر على توازنات النزاع في الصحراء المغربية.

ويعتبر أستاذ الجغرافيا السياسية لحسن أقرطيط أن تقارير استخباراتية Yسبانية وأميركية تكشف بشكل واضح الارتباط القائم بين جبهة "البوليساريو" وإيران، ويستدل بتصريح السيناتور الأميركي تيد كروز الذي قال إن الجبهة، تشكل مشروع "حوثي جديد" في منطقة شمال إفريقيا.

ويضيف في تصريحه لمنصة "المشهد"، أن إيران اعتمدت إستراتيجية تصدير نموذجي "حزب الله" و"الحوثيين" إلى شمال إفريقيا، و"استغلال جبهة البوليساريو الإرهابية لتحقيق الأهداف الإيرانية في زعزعة أمن واستقرارا المنطقة".

وكان السيناتور الأميركي تيد كروز قد صعّد من لهجته تجاه جبهة "البوليساريو" الانفصالية، محذرا من إمكانية توظيفها ضمن شبكات النفوذ الإيراني، ومقارنا وضعها بما وصفه بـ"نموذج الحوثيين" في غرب إفريقيا.

وجاءت تصريحات كروز في سياق تحركات داخل الكونغرس الأميركي لإعادة تصنيف مقاربة واشنطن للملف، حيث تقدم، إلى جانب عضوين آخرين بمجلس الشيوخ، بمشروع قانون في مارس 2026 يدعو إلى إدراج "البوليساريو" ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية، في حال ثبوت تعاونها مع جهات إيرانية مصنفة بدورها على هذا الأساس.

وتشير المعطيات الرسمية المغربية إلى أن هذا الدعم الإيراني لجبهة "البوليساريو" تم عبر قنوات غير مباشرة، خاصة من خلال "حزب الله" اللبناني، الذي تتهمه الرباط بلعب دور في تقديم تدريبات عسكرية، ونقل خبرات ميدانية إلى عناصر من الجبهة.

وتعتبر السلطات المغربية أن هذا التقاطع بين "البوليساريو" وشبكات مرتبطة بإيران، يشكل تطورا في طبيعة النزاع وتهديدا مباشرا للأمن القومي، خصوصا مع الخطاب الملكي الذي أكد أن "المغرب ينظر إلى العالم بعيون صحرائه".

نموذج الحرب بالوكالة

وأعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران في مايو 2018، متهما سفارة طهران في الجزائر بتسهيل هذا الدعم، وتوفير غطاء سياسي لعلاقات "حزب الله" بجبهة "البوليساريو".

وأوضح وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة آنذاك، أن المعطيات المتوفرة تشير إلى تورط عناصر من "حزب الله" في تدريب مقاتلين من البوليساريو على استخدام أسلحة متطورة، من بينها صواريخ أرض-جو، إضافة إلى تقديم دعم لوجستي وتقني.

وكانت طهران حسب الباحث المختص في قضايا الصحراء المغربية محمد سالم عبد الفتاح سباقة للاعتراف بـ"البوليساريو" مطلع ثمانينيات القرن الماضي بعيد ثورة الخميني، حيث نظمت زيارات ميدانية لمسؤولين إيرانيين لمعسكرات الجبهة بجنوب غرب الجزائر، شملت تقديم مساعدات وحضور خبراء وتقنيين عسكريين.

ويضيف المختص أن التقارير الحديثة تؤكد تقديم التدريبات العسكرية والتأطير التقني للانفصاليين من طرف "حزب الله"، وهذا الشكل من التدخل الإيراني في سيادة دول المنطقة "لا يمكن فهمه خارج إطار ما يعرف في أدبيات الأمن الدولي بمفهوم الحرب بالوكالة، حيث تلجأ القوى الإقليمية إلى توظيف فاعلين غير رسميين، لمد نفوذها وتحقيق أهدافها دون الانخراط المباشر في النزاعات".

وقدمت الرباط في هذا السياق معطيات وصفتها بالدقيقة، تتعلق بقنوات التواصل والتنسيق بين مختلف الأطراف، معتبرة أن هذه الأنشطة تمثل تهديدا مباشرا لوحدتها الترابية.

وفي المقابل، نفت إيران هذه الاتهامات، وأكدت عدم وجود أي علاقة لها بدعم الجبهة الانفصالية.

وشهدت العلاقات بين البلدين توترات سابقة، إذ سبق للمغرب أن قطع علاقاته مع إيران سنة 2009، على خلفية ما وصفه بمحاولات نشر التشيع داخل المجتمع المغربي، إضافة إلى مواقف سياسية اعتُبرت غير منسجمة مع ثوابت المملكة.

وقد أعيدت العلاقات بشكل محدود سنة 2014، قبل أن تتدهور مجددا في 2018.

تحصين الداخل والخارج

وكثف المغرب تحركاته الدبلوماسية لعرض مخططات الاستهداف الإيرانية على شركائه الدوليين، خصوصا في واشنطن، حيث تم تقديم معطيات حول طبيعة الروابط بين إيران و"حزب الله" من جهة، و"البوليساريو" من جهة أخرى، وقد أدرج هذا الموضوع ضمن نقاشات سياسية وأمنية داخل مؤسسات أميركية.

ويشير الباحث في العلاقات الدولية لحسن أقرطيط إلى التقاطع الحاصل في المصالح بين إيران والجزائر، والذي في نظره هو أساس دعم طهران للانفصاليين، ومدهم بأسلحة نوعية منها "صواريخ أرض جو، والطائرات المسيرة رخيصة التكلفة".

وتزامنت هذه التطورات مع تعزيز التعاون العسكري والأمني بين المغرب والولايات المتحدة الأميرکية، حيث يُصنف المغرب كحليف رئيسي خارج حلف شمال الأطلسي.

ويشمل هذا التعاون حسب تقارير رسمية مغربية مجالات التدريب، وتبادل المعلومات، وتطوير القدرات الدفاعية.

وتشدد الرباط في مواقفها الرسمية، على أن قراراتها تجاه إيران تستند إلى اعتبارات سيادية وأمنية، مع التشديد على رفض أي تدخل خارجي في شؤونها الداخلية أو تهديد لوحدتها الترابية.

ويؤكد الباحث محمد سالم أن أحد الأهداف المركزية لمخططات إيران في شمال إفريقيا، يتمثل في "خلق نقاط ارتكاز جيوسياسية قادرة على التأثير في توازنات المنطقة، في مواجهة دول تعد شريكا إستراتيجيا لخصوم إيران".

وفي مواجهة هذه المخططات الإيرانية، اعتمد المغرب حسب المختص في ملف الصحراء المغربية، مقاربة استباقية متعددة الأبعاد، اتسمت بالجمع بين "الحزم الدبلوماسي واليقظة الأمنية والعمل المؤسساتي طويل النفس".

ويضيف محمد سالم في تصريحه لـ"المشهد" أن المغرب عزّز على المستوى الأمني من تعاونه مع شركائه الدوليين، خصوصًا فيما يتعلق بتبادل المعلومات حول الشبكات المرتبطة بـ"حزب الله" في إفريقيا، مع تكثيف المراقبة في الفضاءات الهشة بمنطقة الساحل.

وعلى المستوى الداخلي، فقد عملت المملكة حسب الباحث، على تحصين المجال الديني والمؤسساتي من خلال "دعم نموذج الاعتدال والوسطية الذي ترعاه إمارة المؤمنين، بما يحد من أي اختراقات محتملة ذات طابع مذهبي أو أيديولوجي".

ويربط أستاذ الجغرافيا السياسية لحسن أقرطيط بين هجمات مالي الأخيرة ومخططات الأطراف الخارجية ومن بينها إيران، ففي نظره فإن تحالف "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" الإرهابية و"جبهة تحرير أزواد" الانفصالية، غير قادر لوحده على تنفيذ تلك النوعية من الهجمات المنسقة من دون "غرفة عمليات وتحكم خارجية متقدمة جدا على المستوى العسكري، وتتجاوز قدرات الإرهابين والانفصاليين".

ويعتبر أقرطيط في تصريحه لـ"المشهد"، أن تداخل المصالح بين طهران وتحالف الانفصال والإرهاب في المنطقة أصبح تحصيل حاصل، وهو ما يستدعي في نظره "تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لمجابهة التهديدات الإيرانية وتفكيك مخيمات الانفصاليين في تندوف، والتي تعتبر اليوم بؤرة لتجنيد الإرهابيين، وخدمة المخططات التخريبة الإيرانية على مستوى شمال إفريقيا". 

(المشهد)